عبد العزيز بدر القطان: تاريخ الكويت النضالي في مواجهة "التطبيع" لن يشوهه مسلسل "أم هارون"

عبد-العزيز-القطان

من قال أنّ النضال ضد المحتل فقط بندقية ورصاصة؟ّ!، هناك ألف طريقة وطريقة يعبّر فيها شعبٌ رفض الظلم والطغيان وسرقة أرضه، فلقد أخد الموت يضرب في بلادٍ آمنة فجأة، بقرار ومن ثم إحتلال، وإغتصاب أرض، لتتوع أشكال مقاومة المحتل، ضد الظلم والظلّام.

في الثامن من أبريل /نيسان من العام 1948، أخذ الناجون من الموت يركضون مذعورين في أزقّة القدس، طفولة مسروقة، وأحلام ضائعة، وبراءة قتلها المحتل، وأجساد رقيقة أنهكها الهرب مما لا تعرف ماهيته وحقيقيته سوى أنه لا إنسانية لديه، يفتقدون إلى حضن أمهاتهم ودفء بيوتهم، ويتشوقون إلى القبلة التي كانت تطبع على جباههم قبل النوم.

إنها فلسطين!

فلسطين التي بُكيت حتى انتهت الدموع، صلّيت حتى ذابت الشموع، ركعت حتى ملّني الركوع، سألت عن محمد، فيك وعن يسوع، يا قدس يا مدينة تفوح أنبياء، يا أقصر الدروب بين الأرض، فلسطين هي قلب العرب وهي التي تفوح منها القوة والشجاعة والتضحية فتجد كل من حمل لقب فلسطيني رمزاً للتضحية وحب الوطن، فتجد أبناءها يضحون بدمائهم وأرواحهم وأنفسهم في سبيلها، فلسطين هي ملهمة الأدباء والحكماء وهي من تغنى بها الشعراء ونظم فيها أجمل الأشعار.

فلسطين قطعة من القلب ومهجة الروح وراحة الجسد، حبّها فطرة في كل فرد منا، فعلى أرضها تربى عظماء، وفي سمائها حلّقت أحلام الطفولة.

مجزرة دير ياسين

بعد أسبوعين من توقيع اتفاقية سلام طالب بها رؤساء المستوطنات اليهودية ووافق عليها أهل دير ياسين، وقعت مجزرة دير ياسين يوم 9 أبريل/نيسان 1948 على أيدي مجموعتيْ الأرغون التي كان يتزعمها مناحيم بيغن (الذي انتخب رئيسا لوزراء إسرائيل 1977-1983)، ومجموعة شتيرن التي كان يترأسها إسحق شامير (الذي انتخب رئيسا لوزراء إسرائيل 1983-1992 بتقطع)، بدعم من قوات البالماخ، بدأ الهجوم فجرا عندما اقتحمت قوات العصابتين الصهيونيتين القرية من جهتي الشرق والجنوب ليفاجئوا سكانها النائمين، راح ضحية المجزرة نحو 254 شهيدا، جلهم من الأطفال والنساء وكبار السن.

كانت قرية دير ياسين تقع على تل يبلغ ارتفاعه نحو ثمانمائة متر، وتبعد حوالي كيلومتر واحد عن النواحي الغربية للقدس المحتلة، بدأ الاستيطان اليهودي في قرية دير ياسين عام 1906، وقامت قوات الإمبراطورية العثمانية بتحصين مرتفعات دير ياسين ضمن منظومة الدفاع عن القدس، اقتحمتها قوات الجنرال اللنبي عام 1917 مما جعل القدس المحتلة تسقط في أيدي الحلفاء، عاش اليهود بأمن وأمان داخل القرية، غير أن العلاقات بينهم والفلسطينيين تدهورت إبان ثورة 1936-1939، قبل أن ترجع لسالف عهدها وتستمر كذلك إلى حدود نكبة 1948.

أطفال دير ياسين وهند

في 8 نيسان/ أبريل عام 1948، هاجمت العصابات الصهيونية الإرهابية قرية "دير ياسين" غربي القدس، وقتلوا غالبية أهلها، ووضعوا من بقي منهم على قيد الحياة من أطفال ونساء في عربات، وألقوا بهم في حي "المصرارة" في قلب القدس، وعلى جنبات طريقها، أخذ الناجون من الموت يركضون مذعورين في زقاق القدس، وفي ذات اليوم، كانت السيدة المقدسية هند الحسيني، تمر بزقاق البلدة القديمة على عجلة من أمرها، لتلحق باجتماع جماهيري يبحث أوضاع المدينة.

التقت الحسيني بالأطفال المذعورين، لتكون تلك الحادثة مفصلًا في حياتها وحياة هؤلاء الأطفال، فلقد فوجئت هند الحسيني بالأطفال المذعورين، وقررت مغادرة الاجتماع للنظر في أمرهم، وسرعان ما توجهت إلى غرفتين في "سوق الحصر"، كانتا تحت تصرفها، وأسكنت بهما الأطفال وقدمت لهم المشرب والمأكل، لم يكن في ذلك الحين من الفراش والغطاء ما يكفي لخمسين طفلاً، فناموا على الحصر، ولم يكن في جعبة هند حينها سوى 138 جنيهاً فلسطينياً.

فآلت على نفسها، أن تعيش بما تملك مع الأطفال، أو تموت معهم، إذ تصورت وكأن الشعب الفلسطيني سوف يمحى وينقرض، وهي القائلة: "لو مات الأطفال!! وكيف يمحى شعبنا العظيم!؟ لا وألف لا!".


وإبتدأت الحكاية

ساهمت هند الحسيني بإنشاء جمعية الاتحاد العربي النسائي في القدس، والتي تأسست عام 1928، لتسجل اسمها في مقدمة السيدات المقدسيَّات، اللواتي كرّسن حياتهنَّ لخدمة شعبهن ورعاية الأيتام والفقراء وأبناء من قتلوا خلال "النكبة"، وانتشرت فروع الجمعية في أرجاء القدس، ووصل عددها 22 فرعًا، استطاعت من خلالها تفحص أحوال الأطفال المهملين في بعض المدن والقرى الفلسطينية، ونظمت حملات لمحو الأمية وتعليم المهارات.

وعند انتشار خبر مذبحة دير ياسين، وتدفق اللاجئون من مختلف القرى والمدن إلى القدس، خوفا مما سيلحق بهم، ظهرت الحاجة الملحّة لإنشاء مؤسسة جديدة تستوعب الأطفال المشردين واليتامى، فقررت السيدة هند أن تستخدم بيت العائلة الكائن في حي الشيخ جراح في القدس ليكون "مؤسسة دار الطفل العربي" في عام 1948.

وارتفع عدد النزلاء في الدار إلى 125 طفلًا لاجئًا من شتى القرى المهجرة، واحتضنتهم دار الطفل العربي كبيت العائلة الكبير، وعندما انتظمت المدارس، وزّعت الحسيني الأطفال الذين جمعتهم على الصفوف المناسبة لسنهم لتلقي العلم.

من هي هند الحسيني؟

ولدت هند الحسيني في مدينة القدس عام 1916، درست في مدرسة البنات الإسلامية، وأنهت الدراسة الابتدائية عام 1932، والتحقت بالكلية الإنكليزية للبنات، وأنهت دراستها الثانوية عام 1937، ودرست آداب اللغتين العربية والإنكليزية عام 1938 دراسة خاصة، عملت مدرسة في مدرسة البنات الإسلامية لمدة سنة دراسية، وتوقفت عن التدريس إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية لفترة قصيرة، ثم واصلت التدريس حتى نهاية العام الدراسي 1945.

بدأت حرب 1948 وتقطعت أوصال البلاد، توقفت الجمعيات عن العمل، وحدث كثير من المآسي، والتي كان أكثرها وحشية مذبحة دير ياسين. فقامت هند وبمساعدة عدنان التميمي بجمع 55 طفلاً وطفلة من أيتام دير ياسين.

وهي الحاصلة على وسام البابا بولص في العام 1964، ووسام أديلاي دستوري التقديري الإيطالي للسيدات الرائدات في العالم العام 1980، وسام الكوكب الأردني للتربية والتعليم 1985، ووسام الدرجة الأولى من الحكومة الألمانية 1989، وتوفت هند الحسيني في العام 1994.

سيناريو ضد التطبيع

من يتعرف على السيدة هند الحسيني المناضلة المقدسية  وما قدمته وأوسمة الإستحقاق عن جدارة التي حصلت عليها من كبرى الدول والشخصيات، سيرة عطرة ومشرفة وترفع رأس أي سيدة عربية في كل أصقاع الأرض والعالم العربي، فهل من العدل ألا يعلم أحد بها، وهل من العدل ألا تقوم شركات الإنتاج بإنتاج مسلسل عن هذه السيدة العظيمة وما قدمته لفلسطين وهي المقدسية الأصل والنسب، عاشت حرة في أرض فلسطين، وأفنت عمرها كله خدمة لفلسطين وأطفال فلسطين.

لنعد بالذاكرة قليلاً إلى مسلسل "التغريبة الفلسطينية" المسلسل الذي كان سجلاً للمرارة والألم الفلسطيني، للمخرج السوري حاتم علي والمؤلف وليد سيف، والذي شاهدناه جميعاً العام 2004، والذي قيل عنه إنه "أيقونة دراما القضية الفلسطينية".

التغريبة رسم صورة واقعية للنضال الفلسطيني المنسي وأعمال المقاومة المبكرة، وذلك من خلال ملحمة درامية تدور أحداثها حول معاناة أسرة فلسطينية فقيرة في زمن الاحتلال البريطاني، ثم مذابح عصابات الاستيطان الصهيوني، ما بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي، وليست التغريبة وحدها هي التي جسدت المرارة والألم في تاريخ قضية العرب المركزية، فهنالك مسلسل "عائد إلى حيفا"، والذى عرض تجربة جرح وطن، وعذاب إنسان عانى قهراً وظلماً وحرماناً وتشرداً، لكنه يحمل أمل العودة الساكن في الوجدان، كذلك مسلسلات: "الشتات" و"حدث في دمشق " و"سليمة باشا"، و"حارة اليهود".

ولربما كان لينضم إلى القائمة مسلسل عن سيرة هند الحسيني، كأيقونة فلسطينية حقيقية بدلاً عن سيرة السيدة اليهودية "أم هارون" التي تصور واقعاً لن يغير واقع شعبها من اليهود الصهاينة الذين أرتكبوا الفظائع بفلسطين وشعبها وأطفالها وشيبها وشبابها.

تطبيع ثقافي

إن التكثيف من إعلانات مسلسل "أم هارون" الذي يعرض خلال الموسم الرمضاني القادم، أحدث ضجة كبيرة وغضب شعبي واسع على صعيد دولة الكويت التي ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى اليوم، لتكون الوحيدة بين جيرانها التي تنظر إلى القضية الفلسطينية بعين فلسطين نفسها، وحقها في العودة وتقرير مصيرها وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

وتدور أحداث هذا المسلسل من بعض ما سرّب، عن حياة امرأة يهودية عاشت في دولة خليجية بشكل خاص، وعن اليهود في منطقة الخليج عامة، ويزعم تعرضهم للمعاناة هناك في حقبة الأربعينات من القرن الماضي، حسب المركز الفلسطيني لمقاومة التطبيع، كما يظهر في إعلان المسلسل قصص حب بين مسلمين ويهود، وحاخامات يهود وهم يرتدون ثياباً تلمودية، وكأنها ترويج لتقبل واقع مرفوض أصلاً من كل النواحي.

هذا الأمر يندرج تحت مسمى التطبيع الثقافي من خلال غسل أدمغة المشاهد واللعب بالذهنية العربية الرافضة لكل أشكال التطبيع، الذي لا يقل خطورة عن الاحتلال الصهيوني من خلال تجسيد شخصية "أم هارون"، فلا توقيت عرضه بريئاً، ولكنه محاولة إلتفافية على قيم راسخة ضد هذا الكيان بطريقة ناعمة، من خلال تصوير سماحة الشعوب العربية والإسلامية وقبولها الآخر المختلف دينياً أو ثقافياً أو عرقياً، لتقبل كيان غاصب غريب وإضفاء الشرعية على وجوده وعلى احتلاله.

هذا المسلسل حقيقة هو جهد سياسي بحت، تقف خلفه جهات صهيونية لا شك في ذلك، من خلال الزج باليهود في الدراما العربية، وهنا تجدر الإشارة إلى أننا لسنا على عداء مع الدين اليهودي ولا مع يهود العالم، إنما يجب التفريق والتأكيد على رفضنا للصهيونية في أرض فلسطين ورفضنا القاطع للزج بدولة الكويت ليتبنى أبناءها هكذا عمل، لإحراج الكويت بعد مسيرة طويلة ومشرفة لن يأتي مسلسل ليقوم بتشويه سياسة دولة الكويت وموقفها من القضية الفلسطينية.

من هنا، وكمواطن كويتي وعربي وفلسطيني ومسلم ومسيحي وكل الصفات التي تجعلني عروبي الهوية ومقدسي الهوا ودمشقي العشق وفاطمي وعباسي ومناضل ومقاوم، وبإسمي وإسم كل عربي مقاوم غيور على فلسطين، تاريخ الكويت في مواجهة التطبيع لن يلوثه مسلسل "أم هارون"، وأما عن محاولة الزج باليهود في حياتنا اليومية لا يعني القبول به كمحتل، فسيرة هذا المسلسل مبطنة ومكذوبة عن يهود عانوا في الخليج. لذلك نرفض هذا العمل ونرفض تلويث الشهر الكريم بسيناريوهات غير صادقة النوايا.

إنها فلسطين أيها السادة الكرام ، فلنتحد ونوحد كلمتنا معاً ضد كل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني 

كاتب وحقوقي كويتي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت