ميشيل كلاغاصي: ترامب يُغرق بلاده.. والكورونا يُغلق صندوق الباندورا

الولايات المتحدة فيروس كورونا

استهتر الأمريكيون وأضاعوا زمناً ثميناً، وتصرّف الرئيس كمن لا دراية له، أو كمن لا يهمه الأمر، ولم يطل الزمن حتى تصدرت أمريكا لائحة المصابين بفيروس كورونا المستجد، فيما كانت بعض التقديرات تشير إلى إحتمالية تخطي عدد المصابين عتبة الـ 110 مليون إصابة، ووفاة 585 ألف أمريكي، ادعى الرئيس الأمريكي بأنه لم يكن يتصور تطوّر الوضع بهذا الشكل.
أعتقد ترامب وصرح من دافوس في الإسبوع الثالث من كانون الثاني، بأن الوضع في الداخل الأمريكي "تحت السيطرة"، وكرر كلامه حتى عندما وصل عدد الإصابات في إلى ثمانية اّلاف إصابة، وفي نهاية كانون الثاني تحدث عن منع دخول المسافرين من الصين إلى أمريكا، لكن القصة بدأت بشكل فعلي بحلول الخامس من شباط، عندما بدأت الحكومة الأمريكية تشعر بالخطر القادم، ووزعت أجهزة الفحص على جميع الولايات، لكن سرعان ما اكتُشفت أعطالها وعدم دقتها، وبدأ الوضع بالتأزم وبدأ عدد الإصابات بالتضاعف.
وخلال شهر شباط  لم يتوقف ترامب عن إطلاق التغريدات والتصاريح، وبأن "الفيروس سينتهي من تلقائه كالإنفلونزا"، وأنه وحكومته يقومان "بعمل رائع" – لم يره أحد -، ومع حلول منتصف شهر آذار، بدأ يتحدث عن ضرورة الاعتزال في المنازل، بعدما كان يغرد بأنها مؤامرة من الحزب الديمقراطي، وفي لقاءٍ انتخابي قال إنها "خدعة - hoax"، ولم يتوقف عن إرسال رسائل الطمأنة، لكن الصحف الأمريكية أخذت تتحدث عن "كارثة" قادمة لا محالة، وحذا حذوهم مركز الوقاية من الأمراض الأمريكي، وبعض الأطباء والمستشفيات، وأنه لا بد من فعل شيء.
لم تقم حكومة ترامب باتخاذ إجراءاتٍ حاسمة، لكن تأثر البورصة، هدد رواية ترامب الوحيدة التي أوصلته إلى الحكم، كرجلٍ غني سيملئ جيوب الناس بالمال، هبوطٌ أسقط الورقة الوحيدة التي يعوّل عليها ليعبر الإنتخابات القادمة بسلام... فيما فتح الأمريكيون عيونهم فجأةً على فظاعة المشاهد القادمة من إيطاليا، والتي تسببت بحالات الهلع والخوف، ودفعتهم نحو المتاجر وما تبعها من أعمال تكسير وسرقة.. وبدأت الشركات تطالب موظفيها بالمكوث في المنازل، كذلك المطاعم قررت الإغلاق، واتحادات الألعاب الرياضية بإيقاف نشاطاتها، قبل أن يوقفها ترامب وحكومته...
وتبقى الخطورة في الحديث عن 110 مليون سيصابون بالفيروس، وحوالي 7.7 مليون سيحتاجون الدخول إلى المشافي، مع العلم أن أمريكا تمتلك فقط 925 ألف سرير في جميع مشافيها، بالتأكيد هذا سيشكل كارثة و انهيار تام للمنظومة الطبية الأمريكية بالكامل، حتى حديث ترامب عن مجانية الفحص لم ينجو من النفاق والكذب، وأنه هناك ملايين من الشعب الأمريكي لا يملكون تأميناً صحياً، وتكلفة الفحص تقارب الـ 1330 دولار، وهذا يفوق قدرة أكثر من نصف الشعب الأمريكي على الدفع، ناهيك عن وجود حوالي 40 مليون مشرد أمريكي.
وما بين العداء أو المنافسة وتحميل المسؤولية التي دأب عليها دونالد ترامب تجاه سلفه أوباما، ومع تصدر بلاده لائحة الدول وفق أعداد المصابين، أدرك ترامب أنه في مأزق كبير داخلي، بما يتعلق بمواجهة الوباء، وبضرورة إيجاد محفزات جديدة تدفع الأمريكيين إلى ملء صناديق الاقتراع باسمه، بعيدا ًعن وعده الشهير "أمريكا أولا ً"، و"مزاياه" الشخصية كرجل اعتقدوه سيملئ جيوبهم بالمال...
فيما أتى المأزق الخارجي، ليفضح ضعفها الداخلي وهشاشة نظامها الصحي، وليفاقم هزائمها، وهي ترى ضعف حلفائها في أوروبا، وتصدع علاقاتهم، واتجاه الطليان والإسبان وغيرهم نحو طلب المساعدات الروسية والصينية، بالتأكيد هي أمورٌ لا يمكن إعتبارها عابرة، لا بل سيكون لها أثرها العميق على رسم ملامح أوروبا والعالم الجديد، الذي لم تستطع فيه أمريكا إطالة زمن بقائها على القمة، وبات عليها الركوع والخضوع لقوانين الحروب بوجهيها الفوز والخسارة.
لقد قبل ترامب المساعدات الروسية والصينية وهو صاغر أمام عنجهيته وضعفه وسوء تعاطي إدارته مع غالبية الملفات الدولية، وفي بعض أقاليم العالم، وداخل بعض الدول، وشكر الرئيسان الروسي والصيني، وعبر عن إمتنانه وشعبه، وقال: هذا لطيف ورائع"، " لقد تعلمنا الكثير".
على العالم أن يدوّن تاريخه، ويذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته، استغلا زمن الكارثة "الكورونا" باستمرار فرض العقوبات الإقتصادية الأحادية والحصار على بعض الدول وبمضاعفتها، وبالضغط على البنك الدولي، لمنع بعض الدول من مساعدة شعوبها.. يا له من سلوك بعيد كل البعد عن القانون الدولي ودساتير الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا، وكافة المواثيق والأعراف المعنية بحقوق الإنسان.
لكم أن تراقبوا كلام وسلوك ترامب وإدارته في زمن ما بعد الكورونا، ولكم أن تحكموا عليهم إن تغيروا وتعلموا الكثير حقاً، والعالم  يرى طائرات المساعدات الروسية تهبط  في مطار جون كنيدي، وهل سيسعون للكشف عن الفيروس الذي أطلق عليه ترامب "الكورونا – الصيني"، وعمن يقف وراء إنتاجه، والمسؤول عن إنتشاره.؟
ويبقى السؤال، هل استطاع فيروس الـ كورونا أن يوقف الحرب الباردة التقليدية التي استمرت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهل استطاع لجمها في الثواني الأخيرة وقبل تحولها إلى حروبٍ عالمية ساخنة، وهل يبدو من المبالغة أو التسرع  القول إن زمن الكورونا نجح بإغلاق صندوق باندورا الكبير، ومنح العالم فرصة نادرة لرسم معالم العصر الجديد بهدوء وعقلانية، ووفق معايير جديدة أساسها العلاقات الإنسانية – الأخلاقية، وسط قبول جميع المشاركين – الرسامين – ما سيؤول إليه المشهد، وهل سيوقعون أسفل اللوحة..؟
أم سيكون للحديث تتمة أخرى، لبدايةٍ لا تختلف كثيرا ًعن زمن ما قبل الكورونا..؟
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز