ألمَنُّ والسَّلوى الطائفية في لبنان

DCF5EDDA-12B6-4F6A-B714-BB103AC6D349.jpeg

بهدوء...فهذا هو النِّظام الطائفي في لبنان يُعِيد إستحضار نفسه وإنتاج العصبية التي ركَّب عليها حُكمه منذ عشرات السنين، كلَّما إقتربت نهايته ووصل الى حال العجز وإشتداد الأزمات الوجودية له، لتبلغ العصبيات المذهبية ذُروتها ويتم تقطيع أوصال الوطن جغرافياً ومناطقياً محرِّمة على غيرها الآخر الشريك في الوطن حق التواجد أو التنقُّل، فهل هناك شراكة في الحكم السياسي وما هي الضمانة للأمن وللإستقرار الأمني وما هي حدود سيادة القانون؟...
قوى أحزاب السُّلطة وطوائفها ومذاهبها لم تنتج الى اليوم سوى الخطاب الفئوي والتأجيج الفتنوي والمناطقي على حساب عامة الشعب، ولم تستجلب سوى التدخُّلات والحمايات الدينية والتلطِّي بعباءاتها للإنقضاض على شركائها في الوطن، وكذلك التدخلات الخارجية المالية والسياسية والرقابية والأمنية التي إستُبيحت فيها السيادة على مرِّ السنين، فوقفت هذه الأحزاب برمَّتها مستنفرة بوجه ثورة 17 تشرين المطالبة بالعيش الكريم وبمحاسبة الفاسدين وبسيادة القانون، أرادت التحايل على الشعب والإلتفاف على مطالبه حماية لمكتسباتها وخوفاً من حالة سياسية عابرة للطوائف تنشد تطبيق القانون وتسيُّدِه وتُعيد الأموال العامة الى خزائن الدولة فماذا حصل؟...
نَفَثَت كل قوى وأحزاب السُّلطة سمومها على الشعب المنتفض وإتهمته بشتَّى أنواع الإتهامات بالعمالة والتخوين والتهديد بالحرب الأهلية، ربَّما هناك جزء أو شيء من إتهاماتها صحيح، فالثورة تنضوي فيها كل المكونات الشعبية والسياسية وتكمُن فيها كل الإختراقات من جميع الإتجاهات، فهي ليست حزباً مؤدلجاً مغلقاً، ثورة الشعب ممتدة على مساحة الوطن أفقياً وعامودياً، لكن إستمرار أحزاب السلطة الطائفية وميليشياتها بإنتهاج وإعادة إنتاج ذات الخطاب الفئوي المريض حتى في حكومة الرئيس حسان دياب، وتعالي الأصوات وسنِّ الأنياب والأضراس من أجل الظَّفر بكلِّ التعيينات والتكشيلات القضائية وطرح تشغيل محطات الكهرباء وفق التحاصص المذهبي وتعطيل إقرار قانون العفو العام ذو الصبغة الطائفية، كل ذلك حتماً لن يؤدي الى جنَّة في الحكم فيها المَنُّ والسَّلوى بهذه الصيغة اللبنانية الكاذبة والحُبلى بعوامل التفجير والقيح والمرض...
فإذا إعتبرت أحزاب السلطة الحاكمة أنَّها إستطاعت الإطاحة بثورة 17 تشرين ووَأَدَت خطابها العابر للطوائف والمذاهب وتخلَّصت من عبء الفقراء ومطالباتهم وحرَّرت نسبياً حاكم المصرف المركزي الذي هندس وسرق بهندساته كلَّ أموال الخزينة العامة والمودعين بالشراكة مع القوى السياسية المتسلِّطة، فإنَّها اليوم تجني ما صنعته لنفسها حين إصطدمت بجدران المذاهب وبموجات جديدة من التعصُّب الأعمى لتيارات وشباب لم يعطَ الفرصة لتحقيق آماله وطموحاته في إنتاج ثورة حقيقية، فسلك الدَّرب الأقصر والأسهل نحو التجييش الطائفي والمذهبي وقطع الطرقات وأوصال الوطن مناطقياً وطوائفياً، وهو من فِعْل السلطة الحاكمة وحقنها الناس بخطابات تقسيمية داخل أروقة الحكم وفي الإدارة العامة مجلس الوزراء ومجلس النواب...فثورة 17 تشرين هي حالة فكرية مستمرة لا يمكن القضاء عليها أو السيطرة على قواها ولا تنشد هذه الثورة عملية التغيير سريعاً لقوى متسلِّطة لديها الحكم والمال والقضاء والأمن...لكن أوان الساعة سينضج ويقترب كل يوم.
فبعد أن شيطنتم ثورة 17 العابرة للطوائف والمذاهب كحالة وطنية كبيرة وإعتبرتم أنَّكم أنهيتم مفاعيلها..هل سينتظركم المَنُّ والسَّلوى والجنَّات في حكمكم المريض بعدها..؟؟ أم أن الشوارع المذهبية والطائفية سيشتد عودها ووقودها في وجهكم؟ وبكل الأحوال لن تقدروا على الحكم بعد اليوم....حمى الله لبنان ونبذ الفتن الطائفية والمذهبية وعمَّم سيادة القانون على كلِّ أبنائه...

                      د.رائد المصري/أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز