المصالح الاستراتيجية لفرنسا في ليبيا

لطالما وصفت العلاقات الفرنسية الليبية في عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي بالمتأرجحة، بين المهادنة من جهة والتصعيد في جهة أخرى خصوصا بعد الاشتباك العسكري الذي وقع بين الطرفين في تشاد خلال فترة الثمانينيات، حيث مهدت القمة التي جمعت الرئيسين الفرنسي فرنسوا ميتران بالقذافي في جزيرة قبرص عام ١٩٨٤ لحلحلة الأزمة العابرة، غير أن الصدام في العلاقات تجدد بعد أتهام فرنسا لليبيا في الضلوع في أسقاط الطائرة الفرنسية في الصحراء النيجيرية في أواخر الثمانينيات من القرن الفائت. ومنذ ٢٠٠٤ وضمن سياسة الانفتاح الدولي الذي أنتهجها القذافي، بدأ النفوذ الفرنسي في التوغل داخل ليبيا مجددا ولكن بالقوة الناعمة عبر صفقات أسلحة وعقود لشراء طائرات ايرباص وفتح خطوط ملاحية وجوية بين البلدين، خصوصا في حقبة الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي حيث كشفت تقارير إعلامية وأمنية فرنسية عن قيام الزعيم الليبي في حينه بتمويل الحملة الانتخابية لساركوزي الأمر الذي حذا بنجاح ساركوزي بالوصول الى الإليزيه. حيث وصلت العلاقة بين الطرفين الى حد نجاح فرنسا في الوساطة في قضية الممرضات البلغاريات المتهمات بحقن أطفال ليبيا بالإيدز. ومع حلول الربيع العربي على ليبيا كانت فرنسا اول دولة غربية تتدخل عبر الناتو، ووضعت معظم قدراتها العسكرية والاستخباراتية في مواجهة القوات الليبية، بل أنه يقال ان الطائرات الفرنسية هي من قصفت الرتل الذي انسحب من مدينة سرت وكان العقيد القذافي في داخله قبل أن يجهز مسلحي المعارضة الليبية على العقيد وينكلوا بجثته. حيث كان النفوذ الليبي المتزايد في القارة السمراء، يزعج فرنسا التي لطالما أعتبرت القارة حديقتها الخلفية. وبعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، وجدت فرنسا أن مشروعها في الحفاظ على مصالحها في ليبيا أصبح مهدد، في ضل حكومة ضعيفة مقربة من تركيا والجماعات الإسلامية، بالإضافة الى تزايد النفوذ التركي على ساحل البحر المتوسط وما زاد الطين بله هو وصول حكومة يمينية في إيطاليا ترفض تقاسم النفوذ والمصالح مع فرنسا حيث وصلت العلاقات بين البلدين الى حد التراشق بين المسؤولين في الدولتين. ففي حين تدعم أنطاليا الحكومة الليبية الحالية، تقوم فرنسا بجهود عسكرية واستخباراتية لدعم رجل شرق ليبيا القوي خليفة حفتر، حيث باتت قواته تسيطر على نحو ٨٠٪ من مساحة ليبيا ولم يتبقى له سوى مدينتي طرابلس ومصراته وبلدات تقع على الشريط الساحلي بينهما. في حين تعرضت مصالح فرنسا للخطر في دول غرب أفريقيا، بفعل تدفق السلاح الليبي على الجماعات الإسلامية في ضل وجود جيش مفكك ونظام ضعيف يحكم ليبيا. فنشطت الجماعات الإسلامية في النيجر ومالي ونيجيريا حيث سيطروا على أجزاء واسعة من مالي قبل ان تتدخل فرنسا في أواخر ٢٠١٢، في نفس السياق نشطت الهجرة الغير الشرعية المنظمة عبر الأراضي الليبية، بتجاه فرنسا وتتهم فرنسا حكومة الوفاق الليبية بغض النظر عن تنظيم وتسهيل هذا النوع من الهجرات حيث يميل الأفارقة الناطقين باللغة الفرنسية الى الهجرة الى فرنسا أكثر من أي دولة أجنبية أخرى للأسباب اجتماعية و دينية. ومن الأسباب التي مهدت الى اصطفاف فرنسا الى جانب حفتر هو سلسلة العقود التي منحتها حكومة الوفاق الى شركة أيني الإيطالية للاستخراج و تصدير النفط الليبي، حيث تم أقصاء شركات صناعة النفط الفرنسية و أحلال الشركات الإيطالية مكانها. و لم يقتصر التدخل الفرنسي في ليبيا عبر دعم حفتر عسكريا، بل رصدت تطبيقات الملاحة الجوية العالمية، أستخدام فرنسا لعدد من طائرات الأستطلاع و التجسس في سماء العاصمة الليبية طرابلس خلال الهجوم الذي شنه حفتر لأعادة السيطرة على المدينة و أنتزاعها من أيدي قوات الوفاق الليبية المعترف بها دوليا.

النهضة نيوز