إسقاط "قانون قيصر" استراتيجية سورية .. وضربة في عنق الهيمنة الأمريكية

إسقاط "قانون قيصر" استراتيجية سورية .. وضربة في عنق الهيمنة الأمريكية

أيام قليلة تفصلنا عن بدء الولايات المتحدة تطبيق برنامج عقوباتها ضد الدولة السورية وشعبها, من خلال ما دعته "قانون قيصر", الذي تم تصميمه لحصار القيادة والقرار السياسي وخنق الاقتصاد السوري، بهدف الحصول على مكاسب وأهداف سياسية عجزت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال العقود الماضية عن تحقيقها عبر كافة الوسائل والأساليب، بما فيها الحرب الإرهابية – الدولية العسكرية المباشرة التي شنتها وحلفائها على سوريا منذ العام 2011 حتى اليوم.

فقد صُمم قانون "قيصر" على أساس منع الشركات والدول من فتح قنوات دبلوماسية مع سوريا، ومنعهم من المساهمة في إعادة البناء والإعمار والاستثمار، وحصار قطاعي الطاقة والطيران ومنعهما من تأمين مسلتزماتهما من قطع الغيار, وحصار القطاع المصرفي وشلّ حركة المصرف المركزي السوري, وكل من يتعامل معه، بالإضافة إلى تجميد الأصول السورية في الخارج وأموال وأصول الأفراد الذين يتعاملون مع سوريا, وبات من الواضح أن "قانون قيصر" يرسم دائرة حصارٍ تتجاوز الحدود السورية، وتصل مفاعيله إلى لبنان والدول المحيطة بسوريا وكافة الدول التي تقف إلى جانب سوريا.

إن التبرير الأمريكي لاعتماد قانون قيصر وحصار الدولة والشعب السوري جاء تحت عناوين "حقوق الإنسان" و"جرائم الحرب" , لكنه بات سخيفاً وسقط سقوطاً ذريعاً, وأقله بعد ما رصد العالم مشاهد القتل العلنية في الشوارع الأمريكي على خلفية خنق جورج فلويد بعد عملية تعذيب استمرت أكثر من ثماني دقائق أمام عدسات الكاميرات, ناهيك عن مشاهد العنف وحوادث القتل المشابهة التي نفذها رجال الشرطة الأمريكية بحق الشعب الأمريكي الذي وجدها فرصة للتظاهر وإطلاق صرخات الغضب وربما الإستغاثة في دولة تسعى لمحاسبة وحصار ومعاقبة سوريا وغيرها , فالإدارة الأمريكية ارتكبت الفظائع بحق البشر الأمريكيين وغاب عن ذهنها "حقوق الإنسان" و"جرائم الحرب" , أيٌّ ازدواجية وأيٌّ نفاق !, ويبقى السؤال عما حدث ويحدث في أمريكا منذ تأسيسها بعيداً عن عدسات الكاميرات؟ داخل الولايات المتحدة وخارجها وبشكل غير قانوني, ولكم في صور التعذيب في السجون الأمريكية السرية في أوروبا وغير دول وفي سجون أبو غريب مثال.

لا يمكن لعاقل أن يصدق اهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بحقوق الإنسان وهي التي تعتبر نفسها فوق القانون الدولي, وشواهد جرائمها تمتد لتملئ صفحات تاريخ معظم شعوب الأرض, في وقت يرى فيه العالم عدم التزامها بدستورها وشعاراتها – المزيفة - وبالقانون الدولي.

لا يمكن قراءة العقوبات الأمريكية الجديدة على سوريا, وفق إدعاءاتها وما تدعيه من قيم أخلاقية وتحت مسمى "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا"، ولا بد من قراءة فشلها وربيبتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي والعديد من الدول الغربية والعربية في إسقاط الدولة السورية وقيادتها وشعبها المقاوم لمشاريع الهيمنة التي يقودها النظام النيوليبرالي المتوحش، ولا بد لأمريكا ومن يدور في فلكها الاعتراف بالهزيمة العسكرية في سوريا, وبعشرات الهزائم السياسية داخل سوريا وفي الإقليم والعالم , ولن يكون مصير معاركها الاقتصادية وقانون قيصرها سوى الهزيمة والفشل, وأن العقوبات القاسية ضد سوريا وحلفائها لن تستطيع تحقيق ما فشلت فيه وحلفائها وأدواتها في تحقيقه ما عجزت عنه خلال عشر سنوات من الحرب والدمار, ولن تستطيع التأثير على القرار السياسي للشعب السوري الذي يقف وراء قيادته وجيشه, وهو يحمل في داخله جينات الصمود والتحدي والكبرياء، كما يحمل إبداعه وبراعته في تخطي الصعوبات وبالاعتماد على الذات, ولا بد للولايات المتحدة من قراءة نتائج حصار سوريا في ثمانينيات القرن الماضي, الأمر الذي جعل منها سوريا الحديثة القوية والقادرة على حماية شعبها وتحصين قرارها السياسي وإصرارها على تحقيق الانتصار في كافة القضايا الوطنية والقومية.

وبات على الولايات المتحدة إدراك حقيقة تنحيها عن عرش التفرد في قيادة العالم والهيمنة عليه، وتحديداً في الشرق الأوسط, وبات عليها مواجهة روسيا والصين وإيران وسوريا والعراق والمقاومة في لبنان وفلسطين المحتلة, ولا بد لها إدراك أن سوريا ليست وحيدة في معارك العنوان الدولي وفي القضاء الفعلي على الهيمنة الأمريكية في المنطقة.

فلا يمكن للحكومة اللبنانية أن تنصاع لقانون قيصر وتحاصر نفسها, وتلتزم بإغلاقٍ تام لبوابات العبور مع سوريا, فالحدود اللبنانية البرية الوحيدة تمر عبر سوريا, ولا يمكن لأي خطة اقتصادية وطنية لتنشيط قطاع الزراعة ولعمليات التصدير إلى سوريا و العراق ودول الخليج تحقيق النجاح , ولن تخاطر الحكومة اللبنانية الحالية بالسقوط لأجل تنفيذ العقوبات الأمريكية , خصوصاً مع انكشاف واضح لزيف الإدعاءات الأمريكية حيال مساعدة لبنان مالياً أو اقتصادياً, وهي الساعية لحصار لبنان تحت عناوين أخرى ترتبط مباشرة بالمصالح الإسرائيلية , بالإضافة إلى الفشل الحتمي لتوجهات الإدارة الأمريكية للاعتماد على تحالف 14 اّذار الضعيف والذي يعج بالخونة والفاسدين , ولن يكون بمقدور أي حكومة قادمة إلاّ التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا وإيران, وإلاّ فأنها ستغرد خارج السرب والواقع الدولي الجديد.

أما إيران فقد تعرضت فعلياً لأقصى الضغوط الأمريكية ولتصاعد العقوبات القاسية عليها منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، بعدما رفضت الهيمنة الأمريكية بالمطلق, وبالتأكيد لن تلتزم بقانون قيصر, ولن تفك عرى تحالفها الإستراتيجي والتاريخي بين الشعبين والدولتين السورية والإيرانية.

أما دول الخليج , فلم تعد خزائنها قادرة على تمويل الشر الأمريكي كالسابق , وتحلم بالانضمام إلى السياق الطبيعي لحركة المال والاقتصاد والتجارة في المنطقة والعالم انصياعاً لملامح العالم الجديد الذي يتجه شرقاً وبامتياز, ناهيك تراجع الشركات الخليجية لتكون منافساً وشريكاً حقيقياً للشركات الإيرانية في سوريا ومشاريع إعادة الأعمار مع استمرار عروشها بالانصياع للأوامر الأمريكية الإسرائيلية, ولا بد وأنها ستغرد أيضاً خارج السرب, مع سقوط صفقة القرن والغرق السعودي والإماراتي وغيرهما في ليبيا والمعركة الدولية الكبرى هناك.

أما الدول الأوروبية, والتي أظهرت دعماً كبيراً للخطط الأمريكية ضد سوريا والمنطقة, فقد بات قلقها واضحاً وصوت أنينها بات مسموعاً, وهي تسير بعكس مصالح شعوبها, فالفوضى الأمريكية وصلت إلى أوروبا, ومواجهة العنصرية والتطرف اليميني والشعبوية أصبحت مشاريع معارك قادمة لا محالة وطلائع عواجلها ترصدها وسائل الإعلام بشكل يومي, وتفقد معها أحلامها بالعودة إلى سوريا والمشاركة في إعادة إعمارها واستعادة شيئاً من نفوذها في شرق المتوسط.

أما روسيا، فقد أعلنت مراراً وتكراراً دعمها للدولة والشعب السوري, وقدمت الدماء دفاعاً عن السيادة ووحدة الأراضي السورية والقضاء على الإرهاب, ولطالما أكدت دعمها السياسي والإقتصادي بأفعال حقيقية بعيداً عن البروباغاندا الإعلامية المعادية الخبيثة, وقامت بتوقيع عديد الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية مع الحكومة السورية , وهي مستمرة بتزويد الجيش العربي السوري بالمعدات العسكرية الحديثة والمتطورة الكفيلة بعودته إلى سابق عهده من القوة , وقد قامت قبل أيام بتزويده بسرب مقاتلات الـ "MiG-29" المحدثة في رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وإلى عقوبات "قانون قيصر".

أما الصين، فهي تخوض الآن معارك "الحرب الباردة" بمواجهة الولايات المتحدة, على خلفية الاتهامات الأمريكية بمسؤولية بكين عن تفشي فيروس كورونا المستجد, في وقتٍ تسعى فيه الولايات المتحدة إلى منعها من ترسيخ علاقاتها التجارية مع دول الإتحاد والسوق الأوروبية، ومنع أوروبا من احتضان شبكات وتكنولوجيا الجيل الخامس الصينية, بالإضافة إلى محاولات واشنطن إلى تقليص ومحاربة طلبات الشراكة والتجارة لبعض الدول مع الصين, دون أن ننسى المحاولات الأمريكية لعرقلة الصفقة الصينية – العراقية لإعادة إعمار العراق ... وهي أمورٌ بمجملها تؤكد عدم التزام الصين بقانون قيصر.

أما سوريا الدولة والقائد والشعب, فلن تقبل الخضوع لسيف قانون قيصر – الأمريكي, ولن يتراجع الرئيس بشار الأسد عن وعده " بـ"تحرير كل شبر" وعن "الإتجاه شرقاً", وسيعيد بناء سوريا وبناها التحية, فقد قبل التحدي منذ العام 2003 وزيارة كولن باول, ولن يقبل عرض جيمس جيفري في الربع الساعة الأخير للمعركة.

وسيعمل الرئيس الأسد مع إيران وروسيا والصين لتأمين احتياجات الدولة والشعب السوري, تلك الدول التي أثبتت صدقها وعمق علاقاتها مع سوريا, إذ سبق لإيران أن تحدت العقوبات الأمريكية - الأوروبية وأرسلت ناقلات نفطها إلى سوريا عبر مضيق جبل طارق, ناهيك قيامها ببناء مصانع جديدة وإضافية للأدوية في سوريا ، وتعمل أيضا ًعلى مشاركة روسيا والصين في تنفيذ مشاريع اقتصادية وصناعية عديدة.

إن توجه سوريا نحو الشرق هو خيار استراتيجي, وسيمنحها القدرة على هزيمة "قانون قيصر", وسيقدم النموذج لدول المنطقة والعالم للحذو حذوها وإسقاط الهيمنة الغربية وعقوباتها ضد الدول والشعوب .. ولا شك بأن إسقاط قانون قيصر سيكون مقدمة خروج الولايات المتحدة من سوريا والعراق والمنطقة, وسيكون عنوان النصر الاقتصادي كما كانت الشجاعة والبطولة وتضحيات الجيش العربي السوري عنواناً للنصر العسكري.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز