بم تفكر أزمة اليسار التقدمي العربي عامة والماركسي بشكل خاص

يعاني اليسار التقدمي العربي عموماً، والماركسي بشكل خاص أزمة خانقة، أزمة بقاء، أزمة وجود. يدور حوار مستمر وشبه دائم ، بين كافة مكوناته، وفي الكثير من الأحيان، يأخذ طابع التخندق السلفي المنغلق، في وقت يتطلب، لا بل يشترط، الخروج من الأزمة الانفتاح على حوار علمي موضوعي قادر على انجاز تشخيص واقعي للأزمة، والخروج باستنتاجات تساهم في تخطيها، كما ويتطلب من الجميع فتح حوار جاد موضوعي صادق، حول الأسباب والعلل ألتي ولّدت الأزمة. فكل جهد يبذل في هذا المجال، مهما كان بسيطاً، قد يساهم في استنهاض همم التقدمين العرب لصياغة مشروع نهوض وطني، آخذين بنظر الاعتبار درجة تطور المجتمع العربي، ومدى تطور قوى الانتاج ،وطبيعة التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية السائدة، بالاستناد إلى مهمات المرحلة، مرحلة التحرر الوطني، ومهمة بناء حامل اجتماعي لهذا المشروع. يمكن طرح بعض عناصر الأزمة للنقاش، باعتبارها عناصر أساس مسببة للأزمة: أزمة نشؤ، أزمة بنية، أزمة وظيفة، وأزمة قيادة، • أزمة نشؤ وأزمة وظيفة: يبدو أن أزمة حركة التحرر الوطني العربي، ومن ضمنها اليسار التقدمي ( الماركسي والقومي وغيره)، قديمة قدم التأسيس، وتعود إلى مرحلة النشؤ، بدايات القرن التاسع عشر، حيث انطلق نضال الشعوب العربية ضد الاستعمار المباشر ( الاستعمار العثماني، ومن ثم الاستعمار الفرنسي والبريطاني) قبل الحرب العالمية الأولى ، مطلع القرن التاسع عشر، حيث تبلور تياراً مؤثراً بين النخب العربية متأثراً بشدة بالنهضة الأوروبية، يطالب بالتحديث عبر تبني النموذج الأوروبي، وهنا تكمن معضلة التأسيس والوظيفة، تبني نموذج جاهز، نموذج ولد في ظروف خاصة، وضمن شروط خاصة بالتطور الطبيعي للمجتمعات الغربية الرأسمالية عامة، والأوروبية بشكل خاص، حيث عبر هذا النموذج عن مهمات مشروع الثورة الوطنية البرجوازية، ثورة البرجوازية الصاعدة ضد الاقطاع السائد في تلك المنطقة، مشروع أنجز مهمات الثورة الوطنية البرجوازية: بناء الدولة القومية البرجوازية، توحيد السوق القومي، كسر العوائق الجمركية بين الاقطاعات السائدة، فصل الدين عن الدولة. مطلع القرن العشرين ولد التيار القومي العربي متأثراً بنشؤ الاحزاب القومية في أوروبا، فتبنى هذا التيار أيدولوجيا القومية الأوروبية، التي عبرت عن خصوصية و درجة تطور محدد للمجتمعات الأوروبية ذاتها، مع فارق هام، ففي حين كانت أيدولوجيا القومية الأوروبية قائمة على فصل الدين عن الدولة، تبنى التيار القومي العربي الايدولوجيا الدينية ركن أساس من ايدولوجيته، واعتمدها في صياغة واقرار التشريعات والقوانين والأنظمة والدساتير للدولة التي حكمها. لم تخرج أحزاب اليسار العربي، ولا الاحزاب الشيوعية العربية ،عن هذا الخيار، حيث وقعت بالخطأ ذاته ، تبني النموذج السوفيتي لبناء الاشتراكية، نموذجاً لها، خطأ سبق لمؤسسي الماركسية قد نبهوا له مبكراً، "عدم امكانية نقل نموذج ناجح ضمن بيئته وشروطه وخصوصيته إلى بيئة خارج هذه البيئة والشروط" في الوقت الذي كان ينتظر من هذه القوى أن تطرح على جدول أعمالها مهمه صياغة مشروع التحرر الوطني العربي الخاص، الذي كان يجب وما زال ، يعبر عن طبيعة المرحلة التي يعيشها العالم العربي، التي هي مرحلة التحرر الوطني، والعمل على انجاز مهمات هذا المشروع، المتمثلة في: كسر التبعية، تحرير الإرادة السياسية، تحرير الثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية، إحداث تنمية متمحورة حول الذات الوطنية، وإنجاز مهمة بناء دولة الأمة، انجاز هذه المهمات كان جبراً سيتوج ببناء دولة الاستقلال الناجز، دولة الانتاج ومجتمع الانتاج، بالاستناد إلى خطط تنمية قوى الانتاج الوطني. يمكن أن نستنتج أن ازمة حركة التحرر العربي، بكافة مكوناتها ، تكمن في تبني مشاريع "نهضوية جاهزة" من خارج البيئة الخاصة، مشاريع لا تعبر عن خصوصية المجتمع العربي، ولا درجة تطوره، والعجز عن صياغة مشروع خاص متوافق مع خصوصية نشؤ وتطور المجتمع العربي، ومتجاوب مع طبيعة المرحلة القائمة بالفعل وفي الواقع.

النهضة نيوز