أزمة اليسار التقدمي العربي عامة والماركسي.. أزمة بنية وأزمة قيادة

اليسار-العربي.jpg

درجة تطور المجتمع عامل محدد للبني السياسية والاجتماعية القائمة، التشكيلة  الاقتصادية – الاجتماعية السائدة، تعكس بدقة، على أرض الواقع، درجة تطور المجتمع، 
في العالم العربي، وفي تلك الحقبة، القرن التاسع عشر والعشرون، كانت التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية السائدة غير متطورة ومختلطة، تشكيلة الماقبل رأسمالية:
فئة اجتماعية مدنية، زراعية و تجارية، والفئة الثانية بدوية، وحيث كان سكان المدن تجار وحرفين وموظفين وطلاب، كان الفلاحين هم أغلبية مطلقة في الريف، والبدو أسياد الصحراء والبادية، لم يخضعوا يوماً لحكم مركزي، بل كانت القبيلة صاحبة السيادة على المراعي والطرق وشيخ القبيلة صاحب الولاية على المجتمع القبلي.
هذه التشكيلة الاجتماعية بمكوناتها، دخلت في صراع مع الاستعمار العثماني ، ومع الاستعمار الأوروبي لاحقاً، دخلت بمشاريع مختلفة، في صراع مع الاستعمار العثماني ومن ثم مع الاستعمار الأوروبي، بمواقف متباينة بحسب المصالح.  
ففي الوقت الذي كان نضال البرجوازية التجارية الشامية يهدف إلى الحصول على حقوق خاصة، ضمن الدولة العثمانية، تعبيراً عن مصالحهم التجارية ومصالح برجوازية صغيرة، أخذت بالتشكل من ابناء الزاعمات والوجهاء وكبار التجار، بعدما نالوا شهادات علمية من جامعات محلية وأجنبية، نضال لم يتطور ليصل المطالبة بالاستقلال عن الدولة العثمانية، والكثير من القيادات الدينية. كان لها الموقف ذاته.
بينما كان مطلب الاستقلال التام عن الدولة العثمانية، مطلب الأمراء والقيادات القبلية و العشائرية  وكبار المزارعين وبعض النخب، ألتي نشاءت قبل فترة قصيرة، وبعض القيادات الدينية، حيث تحرير أراضي زراعية خصبة، تقع ضمن مناطقهم، من قبضة الدولة العثمانية ووضعها تحت سيطرتهم كان الهدف، موقف لم يتطور باتجاه تأسيس دولة وطنية.
بينما كان هدف البرجوازية المصرية الناشئة، في القرن التاسع عشر، تحقيق الانفصال والتحرير، الانفصال عن الدولة العثمانية، وتحرير بلاد الشام والجزيرة العربية لضمها للدولة المصرية، 
استطاعت البرجوازية المصرية في بداية القرن التاسع عشر من تحقيق هذا الهدف، حيث تمكنت من السيطرة على بلاد الشام، لفترة عقد من الزمان، وهزيمة الوهابية ومملكة آل سعود الأولي، ألتي حققت استقلال ما في جزيرة العرب، ووصلت القوات المصرية إلى داخل أراضي الدولة العثمانية ذاتها، مما أرعب دول الغرب الرأسمالي، خوفاً على مصالحهم داخل حدود الدولة العثمانية، مصالح تحققت خلال القرنيين السابقين، مما دفعها إلى أرسال جيوشها للقتال إلى جانب جيش الدولة العثمانية ، وإلحاق الهزيمة بقوات محمد علي، ألتي كانت بقيادة ابنه إبراهيم. لم تكتفِ دول الغرب بهزيمة القوات المصرية، بل فرضت شروط على الدولة المصرية تضمنت، منع حلج القطن المصري داخل مصر، تفكيك الصناعة العسكرية المصرية، ولاحقا تم السيطرة على قناة السويس ومن ثم خضعت مصر للسيطرة البريطاني.
بعد الحرب العالمية الأولى قسمت بلاد الشام، بين القوتين العظميين بريطانيا وفرنسا، بحسب اتفاقية سايكس بيكو، وبالرغم من وعد منح الاستقلال والسماح لقيام دولة عربية واحدة على أراضي بلاد الشام والعراق والحجاز، تم نقض هذا الوعد وأنفذت الاتفاقية، ولم تتبلور على أثره مقاومة عربية فعلية،  بغض النظر عن بعض مقاومات آنية هنا وهناك منعزلة بعضها عن بعض، وأخذت إما طابعا عشائريا وإما مناطقيا، لم تتطور لمقاومة وطنية عامة.
وفي سياق هذا المشروع، صدر وعد بلفور الذي أعطى اليهود حق إقامة دولة قومية لهم في فلسطين. 
بعد الحرب العالمية الثانية، انتهى عصر الاستعمار المباشر، مع انهيار قدرات دول الاستعمار بالاستمرار، وتم الانتقال إلى مرحلة الهيمنة الأمريكية، وفي الوقت ذاته ولادة منظومة الدول الاشتراكية، بقيادة الاتحاد السوفيتي، وعلى الصعيد العربي  لم تتبلور حركة تحرر وطني عربي قادرة على انتزاع التحرير وبناء دولة الأمة المستقلة المنتجة. 
بالرغم من مقاومة الشعب الفلسطيني لوعد بلفور إلا أن نشوء الكيان الصهيوني قد أنفذ على الأرض، 
أولاً بسبب طبيعة القيادات الفلسطينية النافذة، زعماء عائلات وزعامات دينية ونخب، مرتبطة بدول المركز الرأسمالي، بريطانيا وأمريكا وألمانيا النازية، وثانياً بسبب غياب الوعي بجوهر الصراع، كونه صراع تناقض تناحري، 
وثالثاً اعتمادها على نظام رسمي عربي تابع، تشكل بقرار بريطاني فرنسي، وتوافق دول الاستعمار في ذلك الوقت.  
بعد حرب 67 تولت البرجوازية الصغيرة قيادة النضالي الفلسطيني، وبسبب قصر نفسها وتذبذبها، وخيارها الفهلوة  الدبلوماسية نهجاً " نضالياً " وخيار الارتماء في أحضان دول تابعة وخاصة السعودية، وغياب  النظرية الثورية دليل عمل للثورة، وعدم الجدية في بناء حركة تحرر وطني أدات نضال، واعتماد التحشيد العاطفي للشعب الفلسطيني والأمة العربية بديلاً عن وعي التحشيد من أجل انجاز التحرير بفعل القوة على الأرض، وتسليم اليسار الفلسطيني بقيادة اليمين للنضال الوطني، لا بل تساوق اليسار مع اليمين في فك عرى العلاقة وتلازم التحرر الوطني الفلسطيني مع التحرر العربي، بمعنى فك الارتباط بين حركة التحررالوطني الفلسطينيى وحركة التحررالعربي,
كل تلك الاسباب مجتمعة أوصلت الشعب الفلسطيني والأمة العربية إلى هذه الحالة البائسة. 
بعد الحرب العالمية الثانية استطاعت البرجوازية الصغيرة العربية، عبر انقلابات عسكرية، من الإستيلاء على السلطة في تلك الدول " المستقلة" حديثاً، ورغم تبنيها أيدولوجياً القومية العربية، ألا أنها لم تستطع ترجمة أيدولوجيتها فعلاً على الأرض، وفشلت في إنجاز مهمة الاستقلال الناجز وبناء دولة الأمة، ورغم ادعاء تبني خيار الاشتراكية، غير أنها أوصلت المجتمعات العربية إلى وضع اقتصادي بائس، ولم تستطع تخطي الدولة الريعية، في نهاية المطاف.
إضافة إلى ذلك، وبناء على نظرية سوفييتية أطلقت في تلك الحقبة تحت عنوان "التحول اللا رأسمالي" سلّم قيادة عملية التحولات في الدول العربية " التقدمية " إلى البرجوازية الصغيرة، وأخفقت القوى الماركسية من قيادة عملية التحول، لا بل حلت أحزاب شيوعية نفسها طوعاً ( الحزب الشيوعي المصري) وانضمت إلى صفوف حزب السلطة، بينما انخرطت أحزاب شيوعية أخرى ضمن أطر ما عرف بالجبهة الوطنية الموحدة، تحت قيادة أحزاب البرجوازية الصغيرة، وانحسر دورها في قيادة النقابات العمالية والفلاحية والمنظمات الجماهيرية.
وفي الوقت ذاته لم تستطع قوى تبنت الماركسية ( الحزب الاشتراكي اليمني) من التخلص من آفة العشائرية، لم تتمكن من تخطي بنية المجتمع، فدخلت في حرب داخل الحزب " الطليعي"  عشائرية انهارت على أثرها الدولة. 
المعضلة تكمن في أن القوى الماركسية لم تستطع صياغة مشروع متلازمة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، ولم تتمكن من بناء حامل اجتماعي لهذا المشروع، وانحسر دورها، الذي من المفترض أن يكون دورا رئيسيا، داخل النقابات العمالية والمهنية ومنظمات العمل الجماهيري، في المحصلة عجزت عن قيادة النضال الوطني، في حين لا يمكن إخفاء بعض الإنجازات، في مراحل محددة، من تاريخ النضال. 
كيف ولماذا سلّمت - القوى الماركسية  - للبرجوازية الصغيرة بقيادة هذا النضال، بالرغم من معرفتها بطبيعة هذه الشريحة، المتذبذبة والمترددة، وغياب مصلحتها في إنفاذ متلازمة التحرر الوطني – التحرر الاجتماعي، أسئلة هي في صلب الحوار. 
خوف البرجوازية الصغيرة الشديد من تحرر الشرائح الكادحة والمنتجة من قبضتها، وخاصة النقابات العمالية والمهنية والاتحادات الجماهيرية، يعبر عن طبيعتها وتطلعها للتسلق إلى صفوف البرجوازية الأعلى، فضلت الاستسلام لقوى المركز الرأسمالي العالمي والنظام الرسمي العربي التابع، على تحرير وتحشيد القوى الاجتماعية، الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، صاحبة المصلحة الحقيقية في إنجاز متلازمة التحرر الوطني – التحرر الاجتماعي.
بسبب طبيعة البرجوازية الصغيرة، التي قادت "النضال العربي" شهدنا بالوقائع لاحقاً انقلاب طرف منها على منجزات الطرف الآخر، انقلاب السادات على منجزات الفترة الناصرية، وانقلاب القيادة الجزائرية على ثورة المليون شهيد، واستسلام نظام القذافي لابتزاز الولايات المتحدة بخصوص لوكربي والنووي...الخ وانحيازها بالمحصلة إلى النظام الرسمي العربي التابع.

النهضة نيوز