معركة الكرامة.. ناجي الزعبي

معركة الكرامة

مقدمه:

لماذا الحديث عن معركة الكرامة؟  ولماذا كل هذا الصدى الإعلامي؟، ولماذا كل عام يتم الإحتفال بذكراها ويكرم شهدائها ويغفل ذكر الكثير الكثير من أسراراها وبطولاتها، كيف فُرِضت إرادة  القتال لصالح حالة الإنصهار والوعي والكمون الثوري لحامل المشروع التحرري، الشعب الاردني والمقاومة الفلسطينية ؟ وكيف كانت نتيجة النصر المؤزر تأليب هذا المكون الثوري على بعضه لصالح المشروع الإمبريالي وأداته العدو الصهيوني الذي عبر عن نفسه في أيلول الأسود؟ .

سددت هزيمة الأنظمة العربية عام 67 ضربة قاصمة لمرحلة النهوض القومي التي قادها عبد الناصر والتي شرعت الأبواب للفكر القومي كنتيجة طبيعية للبيئة المواتية، ولفضاءات الوعي التي كانت سائدة في تلك الحقبة، وقد أخذت جموع ومعظم فصائل الفدائيين بالتوافد على الأردن لتشيع مع القوى السياسية الأردنية مدا" يساريا" ووعيا ثوريا وروحا" كفاحية من نمط مختلف أرسى تلاحما" وانصهارا" لمكونات الشعب الاردني والمقاومة الفلسطينية , والتي جاءت معركة الكرامة تتويجا لها .

الظروف التي سبقت المعركة :

أخذت المقاومة تنشئ قواعد ممتدة في أغوار الأردن من شمال العدسية ووادي اليرموك إلى شمال و جنوب البحر الميت في غور الصافي, و تعمل قواعد ارتكاز لإدخال السلاح والعتاد للداخل؛ للقيام بعمليات عسكريه وضرب مؤخرة العدو واستقبال المتطوعين لتدريبهم , كما كان الجيش يعزز مراكزه الأمامية وكانت المواجهة بينه وبين العدو يومية , ومما زاد من حدتها تقديمه الإسناد والمساعدة للمقاومة لتقوم بعملياتها .

 

لقد أتت معركة الكرامة محصله للمواجهة اليومية بين القوات الأردنية , والمقاومة الفلسطينية والعدو الصهيوني , وبرغم ما سبق من محاولات للنظام لإجهاض المقاومة وإخراجها من الأردن ومن ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني , إلا أن مسانده ودعم القوات المسلحة قوض هذه المحاولات , مما كرس المقاومة كقوة تسدد الضربات الموجعة للعدو وتكرس وعيا من نمط جديد في الساحة الأردنية وتوقظ الروح النضالية .

 

ساءت الأمور قبيل المعركة بيوم أو يومين، حيث عملت قوه من الجيش الأردني على تطويق رجال المقاومة في مدينة الكرامة دون علم من قائد الفرقة مشهور حديثة لطردها من الأردن, لكن جرى انهاء تطويقها بسبب تطويق ( القوة المطوقة للفدائيين) من قبل الفدائيين المنتشرين على المرتفعات الشرقية ، وبسبب جهود مشهور حديثة المخلصة .

 

تطور التنسيق بين الفدائيين والجيش وتم تغطية مواقع المقاومة والثغرات التي يمكن أن يتقدم منها العدو، وكان للاستعداد والتدريب العالي ، والروح القتالية والفدائية والتلاحم بين الطرفين ، والإحساس بوحدة المصير والعدو المشترك الذي سبق المعركة سبباً في الإنجاز الذي تحقق .

نتيجة للهزيمة التي حاقت بالأنظمة العربية في ال 67 اعتقد العدوان أن على المنطقة بالكامل أن تستسلم, لذا فقد قرر خوض المعركة للقضاء المبرم على المقاومة وتدمير قواعدها وقتل الروح المعنوية المتنامية في الجيش الأردني , ثم احتلال الجيب الممتد من بين النهر إلى مرتفعات السلط لتصبح المنطقة منطقة عازلة كجنوب لبنان , ومن ثم ممارسة الضغط على النظام الأردني للدخول في المفاوضات ولتوقيع اتفاق اذعان جرى توقيعه فيما بعد مجانا" "وادي عربة ".

 

استعدادات الجيش الأردني قبل المعركة

 

حزم الجيش الأردني أمره واستمر في تنسيقه ودعمه للمقاومة الفلسطينية واستعد للمعركة استعدادا محكما ووزعت القوات على أساس المجابهة التي ستحصل يوم 21 آذار لعلمه المسبق لساعة الصفر التي ممرت له من قبل الاستخبارات العسكرية ,وجرت إعادة الثقة للمقاتلين بسلاحهم وقضيتهم وقائدهم نتيجة التدريب المستمر على مدى ثلاث شهور والذي بلغ ذروته قبل خوض المعركة فقد قاتل الجيش بشراسة وشجاعة وثقة بالنفس وبقيادة ميدانية حكيمة, كان عدد القوات الأردنية يبلغ حوالي 5 الى 6 الاف مقاتل،  ثلاث ألويه أي ما نسبته 1 الى 3 مقارنة بالعدو, و إذا اضفنا تفوق العدو الجوي تصبح النسبة 1 لصالح العدو 5 .

 

استعدادات المقاومة قبل المعركة

 

أما المقاومة فقد دار حوار بين قادتها عرفات وأبو جهاد , وأبو اياد , وأحمد جبريل, حول كيفية الاستعداد لخوض المعركة، حيث رأي أحمد جبريل نشر القوات على المرتفعات المجاورة لتتجنب الإبادة لو بقيت في الكرامة نظراً لتسلحها الخفيف وحفاظاً على رجال المقاومة بحيث تبقى قوه رمزيه داخل الكرامة من كل من فتح والجبهة الشعبية وقوات التحرير الشعبية تسلح تسليحا جيدا" وباقي القوه توزع على الوديان المحيطة بمرتفعات السلط لإخفائها للتقليل من الخسائر, لكن ياسر عرفات كان يرى ضرورة البقاء في الكرامة وتحويلها لستالين غراد برغم أنها منطقة صغيرة و مكشوفه وأبنيتها من الطين وتعتبر هدفا سهلاً للعدو.

 

ابقت الجبهة الشعبية على فصيل داخل الكرامة ونشرت باقي القوه على الوديان بمرتفعات السلط تمهيدا للإنتشار على الجبال والاشتباك مع طائرات الهليكوبتر وأي إنزال محتمل , وأبقت كل من فتح وقوات التحرير الشعبية على المئات داخل الكرامة .

 

كان اجمالي عدد الفدائيين بها من 1200 الى 1400 مقاتل (500 للجبهة الشعبية و700 إلى 800 لفتح و250 قوات التحرير) , اضافة لمركز تدريب لفتح في مدرسة الأونروا , لكن الجبهة الشعبية أعادت انتشار القوه فوضعت فصيل داخل الكرامة تحصن بخنادق برميلية وفصيل على التلال شرقي الكرامة تحسباً لإنزال للعدو للحيلولة دون انسحاب الفدائيين, ولو لم يتم مسك التلين الشرقيين لأخذ جميع الفدائيين أسرى , وباقي الفدائيين تحصنوا في الوديان , لكن فتح وقوات التحرير بقيت بالمئات في الكرامة , لكن عند بدء المعركة غادر قسم كبير منهم للجبال والوديان الشرقية وانسحب عرفات وابو اياد وبو جهاد إلى السلط .

 

العملية التي كانت ذريعة لشن الحرب :

 

نفذت إحدى قواعد الجبهة الشعبية وجبهة التحرير العربية عملية موجعة للعدو في منطقة عين يهف جنوب البحر الميت استهدفت باصاً كان متجهاً إلى مناجم النحاس في مستعمرة تمناع , وقد قتل جميع مستقلي الباص وقد اتخذ العدو من هذه العملية ذريعة لشن هجومه على الكرامة فأخذ يحشد قوات هائلة في أريحا والجفتلك .

 

بدء المعركة :

ابتدأ الهجوم الساعة 5 فجر 21 آذار على ثلاث محاور رئيسيه :

محور نابلس السلط

محور جسر الملك حسين السلط عمان

محور القدس , " جسر اللنبي " الملك عبدالله , سويمه , ناعور

حجم قوة العدو

بلغت القوات المهاجمة حوالي 30 ألف جندي مكونة من ثلاثة ألويه منقولة براً وقوه منقولة جواً, وقوة مدرعات ومجموعة مدفعية وعدد كبير من الطائرات  , والدبابات , في معركة شاملة غير محدودة مما يعني أن العملية لم تكن خاطفه بل عملية شامله تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف.

أهداف المعركة :

1 .القيام باحتلال عسكري لمزيد من الأراضي كمرتفعات السلط ومرتفعات جلعاد لما لها من دلالات تاريخية بالنسبة للعدو , التي يأسف للآن لعدم احتلالها .

2 . إجبار الأردن على توقيع اتفاقية " إذعان " سلام مبكرة .

3 . تصفية العمل الفدائي وتدمير قواعده في بلدة الكرامة.

ابتدأ الهجوم بقصف مدفعي كثيف جداً , وتقدم كثيف للدبابات وطلعات بموجات جوية بمعدل 50 طائرة كل طلعه لمدة 18 ساعة وقد كانت السيادة الجوية مطلقة للعدو. لكنه جوبه بخندق محكم ومقاومة شرسة وقصف مدفعي من كتيبة المدفعية السادسة ومن الجنود حتى على مستوى البندقية منذ الدقيقة الأولى مما عطل تقدمه وتدمير العديد من آلياته وأفشل مهمته وأوقعت به خسائر فادحة وعند الساعة العاشرة صباحاً طلب العدو وقف اطلاق النار عن طريق السفارة الأميركية فاتصل الملك حسين بمشهور حديثة وأبلغه بذلك , لكنه لم يوقف النار.

ثم تلقى مشهور حديثة أوامر عدة لوقف اطلاق النار لكنه لم يمتثل إلا في المساء عندما تيقن من انسحاب العدو وهزيمته ثأراً لهزيمة الـ 67 نتيجة استبسال الجيش الأردني والفدائيين . انسحب العدو مع ساعات الصباح الاولى مخذولاً لكنه دمر قرية الكرامة وأخذ العديد من الأسرى من الفدائيين . وعلى إثر تفقد نتائج المعركة من قبل القادة تبين عدم وجود آليات للعدو داخل الكرامة ووجود عدد من شهداء المقاومة , وحوالي 20 الى 30 شهيدا قيدوا واعدموا من المتدربين في مدرسة الأونروا وقد جرى نقاش حاد بين أبو عمار وأحمد جبريل حول مسؤولية ترك هؤلاء المدنيين وتعريضهم للقتل، انسحب على إثره أبو عمار بسيارته وبدأ خلاف حقيقي بينهما .

نتائج المعركة :

الخسائر :

الجيش الأردني 120 بين شهيد وجريح .

الفدائيين استشهد من فتح 90 الى 100 شهيد و100 الى 200 أسير و من الجبهه الشعبيه 3 شهداء و3 أسرى , وتدمير قواعد المقاومة في الكرامة.

سقط للعدو عدد كبير من جنوده  بين قتيل وجريح واسقاط 7 طائرات وعشرات الآليات المدمرة" اي أن حجم الخسائر يوازي ما خسرته على الثلاث جبهات في ال 67 " برغم أن مدة المعركة 18 ساعة .

الإنجازات:

الأردن:

كتب باراك عن المعركة قائلا : لقد لقننا الجيش الأردني درساً قاسياً . لقد ارتفعت معنويات الجيش الاردني وعاد النصر العسكري بنصر سياسي وزادت المعونات والدعم المادي على النظام الأردني واكتسب سمعة محلية وإقليمية ودولية .

الفدائيين:

قطفت فتح ثمار النصر ووُضعت في طليعة الحركات القتالية الفلسطينية وحققت نصراً سياسياً وإعلاميا ووُعدت بالدعم العربي وتدفق آلاف المتطوعين عليها باعتبارها قادت المعركة والإنتصار , وفي 14 نيسان 68 أعلنت فتح عن تعيين عرفات قائداً وناطقاً رسمياً, وأصبح شخصية عامة معروفه وتُوج زعيما سياسياً وعسكرياً لفتح , واستقبل الملك فيصل خليل الوزير وصلاح خلف ووعدهم بالدعم المادي , كما تم اتهام الباقيين بالانسحاب والهزيمة .

الدروس المستفادة :

1 . تحقق النصر بسبب الإعداد النفسي والتعبوي والتدريبي وتوفر إرادة القتال والمقاومة والإيمان بالحق وبعدالة القضية لدى المقاومة , والجيش , برغم عدم مضي وقت طويل على الهزيمة المنكرة في ال 67 .

 

2 . التنسيق المستمر بين الطرفين ودعم القوات المسلحة الأردنية مكن من خوض معركة من نمط جيد ومختلف فقد كانت حرباً تقليدية اضافة لحرب العصابات , وخلق روحا قتالية أوقعت خسائر كبيرة في العدو وسببت له إرباكا أفقده توازنه وتسبب بهزيمته .

 

3 . الإيمان بوحدة المصير والعدو المشترك انتج تلاحماً وروحاً قتالية عالية بين أطياف الشعب الأردني وبين المقاومة .

 

4 . القيادة المتميزة لمشهور حديثة و لدوره الحاسم ورفضه أوامر وقف النار التي صدرت إليه , ودوره في فك الحصار المسبق للمقاومة من قبل قوة أردنيه تلقت أمراً بذلك دون علمه بقصد إنهاء المقاومة وطردها خدمة للعدو والنظام .

 

5 . انكشاف دور العملاء والمتخاذلين لدى الطرفين الأمر الذي أفضى لأيلول الأسود بدلاً من البناء على النصر والاستفادة من دروسه الحاسمة فقد تم تأليب الشعب الأردني على بعضه البعض , وعلى المقاومة، انتهى بطرد المقاومة إلى لبنان وتأمين حدود آمنة للعدو امتدت إلى هذه اللحظة .

6 . الصلف والغرور والاستخفاف لدى العدو كان سببا مهما في تكبده الخسائر وهزيمته المنكرة.

7 . تنبه النظام والمركز الإمبريالي والعدو الصهيوني لحالة الإنصهار والروح الكفاحية التي سادت والتي باتت تشكل خطراً حقيقاً على العدو الصهيوني والنظام والمشروع الامبريالي برمته؛ لذا فقد سعى لإحداث فتنه اقليمية طائفيه أسفرت عن ايلول الأسود " الحرب الأهلية" وتبع ذلك اقصاء المقاومة إلى لبنان ورفع القبضة الأمنية وتجريف الحياة السياسية باستثناء الاخوان المسلمين الذين عملوا بحرية كبديل جاهز بيد المركز الإمبريالي للنظام , وهو ما لم ينجح العدو بتحقيقه في الكرامة انجزه النظام على حساب الدم المشترك الذي سال بأيلول.

8 . لم تراكم الانظمة العربية على التجربة الفذة وتستلهم الحالة الكفاحية الأردنية الفلسطينية لتعبئ جماهيرها وتنهض بها, بل على العكس اعتبرتها تجربة تهدد وجودها , واستبدادها بشعوبها وسعت لتفتيت شعوبها وتكريس تخلفها وتفككها وإذعانها للمشروع الاميركي الصهيوني .

 

 

النهضة نيوز