كتب عبد العزيز القطان: الموصل في القلب كما بغداد السلام في الوجدان

عبد العزيز القطان.jpeg

في مثل هذا اليوم قبل عامين، كانت رحى المعارك دائرة، ولم يكن يعلو على صوت القصف والقذائف صوت، هي الموصل العراقية، هي اليوم المدينة المحررة التي أريد لها التدمير، لكن بسواعد أبنائها وإقدام جيشها وحشدها وكل مكوناتها ها هي اليوم في الذكرى الثانية للتحرير.

الموصل واحدة من "المدن المستنيرة" في الشرق الأوسط التي تستضيف واحدة من أكبر المراكز التعليمية والبحثية في العراق والمنطقة. كما تضم مباني قديمة يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر مثل المسجد الكبير والمسجد الأحمر والمزارات الإسلامية والعديد من الكنائس بالإضافة إلى الأضرحة.

أريد لها أن تكون عاصمة الخلافة الإسلامية في الشام والعراق كما يدّعون، لكنها عادت لأن تكون جزء من العراق، جزء من التعايش الإنساني، لقد سطر أبناء العراق فيها ملاحم هي عسكرية الشكل، لكنها إنسانية المضمون، فوأد أي مشروع إن لم تتملكه عقيدة صافية مخلصة وأمينة، لن يتحقق النصر المبين. لم أستطع أن أقف متفرجاً، في هذا اليوم العظيم، يوم استعادة مدينة مهمة وعريقة، عانى منها الأيزيديين ما عانوا، ولكنهم قطفوا ثمار صمودهم رغم ما حاق بهم، لذلك أقدم خالص مواساتي لهم، وأتمنى أن تعمر الموصل بأيدي أبنائها، أياً كانوا، فهم إخواننا في الإنسانية، العراق واحد بكل مكوناته، بعد أن عاث فيها الإرهاب ودمر ما دمر.

فلا يخفى على أحد أن العراق بلداً مهماً، يحتضن الكثير من الأقليات سواء دينية أو إثنية أو قومية منذ آلاف السنين، يتعايشون معاً وكما يقال على "الحلوة والمرّة"، وهم أساس حضارة بلاد الرافدين وجزء من نسيجها المتماسك الذي قاوم الاستعمار بكل أشكاله على مدار الأزمنة، من مسيحيين وكلدان وآشوريين وآيزديين وأرمن وسريان وبهائيين وصائبة منداوية، وقلة من الزرداشتية، هذا الحضور المتنوع لهذه اللوحة الجميلة من المؤكد أنه شهد الكثير، ودفع ضريبة حروب وصراعات لا يد له فيها، لكنها طالته كحال كل العراقيين، وهذه حقيقة مسلم بها.

أريد لهذا المكون أن يدفع الثمن جراء الصراعات وجراء الإرهاب الذي لم يرحم أحد، من خلال حملات تتعلق بطمس الهوية والتشويه المتعمد وغير المتعمد، أو الإهمال في الاهتمام بهم لأنهم كانوا على الغالب غير مقبولين من قبل الأغلبية على عدة مستويات وفي عدة مراحل تاريخية وهذه حقيقة، ليصل بهم الوضع في الوقت الحالي ليشهد البلاد موجات نزوح مستمرة بالآلاف، وموجات هجرة لترك البلاد دون إضافة إلى هجرة جماعية ومستمرة ألحقت ضررا كبيرا بوجودهم وموقعهم وتغير الطابع الديموغرافي لمناطقهم وخاصة مع دخول تنظيم داعش.

الجميع يعلم أن ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أنشئ لأول مرة ديواناً سمي باسم أوقاف الاديان غير المسلمة ومن ثم الى ديوان أوقاف المسيحيين والأيزيدية والصابئة، لكن هل ضمن هذا حقهم غي التعايش الكريم، فمن المسؤول عن الهميش والإقصاء والإهمال لهم، الأمر الذي دفع بعضهم للهجرة، والآخر لقي مصائر يندى لها الجبين من ممارسات والعودة إلى عصور ما قبل الجاهلية، من خطف واغتصاب وتجارة وعبودية وذل، مع تحرير الموصل وفي ذكرى النصر، هناك ذكرى أليمة لكل الفتيات من الأيزيديات والأقليات الأخرى، كيف سنقيهم تذكر ما مر بهم، وما حلق بهم وهم لا حول لهم ولا قوة إلا أن نقول إنها مشيئة الله، فتلاحظ إنكفاء الدور المسيحي وإختفاء صوته بعد أكثر من 17 قرناً من العطاء للعراق، أين هم ومن المسؤول عن تهجيرهم، وهل نحمل داعش وحدها السبب، لا! الإنسان عندما يفقد شعوره بالمواطنة، يضيق عليه الوطن، ويبدأ رحلة البحث عمن يتقبله ويشعره بوجوده، وهذا الخطر يفوق خطر الجهاديين آلاف المرات،

ففي ذكرى التحرير والنصر، نشأت مفرزات لن تُمحى وتُنسى بسهولة، فحرق الكنائس والمطرانيات الكلدانية وغيرها أمر سيحملوه معهم إلى يوم القيامة، فالمعاناة قديمة لكن من أيقظها داعش، فلقد نزح ما لا يقل عن ثلاثمائة وخمسين ألف من المسيحيين والأيزيدية وغيرهم من الأقليات الأخرى، لقد شكلت داعش أيضاً صدمة لهؤلاء الأقليات، لأنها سلبتهم حق الحياة وبدأ المسلسل الأبرز بحملة إبادة الأيزيدية بالهجوم على سنجار وما أسفر عنه من خسائر كبيرة في الأرواح والضحايا والخسائر وسبي النساء وخطف الأطفال. لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فلقد عانت هذه الأقليات ومنذ دخول داعش في العام 2014، معاناة لن تلخصها بضعة أسطر أو بضعة صفحات بل هي معاناة مستمرة خاصة في ظل وجود مفقودين ومصيرهم غير معروف، حتى الموجودين في المقابر الجماعية جراء الجرائم الداعشية بحقهم، يخرج السؤال الآتي: من المسؤول عن ملف المفقودين، والبحث عنهم، فمن المؤكد كما هناك محتجزين سواء من الآيزيديين أو غيرهم، في المقابل هناك أسرى من التنظيمات الجهادية، ويجب في عُرف متابعة هذا الملف، أن يتم على سبيل المثال تبادل، بوساطة دولة حيادية للتنسيق، كما حدث في بعض الحالات بالملف السوري.

فالأقليات التي تشعر باهتمام حكومة بلادها ودولتها، سيخفف ذلك من معاناتها، ويعيد لهم الأمل بغدٍ أجمل، رغم الذكريات الحزينة التي أوجعتنا كما أوجعتهم، وهذا أمر برسم الإنسانية قبل المواطنة والقانون، وملف لا يحتمل الطي في دروج النسيان، فهم مواطنون ولهم حقوق وهذا أضعف الإيمان. فأي مكون من الأقليات المذكورة ومن أغفلنا ذكرها، تجمعهم الهوية العراقية، فكل المدن التي عانت من الإرهاب ومن الحرب الأمريكية، هم عراقيون الهوى والهوية، الإنتماء أولاً وأخيراً لدولة تجمعها مظلة حكومة واحدة مسؤولة عن كل شعبها بكل أطيافه، سواء من الموصل أو صلاح الدين أو في بغداد أو البصرة وكل العراق دون إستثناء، فما هو مصيرهم، إن كان مجرماً يخضع للمحاكمة بعد إكتمال أدلة إدانته، وكان مستشهداً، من حق ذويه دفنه، فهذه المسؤولية مسؤولية رسمية بالمقام الأول، تحت مظلة إنسانية، فكل جريمة بفعل الإرهاب تمسنا جميعاً بشكل عام والعراق بشكل خاص، وحديثي هنا عن ألم العراق كوني عربي وألم لبنان وسوريا وأي مكان في عالمنا العربي ينبع من كوني عربي، آليت على نفسي الدفاع عن الجميع لأني صاحب مشروع عربي.

ومن الناحية القانونية، ‏هناك أكثر من مليون ونصف نازح ومهجر قسراً في العراق، في حين تنص المادة 15 من الدستور العراقي على أن كل فرد له الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون، وخارج هذا السياق هو إنتهاك للقانون.

هل اليوم وبعد عامين على التحرير، نتجرأ ونقول إنهم أحياء على قيد الموت، أم أنهم أموات على قيد الحياة! إن ما أفرزته الحرب على بعض الدولة العربية أمر خطير جداً، ومن موقع المسؤولية واجب على الجميع أن يعمل بجد ودون كلل أو ملل، للنهوض ببلده في العراق وسوريا ولبنان، وكل مكان كان فيه مظاوماً يريد إحقاق الحق، فكل مظلوم مسؤول منا، ويجب أن نكون له ناصرين، وبصفتي الشخصية والقانونية أتوجه لكل المعنيين، بأن تكون الخطوة القادمة واجبة لرسم مسارات فكرية استراتيجية لتأهيل الموصل وكل المدن والمناطق التي عانت من مخلفات الإرهاب والحرب، والعمل على تعزيز قيم الدولة القوية بمشروعها الوطني، وبحصانتها القانونية والمؤسساتية. وبذكرى تحرير الموصل من براثن الإرهاب، هي انتصار لكل العرب من المحيط إلى الخليج، وإنتصار لكل المكونات الجميلة في العراق، العراق الحبيبة التي نأمل أن تعود لتكون قبلة العالم حاضرة في كل الساحات والميادين.

 

 

 

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز