تسع سنوات على " الحرب " على سورية.. بين الواقع القائم .. و المستقبل المنشود

الجيش السوري

 

1▪︎ سنواتٌ تِسْعٌ تفصلنا اليومَ عن بدايةِ عصرٍ عالميّ جديد ، عصر الحرب الشّاملة على سورية . إنّه عصرٌ عالميٌّ موصوفٌ بخصوصيّةِ أنّهُ سيبقى بالنّسبةِ إلينا كما بالنّسبة لأبنائنا و أحفادنا على توالي أجيالهم ، منعطفاً عربيّاً و سوريّاً و إقليميّاً و عالميّاً و تاريخيّاً ، بالإضافة إلى أنّه شكّل و سيشكّلُ مفترقاً أنثروبولوجيّاً يُضافُ علميّاً إلى تاريخ "تطوّر" المجتمعات و الأمم .

 

عصر التّحوّلات العالميّة الشّاملة التي تُحقّبُ لتشكيلةٍ سياسيّة عالميّة عابرةٍ للقارّاتِ و البحار و المحيطات . و هي عابرة أيضاً للثّقافة و الأخلاق .. و يبدو أنّهُ عصرٌ لن تنجلي خبرتُهُ ، فهماً و إدراكاً ، إلّا في فلسفة السّياسة !

 

2▪︎ و في الصّورة الشّاملة ، أيضاً ، فإنّه عصر إفصاح هذا "العالَم" عن معاناته من فاقةً فوقَ دماغيّة ! هي ليست فاقة عضويّة تكوينيّة ، و إنّما هي تعبيرٌ عن العَوَزِ المزمن الذي يُرافقُ الانتفاخ الإنسانيّ المبرّح جرّاء إيمانه بثقافاته الضّحلة العمياء . الثّقافات التي أرهقت "سَوَاءَ" الغريزةِ الطّبيعيّة الحنونة التي ضمنت للإنسانيّة كلّ تاريخها البنّاء ؛ فيما هي ( الإنسانيّة ) - مع "التّقدّم" - تَنحَرُ جميعَ إنجازات تاريخها بسبب التّسلّط العُنفيّ الوَرِمِ الذي سيقضي - ربّما - على أفضل الآفاق المحتملة أو الممكنة.

 

3▪︎ نحن ما نزالُ في "مناسبات" دماءٍ أُهرِقَتْ و تُهرقُ ، و آلامٍ سالَتْ و تسيلُ ، و فظائعَ ارتكبتْ و مازالت تُرتكبُ باسم الإنسانيّة و "حليبِ الأطفالِ" !!.. و الثّورة و الحرّيّة و النّزاهة و حقوق الإنسان !!. إنّها طنطناتُ و قرقعاتُ الأسماء والرموز والمصطلحات والمفاهيم الثّقافيّة - السّياسيّة ، الكليّة ، التي تستعيد طقوسَها البربريّة في حقولِ النّار و بحار الدّم ، و في ممارسة أبشع أنواع الاستيهام و الإيهام و الجهل و التّجهيل و القتلِ و الدّمار على الشّعوبِ الطّريّة.. لتصنيع " أفضل" أداء مُحسّنٍ للوحشيّة الاجتماعيّة و البربريّة السّياسيّة ، و العنف و التّوحّش..!

 

4▪︎ اليومَ.. وصلت الحربُ القائمة علينا في سورية إلى مرحلة تسمح بتحقيب الصّراع الدّائر و عنصرته في أفعال و مراحل نوعيّة و استجابات تعبّر تعبيراً واضحاً عن واقع و طبيعة حجم المؤامرة العالميّة - الصهيو / أطلسية / الأعرابيّة ، على نحو يفضح جميع مكوّنات هذه الحرب النّموذجيّة غير المسبوقة على الأمم و الأوطان ، بحيث تشرح هذه الحربُ نفسها كمثالٍ على وَفرةِ الأفكار القاتلة على الشّمول ، و خطابِها الموازي ، مقابل ندرةِ الثّقافة التي تُمارَسُ في وجه هذه الآليّة التّدميريّة ، المنظّمة جدّاً ، للحرب في الأُنموذج و المثال.

 

5▪︎ لا يُلبّي حديثنا عن الواقع اليوميّ الفظّ و المباشر و القريبِ ، هنا ، شيئاً من المعرفة. فالمنظرُ الدّامي للقتل الذي مُورِسَ ولا زال ، على شعبنا العربيّ السّوريّ ، و الدّمار و التّخريب الممنهجَين ، و الخنق المتعمّد للحياة ، و الثّأر و الانتقام من حضارتنا العربيّة السّوريّة العريقة عراقة هذا التّراب ، و محاولات النيلِ من كراماتنا ، و العمل على تقبيح البطولة و الشّهادة و الرّجولة و الأنوثة و الجمال.. ، و الانتقام من البشرِ و الحجر.. و شطب الرّوحِ الأصيلة في المكان ..

 

أقولُ جميع هذا و ذاك ، هو ممّا استفاض الكثيرون في الحديث فيه و "وصفوهُ" بطرق متعدّدة بعضُها القليلُ - و الأحرى النّادر - الذي كان توظيفه ناجحاً للكشفِ عن "كلمات السّرّ" التي تُبرمج مفتاحيّات الحرب ؛ على أنّ الكثير منها ، أيضاً ، كان و ما زال مُصاباً بالوظيفيّة الانتهازيّة التي غالباً ما تزدهرُ ، ثرثرةً مقيتةً لهُواةٍ هَزْليين ، في الكوارث و الملمّات.

 

6▪︎ و مع تقدّم و تطوّر الدّيناميّات المختلفة للدّمار و سفك الدّماء ، الذي "تكفّلتْ" به هذه الحرب ، تتطوّر أيضاً مجموعة من الإيحاءات و المعالم التّكوينيّة البنيويّة التي تشكّل منحًى خطّيّاً لتعاقبِ الأحداث و المراحل التي قطعتها هذه المَعْمَعَةُ ، هذا و لو أنّ الفصل بين المراحل و الأغراض و الأدوات غير ممكنٍ كما أنّه ليسَ من أهداف هذه القراءة.

 

7▪︎ نحن اليوم على مسافةٍ كافية من البدايةِ و التي تستمرّ في الأدوات و الأهداف ، كما أنّنا في مرحلةٍ متقدّمة و ناضجة من هذا الصّراع ، تسمح كلّ منهما بمعاصرة مضمون و مغزى هذا الحدث التّاريخيّ العاتي . إنّ علينا أنْ نقرأ الكارثةَ الإنسانيّة التي يُمارسها علينا ثأرُ " الآخَر " ، قراءةً مفصّلةً و واسعةً - و هذه دعوةٌ لكلّ متمكّنٍ و قادرٍ من المثقّفين و المفكّرين و علماء الاجتماع - و أن نعمل على تفنيد مبادئها و مراحلها ، و ذلكَ قبل أنْ نصبحَ نحن - كما هي العادة - مادّةً صمّاءَ للدّراسات الغربيّة و الاستشراقيّة التي تعبثُ بحقائقنا و تاريخنا من وجهات النّظر و الثّقافة "المركزيّة"(!) الغربيّة المعروفة بالكثير من مناهجها المغرضة ؛ في الوقت الذي أَعتبرُ فيه هذه المقاربة الوجيزة و العَجلى إسهاماً أوّليّاً في المقدّمات الأساسيّة فحسب.

 

8▪︎ كان واضحاً منذ بداية هذه الحرب الهمجيّة أنّ أهدافها مركّبةٌ و معقّدةٌ ، بحيث أنّ شعاراتها الأوّليّة الكاذبة لم تعبّر ، البَتَةَ ، عن أهدافها الحقيقيّة.

 

و يوماً وراء يوم و حدثاً إثرَ حدثٍ ، راحت الجريمة الشّاملة تشرح نفسها من دون تحفّظٍ ، و لكنْ بدرايةٍ تامّة من المخطّطين و المنفّذين ، الأصلاءِ و الوكلاءِ و المرتزِقةِ و المأجورين ، في ما ينتقلون يوماً بعد يومٍ في الفجورالذي يؤسّس لأهدافهم السّياسية ، التي باتت عاريةً حتّى بالنّسبةِ إلى أشدّ مَنْ كان و ما زال مِنْ مناصريهم و محازبيهم و زبانيتهم من المعارضات المحلّيّة ، الدّاخليّة و الخارجيّة ، تقيّةً و غباءً و حقداً و مزايدةً.. في وقتٍ واحد.

 

9▪︎ لقد استهدفتْ الحربُ على سورية كلّ شيء له إسمٌ حضاريٌّ و قوميٌّ و وطنيّ : روح العصر ، الانتماء و الاندماج العربيّين ، مقوّمات الوطن ، الدّولة و الأرض و الشّعب ، مكوّنات المجتمع ، الإنسان بدمهِ و لحمه.. الاقتصاد و المال العام ، المؤسّسات و المرافق العامّة ، الثّقافة و البنية الخدميّة ، السّايكولوجيا الفرديّة و الاجتماعيّة.. و الأحلام أيضاً.. إلخ.. ، إلخ..

 

غير أنّ أهدافها هذه انقسمت في توجّهين أساسيين يمكن التّعبير عنهما باستهدافين منظّمَين و مخطّطين هما : رأس المال المادّي ، و رأس المال الرّمزيّ..

 

إنّ أدوات الحرب و السّياسة في الغرضِ و الغاية لا تخرج بأيّ حالٍ عن هذين المكوّنين الرّئيسين للوطن أو للأمّة.

 

10▪︎ صار من المفهوم ، كيف استهدفت الحربُ البنيةَ المادّيّة التّحتيّة في سورية و استباحت حقوق المواطن و الإنسان بالحياة و الوجود و لقمة العيش و سدّ الرّمق.

وقد اجتمع القاصي و الدّاني للتّخريب المدمِّرِ و الخيانة المُنظَّمة و الفجور المُمَنهج و الاعتداء على ، و اغتصاب ، جميع عناصر الحياة..

و ساعد على ذلك من هم في حكم العدوّ العالميّ و الإرهابيّ من تجّارِ الحربِ في الدّاخل و الخارج ، إضافةً إلى كيل العقوبات الغربيّة الاقتصاديّة و الماليّة على الشّعب العربيّ السّوريّ ذي العودِ الغضّ. .

هذه الصّورة هي الأوضح عند الغالبيّة ، نظراً للمعاناة المباشرة التي يرزح تحت وطأتها المواطن و الوطن . هذا أمرٌ واضح إذاً..

و لكنّ الأمر الذي ينبغي علينا أن نُدركه هو ما ليسَ من الملحوظ عياناً. و لو أنّه يصبح جليّاً في التّفكير الوجيز . و أعني بهِ الحربَ على رأس المال المعنويّ أو الرّمزيّ التي تُعدّ أهميّتها مركزيّة ، و غالبةً في الظّرفيّة ، في صلبِ جوهر الحرب و في مراميها الأكثر خطورةً و الأبعد أثراً ، لا سيّما مع فشل الحرب العسكريّة الإجراميّة المباشرة في النّيل من صمود المجتمع و الدّولة و الجيش و البنيان و الإنسان.

 

11▪︎ إنّ رأس المال الرّمزيّ ، هو كلّ ما يتعلّقُ بالقيمة ، على شتّى أنواع القيم المعروفة في الاقتصاد و السّياسة و الأخلاق ، بما يختلف عن الكلفة المادّيّة التي يعرفها الجميع. .

○ فهنالك القيمة التّبادليّة التي يعرّفها الاقتصاديّون ( و مثالهم ماركس ) بأنّها كميّة العمل الاجتماعيّ المبذول لإنتاج البضاعة أو السّلعة أو الخدمة. .

○ ثُمّ القيمة الاستعماليّة التي يعرّفونها بضرورة أو إلحاح الحاجةِ إلى الشيء. .

○ و هناك القيمة الأخلاقيّة التي تعتبرُ قيمة غير معياريّة من حيثُ أنّها لا تقاسُ و لا تُقدّر و لا تُثمّنُ و لا تُسعّر . وهذه القيمة الأخيرةُ هي القيمة التي يكون معها العالمُ أكثرُ صِدقاً و إنسانيّة و آدميّة و طمأنينة و اطمئناناً و أماناً.

12▪︎ و فوق جميع تلك القيم ، و في ما يختزل جوهرها أيضاً ، هنالك القيمة الرّمزيّة التي يشكّل مجموع عناصرها ما يُسمّى برأس المال الرّمزيّ في الوطن أو الدّولة أو الأمّة ..

 

الذي يعني العبثُ فيه ، انتهاكاً للثّقة بالتّكوين الوجدانيّ للمجتمع و اعتداءً على الثّوابتِ التي تمنح الأمّة أو الدّولة صيغتها الجوهريّة التي تقاوم العدوان الّلغوي الذي يترك أثره ، أوّل ما يتركهُ، على الإيمانِ بالذّات الجمعيّة المستمدّة من أصل الحقّ الترنسندنتاليّ ( القَبليّ أو العالي أو المتعالي أو المفارق للمحسوس في التّجربة و التّبادل..).

و هذا بالضّبط ما اشتغلت عليه الحربُ على سورية منذ بدايتها أيضاً بالتّزامن مع تخريب جميع بنى رأس المال المادّيّ.

13▪︎ كان التّخطيطُ ، و ما زال ، واضحاً لتدمير القيم الوطنيّة الرّمزيّة ، التي تُعدّ الهيكلَ الأساسيّ للبنية الوطنيّة الجمعيّة . فعلاوة على الحربِ المادّيّة الشّاملة التي خرّبت كلّ ما أمكنهم فيها تخريبه ، كانت الحربُ الرّمزيّة أخطرَ و أعتى ، و قد عملوا على ذلك بوضوح و صراحة و شراسةٍ غير مسبوقة.

و تبدو خطورةُ هذا النّوع من الحرب ، في اطّرادها بالتّساوق و التّزامن مع الحرب على العناصر الوطنيّة الواقعيّة و المادّيّة.

و من الواضح أنّهم أدركوا هذه الخطورة في أهمّيّة وسائلهم و أدواتهم ، و اشتغلوا عليها بما لم يدّخروا فيه الغالي و الثّمين من الأموال و السّياسة و الدّبلوماسيّة و الدّين و الفجور الإعلاميّ أيضاً.

14▪︎ عندما نعود في الذّاكرة القريبة إلى تعاقبِ مراحل الحرب على سورية و أدوات هذه الحرب ، نُدرك بوضوح كيف اشتغلَ العدوان العالميّ - الصهيو / أميركي - الإخواني - الوَهّابيّ - الإرهابي - الوحشيّ ، على استثمار تخريب الواقع المادّيّ و الاقتصاديّ و البنية التّحتيّة في مكوّنات الدّولة ، تسهيلاً للوصول إلى تناول ما أسميناه رأس المال الرّمزيّ ، بالعبث و التّشكيك النّفسيّ الاجتماعيّ و التّاريخيّ ، وصولاً إلى العمل على التّدمير و الدّمار الشّامل .

15▪︎ نذكرُ أنّه من أوائلِ ما بدأت فيه الحربُ ، في النّصف الثاني من شهر آذار - مارس من العام 2011م ، كان هو الهجوم على الرّمزيّة الإنسانيّة و الأخلاقيّة للدّولة ، و ذلك في مسرحية " أطفال درعا " الفانتازيّة التي صارت معروفة و مفهومة و مفضوحة أيضاً..

وبالمناسبة ، فإن بعض الوطنيين انجرفوا وراء ما سوقه بعض سدنة الحرب على سورية ، حول ( التحرك السلمي !! وضرورة تلبية المطالب المحقة لأهل درعا .. ) و انساقوا وراء القول بأن زيارة الرئيس بشار الأسد حينئذ لمدينة درعا ، كانت كفيلة بوضع حد للأمور وبإنهاء الاضطراب منذ البداية !!

ويجهل هؤلاء أو يتجاهلون بأن الرئيس بشار الأسد ، استقبل حينئذ معظم رموز درعا ، ووافق لهم على جميع مطالبهم .. وخرجوا وهم يلهجون بالشكر والعرفان .. ولكنهم بعد عودتهم إلى درعا بساعات ، قلبوا ظهر المجن وصعدوا الموقف ضد الدولة ، تنفيذا للخطة الخارجية المعتمدة.

والأمر الأخطر ، هو أن الخطة ، بالأساس ، كانت تقتضي استدراج الرئيس بشار إلى مدينة درعا ، للقيام باغتياله داخل المدينة .

16▪︎ ثمّ جرى الانتقالُ إلى الهجوم على " الدّستور " من جهة " المادّة الثّامنة " منه و التي قصدوا من خلالِ شيطنتها ، حذفَ تلك القيمة الرّمزيّة للبعثِ ، كحاضنٍ للقيم العربيّة في الدّولة الوطنيّة السّوريّة ، و دكَّ الإسفين الأوّل في الجسد السّياسيّ السّوريّ المعاصر.

17▪︎ و تلا ذلكَ الهجومُ على اعتباريّة الجيش العربيّ السّوريّ ، بوصفه حامياً للدّيار في وجه الاستباحة الشّاملة للوطن ، كما بوصفه الجدارَ الصّلب الذي تتكسّرُ عليه مشاريعهم التّقسيميّة الانتقاميّة و الثّأريّة ، فقاموا بمحاولات لم تيأس بعدُ ، من أجل تصويره كقوقعةٍ غريبةٍ عن جسد الوطن.

و ها هي الأيّام تُثبتُ ، الآن تحديداً ، قيمة هذا الجيش البطل و دوره في الحفاظِ على كرامة الشّعب العربيّ السّوريّ و تجنيبه العبوديّة ، و الحفاظ على شخصيّة الوطن و الدّولة و حماية و صيانة هيبة الأمّة العربيّة جمعاء.

18▪︎ و رافق هذا و ذاك ، الحربُ على رمزيّة " العَلَم " الذي يختزلُ العَقَديّة السّياسيّة للشّخصيّة الوطنيّة ، إذ رفعوا في حربهم المأجورة علمَ الانتداب الفرنسيّ في وجه علم البلاد.

19▪︎ و انتقلوا بعد ذلك ، إلى التّركيز الكثيف في الهجوم على " الرّئيس " و على شخص الرّئيس الأسد باعتباره رمزاً كثيف الدّلالة للجُرأة و العنفوان و الصّمود و الشّجاعة و لِأنّهٌ ضامنٌ سياسيٌّ و أخلاقيٌّ لوحدة المجتمع و الدّولة و المؤسّسات.

20▪︎ و في الأثناء تناولتِ الحربُ " الرّمز الطّائفيّ" الذي يُعبّر عن تنوّع المجتمع العربيّ السّوريّ و قوّته و غناه في هذا التّنوّع ؛ فجاهروا ، حِقداً و لؤماً و تفاهةً ، بالهجوم الطّائفيّ و المذهبيّ الصّريح ، عليه.

21▪︎ و لقد لجأتُ إلى هذه التّبسيطيّة في التّفنيد السّابق ، أملاً في أن تدخلَ هذه الفكرة في عداد الثّقافة السّهلة التي تُصاب بها المجتمعات و العالم ، يوماً إثر يوم ، مع أنّ هذا الأمر هو في عداد الأسلوبيّة الوظيفيّة المتطوّرة للعلوم النّفسيّة الاجتماعيّة الحديثة و المعاصرة.

22▪︎ و على أيّ حال ، فهذا ليس هو المشهد الشّامل الحقيقيّ ، على الحصر ، لهذه " الحرب " كواقعةٍ تاريخيّةٍ ، من المرجَّح أن يستبعدَ تكرارَها ، كلّ منطق للتّحليل و التّركيب و الجدل . و هذا هو بالضّبط شأن الحركات و الأعمال و الأحداث الفاصلة في التّاريخ.

23▪︎ إذاً ، فلكي يكتملَ المشهد ، لا بدّ من أن نبحث عن وجهٍ إيجابيٍّ موضوعيٍّ واضح ـ و لو على مضضٍ وجدانيّ - لهذه الحرب التدميرية الشعواء ؛ و شأنُها في هذا شأنُ كلّ حدث تاريخيّ أو طبيعيّ أو كونيّ ، من حيث اجتماعُ ما ننعتُه ، فيها ، في " الثّقافة "، سلباً و إيجاباً . و يتبدّى هذا الوجه الإيجابيّ في الأثرِ الإقليميّ و العالميّ الذي كان أحد أهم أصداء و مفاعيل هذه الحرب.

24▪︎ منحت الحربُ شرعيّةً نهائيّة و ثابتةً للمقاومة العربيّة ، ضدّ مختلف مشاريع الالتهام المُعَدّة تاريخيّاً لمنطقتنا "الشّهيّة".. في وجه المشروع العالميّ المعادي ضدّ قلب أمتنا العربيّة في هذا المكان الاستقطابيّ للجغرافيا و التّاريخ و المتمثّل في ( سورية - بلاد الشّام )..

25▪︎ فلقد تجلّت في ( سورية ) كلّ عراقة الثّبات و التّحدّي التّاريخيين ، و قدرة الشّعب العربيّ السّوريّ و الجيش العربيّ السّوريّ و نظامه الاجتماعيّ و السّياسيّ وقائده التاريخي ، كأسطورةٍ معنويّة أبديّة من أساطير مواجهة و سحق موجات الغزو الاستعماريّ التي تعدّدت على مرّ تاريخ ( دمشق ) ، فتحطّمت - مرّة أخرى و أخرى - أوهام الغزاة و المحتلّين و مشاريعهم و أطماعهم على مختلف صنوفهم الأعرابيّة و العثمانيّة و الصّهيونيّة و الأوربيّة و الأميركيّة.

26 ▪︎ أثبت "حزب الله" قوّته و ضرورته الاستراتيجيّة و جوهريّته التّكوينيّة في ( لبنان ) و منطقة المشرق العربيّ كلّه ، و استعاد جميع مسوّغاته النّضاليّة الإقليميّة ، فاندرج في عناصر " القوّة الشّاملة " السّوريّة و الإقليميّة في وجه الصّهيونيّة العالميّة و الرّجعيّة العربيّة الإسلاميّة و المخطّطات الغربيّة على مختلف جنسيّاتها و أهدافها و أوهامها في ابتلاع المنطقة أيضاً.

27▪︎ برزت ( إيران ) ، عمليّاً ، كقوّة إقليميّة واقعيّة و قادرة ، و كمُعادلٍ سياسيّ و عسكريّ حيّ و جِدّيّ في وجه وحشيّة محميات " الكاز والغاز " الرّجعيّة الوهّابيّة ، كما في وجه البدائيّة السّياسيّة "الأخونجيّة" التّركيّة و أوهامها في استعادة ما تبدّد من أحلامها الضّائعة في أمجادها الإمبراطوريّة البائدة .. بل وفي وجه المخططات الأمريكية الاستعمارية..

28▪︎ فيما دخلت ( تركيا ) في مرحلة خلخلة اجتماعيّة و سياسيّة داخليّة ، عرقيّة و ثقافيّة و طائفيّة ، سوف يكون لها أثرها المباشر ـ و ربّما القريب - في زعزعة دكتاتوريّة الطّغمة الحاكمة " الأخونجيّة " فيها ، بعد أن جرى نبذها ، بحذافير الفضيحة العقلانيّة التي تورّطتْ فيها ، بدءا من فشل " مشروع " انضمامها إلى "الاتّحاد الأوروبيّ " ، وصولا إلى فشل مشروعها في استعادة ماضي السلطنة العثمانية.

29▪︎ تملمَلَ " الشّرقُ " العالميّ و راح ينفض عنه غبار اليأسِ ، ثأراً من الأخطبوطيّة الغربيّة - الأميركيّة ، فوصلت أمواجُ حضوره الواثقة الجديدة في " النّظام العالميّ " المستحدث بفعل أثر الصّمود السّوريّ الخارق ، إلى أقاصي ( شرق آسيا ) مع ( روسيا ) و ( الصّين ) ، حتّى شواطئ المحيط الهادي..

و في الأثناء انكفأت ( أوربّا )و انغمست أكثرَ فأكثرَ في تبعيّتها لأميركا و تضاءل دورها العالميّ و انكمش على إيقاع تحوّل " القوّة " الأميركيّة ، إلى التّركيز على مواجهةٍ جديدةٍ مع ( روسيا ) و ( الصّين ) في شواطئ و بلدان الشّواطئ الأسيويّة للمحيط الهادي.

30▪︎ استعادة التّوازن إلى قرارات " مجلس الأمن الدّوليّ " نتيجة الدّور العالميّ القويّ الذي اضطلعت به من جديد ، كلّ من ( روسيا ) و ( الصّين ) أمام كلّ من ( أميركا ) و ( إنكلترا ) و ( فرنسا ) ، و استعادة بعض الشّرعيّة الدّوليّة إلى أعمال منظمة " الأمم المتّحدة "، تَبعاً للدّور الجديد لكثير من دول العالم التي تتخلّص شيئاً فشيئاً من تبعيّتها إلى الوَلايات المتّحدة الأميركيّة و الغرب الإمبرياليّ بشكل عام.

31▪︎ وقَبْلَ ذلك وبَعْدَهُ وخلاله ، جري تطويب قيادة تاريخية عالمية وإقليمية وعربية وسورية ، كانت بيضةُ القبّان وقطب الرّحى والعمود الفقري ، في جميع هذه التّحوّلات والتبدّلات والتغيّرات التي تطرأ علي الساحة الدولية ، هي : [ أسد بلاد الشام : الرئيس بَشّار الأسد ] ..

32▪︎ و في هذه البيئة العالميّة الجديدة ، تنمو من جديد ثقافاتٌ و أعرافٌ بديلةٌ في " الغرب " و " الشّرق "، تتجذّرُ على العداء للسّياسات الصّهيونيّة - الأميركيّة - الأعرابية التي بدتْ إلى حينٍ على أنّها قدرٌ تاريخيّ عالميّ و وحيد.

33▪︎ في الحقيقة السّياسيّة التّاريخيّة ، و من باب الفلسفة السّياسيّة ، فإنّ المعاناة الشّاقّة التي يرزح تحت وطأتها : الوطن و الدّولة و المجتمع و الشّعبُ في سورية عَبرَ السّنوات التسع الماضية على الحرب ، هي أكثرُ من نتاجٍ مباشر ، أصاب عناصر و معالم الحياة و مظاهرها الحيويّة و الاجتماعيّة و النّفسيّة..

34▪︎ هذا الأمرُ ليس قليلاً على كلّ حالٍ ، و ليس عابراً في معايير الخراب و الدّمار و الألم الوجدانيّ الذي تغلغل في الأمل الفرديّ و الجماهيريّ سواءً بسَواء.

35▪︎ غير أنّ ما هو مُقْلِقٌ جداً - ربّما - و مرتقبٌ و احتماليّ و واقعيّ كذلك ، هو ما يمكنُ أن يُسمّى بالحالة المعرفيّة العامّة الغالبة للعصر و التي يدخلُ فيها ما هو أصلبُ تكويناً ، في إعادة إنتاج الكينونة المكانيّة - الزّمانيّة التي ستقدّمُ ، أو التي من المتوقّع والمحتمل والممكن أن تقدّمَ ، أسباباً و مُعطياتٍ تفكيكيّة اجتماعيّة و سياسيّة ، تكريسيّةً ، تحت عنوان الإضافات الأيديولوجيّة التّاريخانيّة ، إلى حصيلة الأيديولوجيا العربيّة - الإسلاميّة الانقساميّة و الانعزاليّة التي كانت في صلبِ قاعدة معطيات الحرب نفسها في الأسباب و الأدوات و الدّوافع و المحفّزات.

36▪︎ نحن هنا في مواجهة انعزاليّة أيديولوجيّة جديدة ، من الممكنِ أن تُمعنَ في التّخندق الأيديولوجيّ المناوئ للعقلانيّة و العصرنة و علمانيّة الدّولة و المجتمع ، و المعاند - من ناحيةٍ وظيفيّة موضوعيّة - لآفاق و ظروف العدالة الاجتماعيّة ، في مواقع اجتماعيّة و اقتصاديّة و فئويّة استحدثتها ، مؤخّراً ، الحرب. .

هذه حالة ثقافيّة - مادّيّة و نظريّة - تنمو في "الإبستميّة : المعرفية" العامّة ، كسلطاتٍ أخرى جديدة تعزّز واقع السّلطات الدّاشرة خارج سلطة الدّولة و النّظام ، و بمعزلٍ عن أيّة قوّة معرفيّة لمشروع الدّولة الوطنيّة.

37▪︎ و في مواجهة هذا الأمر تبدو مهمّات " الدّولة " أكثر جِدّيّةً لتنظيمٍ مضادّ و مقابلٍ ، و لاستثمارٍ أكثر درايةً معرفيّة و مسؤوليّة تاريخيّة ، في مشروعٍ شاملٍ من البحثّ و الدّراسة و الاستقصاء و التّعمّق ، في ما وراءِ الأشكال العابرة للفعل و ردّ الفعل.

و كلّ استجابةٍ لأيّ حدثٍ أو مفعولٍ من مفاعيل الواقع ، مرهونةٌ بمدى و بالقدرة على تشخيص الوقائع التي تنحو منحى الظّواهر الموصوفة.

38▪︎ من هنا يبدو مستقبلُ الوطنِ و الدّولة و المجتمع ، ليسَ معقّداً أو مركّباً فحسب ، و إنّما أيضاً محفوفاً بمجموعةٍ من المخاطرِ التّاريخيّة التي ينبغي أن تُبتَرَ بتراً منظّماً و معرفيّاً ، و ذلك باستخدام علوم الإحصاء السّياسيّ و الاقتصاد السّياسيّ و فلسفة السّلطة و الدّولة ، و مواقع و مواضع التّأثير ، للضّبط الدّقيق للنّتائج التي أفضت إليها حربُ الإرهاب العالميّ على البنية الاجتماعيّة السّوريّة ، هذه النّتائج التي تتمظهر مباشرةً في العادات و الأعراف الثّقافيّة الجديدة التي تؤسّس لواقعٍ تربويٍّ و أخلاقيّ فرديّ و اجتماعيّ جديد.

39▪︎ من واقع مفردات السّايكولوجيا الفرديّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و الثّقافيّة الجديدة ، التي رسّختها الحربُ الدولية ، علينا ، منذ اليوم ، أن نتطلّعَ إلى إسهامٍ منظّمٍ بقوّة الدّولة و عنف الدّولة المسوّغِ و المشروع ، في الإعداد للانتقال التّاريخيّ الأيديولوجيّ و الثّقافيّ ، جنباً إلى جنبٍ مع إعادة البناء و الإعمار ، في مشروعٍ هو أولويّةٌ إلى عشرات السّنين المقبلة أو يزيد.

40▪︎ و فقط ، في إدراكِ " المادّيّ" و "الرّمزيّ" في آثار الحرب المعاصرة على سورية ، يمكنُ لنا أن نتصوّرَ و نطرح - في مسؤوليّة تاريخية - جميع ما يمكنُ لمؤسّسات المجتمع و الدّولة أن تقوم به ، كدورٍ منظّمٍ من الأدوار المطلوبة على الجميع ، أفراداً و مؤسساتٍ و سلطاتٍ ، في إطار سياسة الدّولة النّوعيّة في التّخطيط ، و التي تهدف - ما أمكن - إلى شقّ طريقٍ إلى المستقبل ، يكونُ معه عمر تجاوز هذه الحرب مع آثارها المدمّرة ، موضوعاً خاضعاً للتّحديد و القياس

النهضة نيوز - دمشق