خاص طائرة إماراتية في "تل أبيب" وأخرى اسرائيلية في تركيا: التطبيع لا يغطى بـ "حفلات الردح"

طائرة إسرائيلية في تركيا

على مدار يومين، تكرر "كلاكيت" حفلة الردح بين محوري قطر والإمارات لذات الحدث، وكأن القدر المسرحي شاء لنا هذه الصدفة كي نسخر من ذاتنا، أو يسخر منا الآخرين، بدأ الحدث الأول حين هبطت طائرة إماراتية لأول مرة بشكل علني في مطار اللد المحتل، قال المخرج : كت، أعاد موظف الكلاكيت ضبط الأداة، جاء الحدث الثاني،  طائرة إسرائيلية تابعة لشركة "العال" هبطت في مطار اسطنبول بتركيا ! وبين المشهديين المتتابعين، فاصلاً من "حفلات الردح" الأولى في المواقع القطرية التركية الإخوانية، والثانية في المواقع الاماراتية المناهضة لمشروع الاسلام السياسي، الفريق الأول اتهم الآخر بالتطبيع، والفريق الثاني اتهم الأول بالتطبيع والخيانة، وبين "حانا ومانا" ... راحت الضفة وما تبقى من حلم حل الدولتين.

اعادة التوصيف 

كان لافتاً أن المواقع القطرية والتركية، أقامت الحفلة على حدث هبوط الطائرة الإماراتية في "إسرائيل" إذ فتحت الصحافة التي يرعاها "عزمي بشارة" صفحاتها الأولى للحديث عن التطبيع الإماراتي العابر للقيم العربية والقومية، في حين، لقي الحدث استنكاراً فلسطينياً، خصوصاً  من السلطة الفلسطينية وحركة فتح، التي قالت أنها لم تستقبل الحدث على نحو إيجابي، حتى وإن كانت الطائرة تحمل مساعدات طبية يحتاجها الفلسطينيون، إذ أن الطائرة الإماراتية لم تنسق مع السلطة، وحتى  سفارة فلسطين في "أبو ظبي" لم يصلها أي اشعار بنية الإمارات ارسال طائرة مساعدات للسلطة.

تلك الوقائع، دفعت بـ "رام الله" إلى رفض شحنة المساعدات، لاسيما أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كان قد أعلن أنه خرج من كافة الاتفاقيات مع (إسرائيل) بما فيها التنسيق الأمني، رداً على عزم حكومة الاحتلال ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية، لتلتقط الإمارت الفرصة، وتعلن أنها ستدفع بتلك الشحنة لقطاع غزة، البقعة الجغرافية التي تثير في "الرئيس عباس" داء الحكة والجرب، لتبدأ هاهنا، "لعبة تنس" جديدة، بين فتح في رام الله، وأنصار حماس في غزة، الكل يلقى كرة التطبيع والخيانة على الآخر.

علماً أن مشكلة السلطة ليس في الطريقة التي وصلت بها المساعدات بذاتها، ولا بالمطار الذي ستشحن منه، القصة أعمق من ذلك، إذ تنظر مؤسسة الرئاسة الفلسطينية إلى الدور الإماراتي في القضية الفلسطينية بكثير من الريبة والشك، خصوصاً  أن "دبي" تدعم غريم الرئيس محمود عباس ومنافسه على كرسي الحكم، محمد دحلان، وقد جاءت حادثة الطائرة في أعقاب قيام مسؤول إماراتي بارز بنشر صورة لمحمد دحلان، كتب أعلاها "رئيس دولة فلسطين".

المهم في الأمر، أن طائرة الإمارات، تقاذفت الأطراف الفلسطينية المسؤولية عنها وألقيت أخيراً في حجر الأمم المتحدة، حيث ليس لـ حماس وفتح علم بها، بينما وجد  التيار الاصلاحي لحركة فتح  أنه بإمكانه حمل هذا العار بـ "صدر مفتوح" ، حيث شكر "تيار دحلان" الإمارات على دورها الانساني، وقفز بيان التيار الإصلاحي عن المضامين التطبيعية التي تحملها خطوة هبوط طائرة عربية لمطار إسرائيلي بشكل مباشر، وقدموا بيان "تمسيح جوخ" عظيم السرد، شكروا فيه دولة "أولاد زايد".

كلاكيت ثاني: سقطوا في ذات الحفرة

حفلة الردح التي خلفتها الطائرة الإماراتية، خففت من حدتها، وقوع المحور الآخر "تركيا – قطر" في نفس الحفرة، حيث حطت يوم أمس الأحد، طائرة مساعدات إسرائيلية في مطار اسطنبول، قبل أن تكمل طريقها إلى الولايات المتحدة، وهي الرحلة الجوية الأولى لشركة طيران إسرائيلية إلى مطار تركي منذ عشرة سنوات.

عشرة سنوات استثمرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تقديم خطاب عاطفي يدعي فيه حمايته للحقوق الفلسطينية، خصوصاً عقب هجوم الاحتلال على سفينة مرمرة قبالة شواطئ قطاع غزة الذي أودى بحياة تسعة أتراك، عام 2010، ورغم أنه لم يصل للفلسطينيين من الرئيس التركي سوى الخطابات، إلا أن تلك وحدها، قدمت للرئيس الإخواني سمعة ممتازة، على الصعيد العربي.

تلك السمعة التي يحرص الرئيس أردوغان على تلميعها عقب كل تطبيع يفتضح أمره، فلم يفته صباح يوم أمس الأحد، أن يشحن جمهوره بخطاب عاطفي جبار، قال فيه: "أود أن أكرر أن القدس الشريف موقع مقدس للأديان الثلاثة و أول قبلة لنا كمسلمين ، و هي خط أحمر لجميع المسلمين في جميع أنحاء العالم ".

 رغم أنه وخلال الأسابيع الماضية، قدمت "أنقرة" شحنة مساعدات طبية إلى دولة الاحتلال، ولما أصبح الخبر متداولاً، ذيلت وكالة الأناضول التركية خبرها، بل وعنونته، بأن تركيا اشترطت على "إسرائيل" ادخال المساعدات الطبية لقطاع غزة قبل استلام الشحنة، وانتهى الخبر عند هذا الحد، ولكن فيما وراء الخبر لم يحدث شيء، حيث استلمت اسرائيل شحنة المساعدات، وربما هي أقل المحتاجين إليها، ولم تدخل المساعدات قطاع غزة.

 

في محصلة الأمر، تبدو أزمة كورونا، مظلة جيدة لتمرير رسائل الود من  البلدان العربية والإسلامية "لإسرائيل"، وفيما تتولى وسائل الإعلام المتقابلة نشر "غسيل التطبيع القذر" لبعضها البعض، تحتفل دولة الاحتلال بهذا التنافس الإيجابي، فالأيادي التركية والإماراتية والقطرية على حد سواء، صارت تمتد لـ (إسرائيل) علناً، ولم يعد الأمر يقتصر على التبادل التجاري والمعلوماتي والأمني، فقد صعدت الدول درجة جديدة في سلم التطبيع الذي لا تغطيه حفلات "الردح".

تطبيع ربما يحمل مواقفاً غير رسمية  تنقلها تلك البلدان للـ "الكباش" الإسرائيلي الذي سيلتهم ما تبقى من أراضي الضفة الغربية، التي كان يؤمل أن تكون الخزان الجغرافي لحل الدولتين، فيما يبقى الفلسطينيون لوحدهم، فيما يوسع الجميع "إسرائيل" شتماً، وتلوذ بـ "الإبل" والضفة والقدس.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت