إلى هوية وطنية أصيلة

أربكني جارنا أبا علي وهو يُحدّثني بلغة مُفَرْنسة على أنّه نجا من غارةٍ لطائرة صهيونيّة في جنوب لبنان في سبعينيات القرن الماضي، حيث استدارت  الطائرة "دامّا تور" لتُغير عليه ثانيةً، و بما أنّه يُحدثني فقد نجا  وهو على قيد الحياة..... !!
و كذلك أم علي قالت لي أعطهِ "الإدريس" ليصل إليك، و فيما فاجأتني إحدى جاراتنا بأنّ ابنتها لم يبقَ لديها سوى "البِروجيه" كي تتخرّج من دراستها الجامعيّة..
بقيتُ أيامًا وأسابيعا باحثًا في بطون و متون المعاجم ﻷفُكّ ألغاز مصطلحاتٍ لم أفقهها من قبل : "دامّا تور، الإدريس، البِروجِيه".. سعفني الحظ وأمسكت بطرف الخيط، بأنّ أبا علي يقصد ب "دامّا تور" Demi tour الفرنسية، و أم علي تقصد ب"الإدريس" Adresse، أمّا جارتنا العزيزة تقصد بكلمتها مشروع التخرّج الجامعي..
رحل أبا علي رحمه الله إلى ربّه بخطٍ مستقيم و ليس ب دامّا تور، فيما لا تزال أم علي تحمل هاتفها الخلوي منادية بأعلى صوتها ( Aلووو) ظنّاً منها أنّ من تتكلم معه لا يسمعها على بُعد المسافة..
 هذا الحصاد هو من ثقافة أولادهم دون ذنب علّهم يفتخرون بما يكتسبونه من علومٍ عصريّة في الجامعات، واللّوم هنا أولى من العذر.....
لكن ما يحصل اليوم في مجتمعاتنا، في جامعاتنا، في مساجدنا، بين بسطائنا، هو مَسخٌ للهويّة و عُقدة نقصٍ في الوجدان العربي.
أنا مع أن نتكلّم جميعًا كلّ اللغات حتى لغة عدوّنا، لكن ما بالك في من تسأله و باللّغة العربيّة ماذا تعمل؟ فيُجيك Business أو 
 ..Management 
يا أخي إحكيني عربي !!
بروتوكوليًا رئيس الدولة إذا زار أي بلد يُجيد لغته، فإنّه يتكلم بلغة بلده احترامًا منه لشعبه و تراثه و هويّته..
نحن في بلدنا، تدخل الطالبة إلى قاعة المحاضرة في الجامعة الوطنية و تقول bonjour !! بصراحة و بجرأة أسألها مباشرةً، هل وجدت طالبة فرنسية تدخل إلى جامعتها و تقول صباح الخير أو السلام عليكم أو غيرها من التعابير؟؟!!
لماذا بنوك بلدنا يتعاطون معنا و كأنّ لبنان ضاحية فرنسية أو أمريكية أو بريطانية؟
لماذا شركات الهاتف الخلوي يفرضون علينا نماذج لا يمكن أن يجاريها كل مواطن؟
هَبْ أنّ شخصاً لا يعرف لغةً أخرى غير لغته العربية الأمّ، كيف يقضي و يحلّ قضاياه؟..
كدتُ أنسى أو تذكرت صالونًا للتزيين النسائي في حيّ السلم بضاحية بيروت الجنوبية، إسمه "مارغريت" !! هل نفَذَت أسماؤنا العربية حتى استعرنا إسمًا من عالمٍ آخر..
يكفينا الأسماء المستوردة والمعلّبات المستوردة والماركات المستوردة والعاهرات المستوردة إلى وطننا الحبيب لبنان...
إلى ثقافة وطنيّة تحمي هويّتنا و تاريخنا، إلى أصالة التاريخ والتراث، إلى شخصية وطنية صناعة لبنانيّة عربيّة بامتياز....

د. ناصر عليق.