عبد العزيز بدر القطان: في حضرة التاريخ يتلخص سحر الشرق "رحلة السندباد"

عبد العزيز بدر القطان

السعادة الحقيقية عندما يتحرر العبد من عبوديته للأشياء والأشخاص ثم يرسو في مرافئ العبودية التي ذاق شهدها، مرافئ كثيرة نرسو فيها، ونبحر في عبقها وتفاصيلها، غياهب العالم ليست طلاسم لا نستطيع فك رموزها، بل هي إشارات ودلائل ما علينا إلا الوقوف أمامها وترك الخيال يأخذ دوره في إستحضار ذاك الزمان، والإبحار فيه، التاريخ، الحضارة، الفن والثقافة، القراءة، والموروث، نعم الإرث الذي بين يدينا هو الكنز الذي نملك، وهو بوابة العبور نحو المجد ونحو الزهو والرفعة، لماذا؟

لأن الأمة العربية والإسلامية تملك الكثير، أكثر مما يمكن لك تصوره، وعواصم التاريخ شاهدة، من قاهرة المعز، إلى دمشق الفيحاء وبغداد السلام، والقدس الجميلة، والعد يطول.

لن أطيل عليكم سردي، ففي جعبتي الكثير من الأخبار، الكثير من الشواهد، الكثير من الملاحظات، الكثير الكثير مما أود أن أشارككم به، ولكم الحكم وأنتم خير من أتقن هذا التفصيل.

إرتباط روحي

إن زياراتي المتكررة للعواصم العربية، تفاجئني بأني في كل مرة أشعر شعوراً مختلفاً وكأني أكتشف أموراً جديدة، لم أراها في زياراتٍ سابقة، هل هذه الحضارة تتجدد أم ماذا؟، فعلاً عندما قلت في أبحاث ومقالات سابقة أنها سحر الشرق لم أكن مبالغاً، فلديها ما يسحر المرء الكثير، ذاك الإرتباط بين الجدران والأزقة والبنيان بالتاريخ والثقافة والعمران شيء عجيب، حتى الرائحة لهي من عبق زمان إعتقدنا أنه إختفى لجهة القِدم لكن لا، لكل حجر حكاية ولكل زاوية قصة، ولكل بيت تاريخ.

في زيارتي الأخيرة إلى بلاد الرافدين، خصصت جزءاً منها لحي الأعظمية الشهير التي تقع شمال مركز العاصمة بغداد على الجانب الشرقي لنهر دجلة من أهم المناطق في عاصمة الرشيد، حيث تتميز بالإرث الجميل والسياحة الدينية والتطور المعاصر من خلال وجود أسواق كبيرة فيها، وفضلاً عن ذلك فإن وقوعها على ضفاف نهر دجلة الخالد الذي أعطاها رونقاً وسحراً، قد سميت بالأعظمية تيمناً باسم الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، رضي الله عنه، الذي دفن فيها على ضفاف نهر دجلة، حيث يوجد له ضريح كبير جداً.

يشار إلى أن “الإمام أبو حنيفة هو أحد أئمة المذاهب الإسلامية الرئيسة الذين ذاع صيتهم عبر التاريخ، وقد كرس حياته لخدمة الدين الإسلامي الحنيف. وتوفي في بغداد عام 150هجري. ودفن في شمال بغداد في مكان دعي بعد حين ب: مقبرة الخيزران وذلك نسبة إلى الخيزران زوج الخليفة المهدي ووالدة الهادي وهارون الرشيد”.

وتضم الأعظمية عدداً من المساجد القديمة والحديثة أكثر من أية منطقة أخرى في العاصمة العراقية، ومن أبرز هذه المساجد مسجد الإمام الأعظم (أبي حنيفة)، ومسجد الشيخ جلال (وهو الشيخ جلال الدين محمد بن الشيخ محمد الحنفي الكوفي) ويقع في سوق الأعظمية الكبير القديم، ومسجد ملا خطاب في محلة الشيوخ ومسجد نوح الذي يقع في رأس الجسر ومسجد الشابندر في محلة السفينة، وبني عام 1357هجري (ويعود إلى محمود الحاج محمد سعيد الشابندر). ومسجد حسن بك ويقع بمحلة السفينة وجامع الحاج صالح أفندي ويقع في محلة السفينة قرب الجسر القديم، وجامع نداء الإسلام الذي يقع في محلة راغبة خاتون وجامع الدهان ومسجد بشر الحافي ويقع في محلة الحارة ومسجد الحاجة نشمية الذي يقع في بداية شارع 20. والكثير غيرهم.

وكما ذكرت وأضيف أن الأعظمية تضم جامع الإمام الأعظم والمقبرة الملكية وكلية الإمام الأعظم وساعة الاعظمية، إضافة إلى معالم قديمة وحديثة متعددة منها جمعية منتدى الإمام أبي حنيفة التي تأسست عام 1968م. وكذلك يوجد فيها الكثير من الأسواق القديمة والعريقة والعديد من المدارس القديمة والحديثة. وفيها عدد من الكليات والمعاهد الإسلامية، ويرجع تاريخها إلى العهد العباسي.

لكن ليس هنا الموضوع، الموضوع يرتبط بشوارعها وتركيبة مجتمعها وناسها وأسواقها، وكل ما فيها، ففي تلاصق بيوتها تشعر بالحنين وكأن المسجد يمد الكنيسة بالإيحاء والطمأنينة، والناس إعتادت وآلفت هذه الهيرمونيكا أو التناغم الجميل فيما بين كل حجر فيها، هناك شبه في كل التفاصيل، فلقد زرت مرقد العارف بالله والزاهد والورع “بشر الحافي” الملقب بالكبير.

من هو بشر الحافي؟

هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي. نزل بغداد، وكان اسم جده عبد الله الغيور، أسلم على يدي علي بن أبي طالب عليه السلام، لقد كان مضرب الأمثال في الزهد والورع ومن عباد الله الصالحين وأعيان الأتقياء الورعين، وأول أجداده دخولاً في الإسلام، لقب بالحافي، لأنه جاء إلى إسكافي يطلب منه شسعًا لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلاً بعدها.

ومن أجمل ما قاله: “اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة فاسلبه عني”، وأيضاً “عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه.. من طلب الدنيا فليتهيأ للذل”.

وكانت وفاته يوم عاشوراء ببغداد 226 هجري، وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة.

حين تسمع قصة هذا الورع من فم شخصية تقية محببة الشيخ رمضان البوطي الدمشقي رحمه الله، والذي قال إنه كان من أعيان وأمير البصرة وأغنيائها، لكن ذاك الدرويش الذي طرق بابه هو من كان سبب هدايته، حين قال هل صاحب هذا البيت “حر أم عبد؟”، وقال بشر الحافي لذاك الدرويش سأكون عبد وسأبقى عبداً حتى أقابل الله عز وجل وأوقف كل أمور المجون وما إلى ذلك وأصبح التقي الورع منذ ذاك اليوم.

اللافت هنا، وقصته لهي تدخل القلب بدون إستئذان لكن قلة من يعرفونه أو سمعوا به، فكيف لك أن تكون عربياً ومسلماً ومؤمناً وأنت بعيد كل البعد أن معرفة رموز تاريخك الإسلامي وهم بجوارك، وقصصهم حاضرة وموجودة لا تكلفك الكثير إن أردت الغوص في معرفتها!

فالأعظمية أيها السادة فيها التاريخ كله حتى ولو بالغت بالتعبير، ففيها المفسر العظيم “الإمام الطبري” أبو جعفر، إمام المؤرخين، وإمام المفسرين تولد 839 م، إيران، وتوفي 923 م في بغداد العراق، وهنا نلاحظ أن أغلب العلماء ولدوا في بلاد لكن إختاروا بلاد الرافدين أن يدفنوا فيها وهنا يكمن السحر.

أيضاً في الأعظمية صاحب تاريخ بغداد” الخطيب البغدادي”، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، تولد 1002 بغداد، وتوفي 1071 في بغداد.

متجددة

على الرغم من زياراتي لهؤلاء السادة والعلماء والعارفين بالله، لكن يطيب لي أن أخبركم أني رأيتهم في طيبة الناس وجمال وأخلاق الناس، فتجد في أهل الأعظمية ما يشبه بشر الحافي والإمام الطبري والإمام الأعظم، فلك أن تدخل مسجد أبو حنيفة النعمان أو كما يسمونه “الإمام الأعظم”، وهو “الفقيه والعالم المسلم، وأول الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي، المولود عام 699 م، في الكوفة، وتوفي في العام 767 في بغداد”، فمباشرةً تشعر بالسكينة والهدوء وقد تراه في صفوف المصلين وأشكالهم، وفي لعب الأطفال في باحة المسجد، تشعر بالهيبة والزهو والأمان، تلك النعمة التي نفتقدها اليوم في عالمنا، نعمة الأمان، فما أحوجنا إليه في أيامنا هذه.

إذاً، هناك سر في منطقة الأعظمية، هل هي بركات أولئك العلماء، لذلك نجد سلوك أهل الأعظمية وكأنهم أحفاد أولئك السادة وبأمانة أؤكد ذلك دون مجاملة أو رياء.

لا مبالاة

في رحلتي لنقل في جزئها الثاني إلى العراق الحبيب، رغم الجمال والفخر الذي رأيته وشعرت به، لكن كان لي من الملاحظات الكثير، وبصراحة هذا أحزنني قليلاً، خاصة أن هناك بعض الفئات لا تؤمن بمسألة الديانات السابقة على الرغم من ثبوت وجودها قبل الإسلام وشاء القدر أن تقوم تلك الحضارات في بلاد الرافدين كالحضارة البابلية والآشورية، فبعد الأطراف من الشيعة للأمانة والصدق، تراها غير آبهة بهم أو تعترف بحاضرتهم، ليضعنا ذلك أمام مشكلة حقيقية وهي مشكلة العقل الإسلامي، فهذه الحضارات جزء من حضارة وتراث بلدك، وهذه الأرض تتشاركها مع الجميع على إختلاف مشاربهم، وهي ملك للإنسانية والتاريخ والعرب وكل عاشق لهذه الحضارة، لا لفئة بعينها، وهنا يجب القول إنه وحتى لو كانت تلك الحضارات وما تملكه من ديانات وضعية أو غير صحيحة، لكن لديها إرث حضاري وإنساني وتم إكتشافه بالنقوش والخطوط وما خلفته من آثار، وهنا على الجميع الإعتزاز بذلك.

وذات الأمر ينطبق على الناحية المذهبية فهناك في بعض الأحياء قطيعة معرفية بالنسبة للمذاهب الإسلامية فتاريخ علماء العراق يؤكد أن كل الطوائف كانت متآخية فأحمد بن حنبل” أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي، تولد 780 م، توفي 855 م في بغداد”، كان يروي عن الشيعة وكذلك البخاري “أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تولد 810 م، وفاة 870 م” والمعتز بالله “هو أبو عبد الله المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد 847 م، 869م” يروي عن بعض الأشاعرة فكان هناك تنوع ثقافي لم ينقطع بين العلماء وإن كان أحدهم يرمى بالنصب أو فيه نصب أي “نصب العداء لآل محمد” لكن الحالة الثقافية والتنوع موجودة في أدبهم ونقلهم وكتبهم.

العراق ولادة

حالة الإنقطاع هذه ربما تكون بعد العام 2003 أن الأمور الطائفية دخلت لكن الإنقطاع المعرفي هو الجلي والواضح جدا في هذه المرحلة، فكل مذهب في عالم سواء سنة أو شيعة وهناك إنقسام، وما شاهدته أنه حتى السادة العلماء الكبار في النجف الأشرف الموجودين على سبيل المثال هم كبار مثل السيد علي السيستاني ومحمد سعيد الحكيم إنهم مراجع ومتربتهم آية الله العظمى ناس مبجلة ومحترمة لهم أتباع لكن بالطريقة النمطية التقليدية القديمة، وأتصور أن هم آخر ما بقي من الزمن الجميل، وبالطبع العراق ولادة لكن هؤلاء الناس بركة، فهم يتمسكون بالنمط القديم بعيدين عن تطورات اليوم.

فعند جلوسي مع بعض الشباب المحتج كلهم لديهم أسئلة كبيرة ويريدون تقديم شيء لبلدهم، فالتجربة الإسلامية على مستوى العالم العربي في فترة الربيع العربي سواء حركة الإخوان المسلمين او من قبل السلفية الوهابية التي انقلب عليها في بعض الدول، أو الفكر الشيعي في العراق وحتى في إيران، أعتقد أن كل الفكر الإسلامي السياسي يحتاج إلى هدنة ويحتاج إلى قراءة جديدة متأنية ليحافظ على رونقه ومكانته في قلوب المسلمين، فشباب الحراك اليوم يغلب عليهم اليوم مع الأسف الإلحاد واللادين والتذمر من الأداء السياسي في بعض الحركات الإسلامية، ومع الأسف بعض القيادات السياسية ركبت الموجة وأساءت حتى إلى الرموز الإسلامية المبجلة، فالهدنة مثلا ممكن أن تكون مثل حركة النهض التونسية “راشد الغنوشي” الذين تراجعوا كثيراً عن مبادئ بعض الحركات الإسلامية بعد أن كانت تجربتهم مشرقة فلقد آمنوا بمدنية الدولة ودخلوا كحركة مدنية ضمن سياق الدولة ولديهم مكتسبات سياسية جميلة ويقدمون شيء لوطنهم.

الإنقطاع المعرفي

فالعراق بلد المكونات يحتاج لأن يكون متواصل مع بعضه البعض وهذا فيه قوة لكن حالة الإنقسام النفسي والمذهبي والسلوكي والديني يضعف العراق، الآن فنسبة المسيحيين فالعراق قلت بنسبة كبيرة جدا وأما اليهود لا وجود لهم اليوم في العراق وهما كانا مكونين أساسين في العراق حتى الشيوعيين ما زالوا يبكون على أطلال الماضي، فيجب مراجعة فكرية لكل المكونات العراقية لا سيما الحركات الإسلامية تعيد للعراق رونقه وجماله.

من الأمور السلبية في الإنقطاع المعرفي عند زيارة المقامات، فمثلاً قبر الخطيب البغدادي شبه غير موجود وضريحه على مقربة من بشر الحافي، وبالمناسبة الخطيب البغدادي هو حافظ وعالم كبير ومحقق ومدقق وهناك 80% من أهل بغداد لا يعرفون من هو الخطيب البغدادي خصوصا سكان الأعظمية والحلاج هو صوفي وصاحب روحانيات عالية ولديه أشعار جميلة كان مهمل ولو أنه كان في نظر البعض زنديق ومكانه مهمل، من الممكن أنني كنت الوحيد الذي كنت أوزر هذه الأماكن وأجلس بالساعات ولم أر أحداً وكنت أسأل القائمين على المقامات قالوا لي أن لا أحد يزورهم، وهنا لا بد شكر الوقف السني فرع البصرة خصوصاً الشيخ حسن الزكري من علماء منطقة الزبير والشكر موصول لمن ذهب إلى تلك الأماكن وأخص هنا الشيخ جمال الدوسري والشيخ محمد الملّا وعلماء البصرة الكرام الذي إستجابوا لرسالتي ولبّوا النداء مشكورين، حول ذلك لكن من الناحية النظرية فيجب أن نوقر رموزنا التاريخيين ونحترم آثارهم، لأن تلك الأماكن يجب أن تكون تحت إشراف الدولة إلى جانب الوقف السني وإشراف وزارة الثقافة فهذه رموز إنسانية قبل أن تكون إسلامية ورموز العرب، فنحن نريد فعلاً لا قولاً، نريد تنفيذاً لا وعوداً، ولكن مع الأسف لم يؤخذ الموضوع على محمل الجد من الفرع المركزي لوزارة الأوقاف فالبصرة تحتاج أن تأخذ الموافقات من الوقف المركزي لإستكمال أي إجراء في هذا الخصوص، لكن سأصر وأتابع ملاحقة هذا الموضوع، فهو إرثي كما إرث كل العرب إلى جانب العراق.

زرت قبر خادم النبي “صَل الله تعالى عليه وآله وسلم ” أنس بن مالك: هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري، خدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى عُرف بخادم الرسول، ويكنّى بأي حمزة، وُلد ابن مالك قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بعشر سنواتٍ، وكانت نشأة أنس بن مالك بين يدي الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بعد أن ذهبت به أمه إلى الرسول عندما بلغ العاشرة من العمر ليخدمه وينشأ بين يديه، وكان كاتباً ذكياً فطناً، ونشأته عند الرسول كانت سبباً في تعلّم أنس وتفقّهه، ورواية الأحاديث عنه، حتى قيل إنّه الثالث في الحفظ عن الرسول بعد ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم”.

لقد طالت قبر هذا الصحابي يد الطائفية في العام 2006 وحطمته تحطيم طائفي بغيض مكسر ومدمر حيث تحزن أنك ترى من فعل ذلك أن يكون من المسلمين فالذي رأيته من حالة العبث في قبر الصحابي أنس بن مالك ففي العام 2006 لم يكن لداعش وجود لكن سلوك بعض الناس الطائفي يدل على ان داعش هي سلوك إجرامي وحشي متجذر وموجود لكن لم يظهر حتى أتى وقته ففي داخلنا داعشية نمت في نفوسنا وهذا تترجم في تدمير قبر الصحابي أنس بن مالك.

فحالة الإهمال الكبيرة فمتى نرى السني والشيعي يجلسون في مجلس واحد ومتى نرى العراقي كعراقي يزور هذه الأماكن كونها معلماً من معالم الحضارة والإنسانية والإسلام بصورة عامة متى نرى ذوبان العنصرية المذهبية ومتى نرى الاهتمام الكبير بمعالمنا الإنسانية والإسلامية.

عربية

وإستثمرت وجودي في النجف الأشرف وزرت مقامات كثيرة مرقد الإمام علي بالنجف وبيته في الكوفة وأنس بن مالك وزرت مرقد أستاذي وحبيبي نور عيني والذي كتبت فيه مقالات ومحاضرات وسجلت له ومعلمي الأول وأول ما ودخلت وزرت قبره لم أستطع الوقوف في حضرته وأنا أتأمل أن هذا الإنسان أعدم على يد صدام حسين الرئيس العراقي السابق، وأخفى قبر بنته أعدم عام 1981 وأخرج ودفن عام 2006 مرة ثانية (فلقد أدت المشيئة الإلهية ان ينبري بعض من المؤمنين لحفظ مكان دفن جثمانه الشريف، و نقله لأكثر من مرة لتضييع الفرصة على أعدائه من العبث بقبره الطاهر، بل ليزور مقام جده أمير المؤمنين الإمام علي ﴿ع﴾ عندما حانت الفرصة لذلك عام 1994 حيث قام أولئك المؤمنون الشجعان ، بنقل جثمانه الطاهر بصبر و ثبات، بحماية ربانية ، وفي زمن كان من الصعب فيه ذكر اسم السيد الشهيد و سيرته بصورة علنية، و إذا بهم يحملون الجثمان الطاهر و يمرون به في أبرز شوارع مدينة النجف الأشرف قاصدين الروضة الحيدرية المطهرة) لقد زرت السيد محمد باقر الصدر وجلست عنده أكثر من ساعتين وخلال وجودي في النجف كنت أزوره يوميا ولكن لم أر أحدا يزوره رغم أهمية تعاليمه وما ترك لنا وتشرفت أن رأيت عمامته التي كان يرتديها وزرت أيضا الشهيد الصدر الثاني محمد صادق الصدر وهو من العلماء الكبار وأيضا أعدمه صدام حسين، الرئيس العراقي المخلوع الأسبق.

السيد الصدر زهد في الدنيا وهي مقبلة عليه، وزهد في الرفاه وهو في قبضة يمينه، ما أجمله من تعبير وما أجماه من ورع وتُقى، فقد كان زاهداً في ملبسه ومأكله، في الوقت الذي كانت تصله أرقى أنواع الملابس والأقمشة ممن يحبونه ويودونه، لكنه كان يأمر بتوزيعها على طلابه، ما يعكس وضع ما نعيشه اليوم من الترف الواضح على الحكام والرؤساء في أيامنا هذه، لقد كان قلب هذا الشخص رحمه الله، يحتضن الجميع ويحمل همّ الجميع ويتفقد الجميع ويخدم الجميع، ويتحسس آلام الجميع.

كان الشهيد رضي الله عنه طموحاً بعيد النظر، قوي العزيمة، وهذا ما جعله مدرسة خاصة متميزة قل نظيرها. وإن جلّ كتابات وبحوث الإمام الشهيد وليدة الحاجة والضرورة فهو يعنى بما يفتقر إليه المجتمع من الغذاء الفكري فيبادر إلى إشباع هذه الحاجة فهو في حالة تأهب مستمر للدفاع عن الثغور الإسلامية في الفكر والعقيدة ويستهدف القضاء على الأمراض الفكرية المستوردة بعد تشخيص العلاج الناجح الذي يستأصل جذورها واقتلاعها.

نبغ في علم الأصول وكان كتابه “المعالم في الأصول” خير دليل على ذلك، كتاب “فلسفتنا” هو أشهر أثر فلسفي خلفه الإمام الصدر قدس سره فينبغي للباحث أن يتلمس من خلال مراجعته كتاب “فلسفتنا” الذوق والحس الفلسفي لدى السيد الشهيد قدس سره ومتانة براهينه وقوة حججه واستدلالاته الفلسفية والطابع التجديدي الذي ارتداه هذا الكتاب، والذي أفردنا حوله بحثاً موسعاً.

يشار إلى أن مدينة النجف تعد واحدة من أهم المدن المقدسة، وتحتوي النجف على ضريح الإمام علي بن أبي طالب وتم بناء الضريح حول القبر حالي عام 979 ميلادي، بدأت النجف كمركز تعليمي في عام 1056 ميلادي عندما انتقل شيخ الطائف الطويسي إلى المدينة بعد سيطرة السلجوق على بغداد، حيث قام بتطوير عمل أسلافه في المدرسة العقلانية الناشئة للفكر الشيعي خلال القرنين الثالث عشر والخامس عشر، وتقلص بروز مدينتي الحلة وحلب كمركزي للتعلم الشيعي.

وهنا لا بد لي الوقوف والترحم على العالم العراقي الكبير الذي وافته المنية 30 مارس/ آذار 2020، المغفور له بإذن الله السيد عبد الستار العلاق الحسني، وهو العالم الأديب، والمحقّق الكبير، والموسوعي والبصير بالفقه والأصول واللغة والأدب والتأريخ، محقق بالنسب حيث انفرد بمعرفة الأنساب الصحيحة من المعتلة، عارف بتاريخ بغداد الجغرافي والعمراني ومساجدها ومراقدها، المرحوم الحسني وريث علماء بغداد الكبار، أمثال الدكتور حسين علي محفوظ، والدكتور مصطفى جواد، والدكتور أحمد سوسه، وغيرهم، ويعد أشهر مشايخ الرواية في هذا العصر.

ويعتبر هذا المحقق الكبير بمثابة المستشار العلمي واللغوي لأغلب العلماء الأعلام، عاش حياة بسيطة وكان زاهداً في حياته، عفيفًا في نفسه، مات وهو لا يملك داراً ولا عقاراً، وله مقامات علمية رفيعة لا يعرفها إلا العلماء والباحثون، ولقد أقر المرجع الكبير الشيخ جعفر سبحاني بتضلعه في العلوم إضافة إلى اجتهاده في الفقه والأصول. تغمّده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، مع ساداته الميامين، محمّد وآله الطاهرين.

إن العراق بلد الأعاجيب، فيه من البحث الكثير وهناك أمور فيه تحتاج إلى تأمل وإلى فحص، لكن الأكيد ما هذا إلا فصل من فصول رحلتي أنا “السندباد” الذي لا يزال يبحث عن كنوز بغداد ودمشق والقاهرة وكل العواصم العربية التي فيها سحر الشرق، فلكم مني حكايات ولهم مني النهوض بتاريخهم وحضارتهم مجدداً.

لنسير في ركب العلماء ولدينا الكثير، لننهل من علومهم وهي بين يدينا، لا تعتمد على الغير، رموزك هي بداية الحفاظ على تراثك، وعواصمك العربية لديها من الكنوز الكثير من أئمة ومراجع وعلماء وأتقياء وأطباء وفلاسفة ومناهج تفوق الغرب بأشواط، إبن رشد وابن سينا وجابر بن حيان والطبطبائي وحتى في العصر الحديث لدينا ما يفوق إدراكنا، ما نحتاجه هو البدء، لا يمكن لك تحقيق شيء إن لم تقرر أن تبدأ، ومع البداية ستفتح لك أبواب المعرفة من العواصم التي عمرها آلاف السنين وللحديث بقية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز