ثورة الوعي السلمية تنزع "الخطوط الحمراء" عن الساسة الفاسدين

لبنان

 في لبنان، تنمو وتزدهر، مع مرور الزمن، بشكل غريب، مدهش، لغة الشعارات المسبوكة سبكا مُحكَما، لتصبح، مع الإستعمال المزمن، قوالب تعبيرية جامدة، جاهزة للإطلاق تبعا للظرف والمناسبة، وجزءً مقبولا وحميما ومُهمّا من ثقافة المواطنين السياسية والإجتماعية، شعبا وساسة. إن "العبقرية" اللبنانية تتفتّق دائما عن إبتكار تعابير لا نجدها في قاموس أو ذاكرة جماعية لأي مجتمع بشري في العالم. من أكثر التعابير استعمالا في مجتمعنا اللبناني، وفي كل الأوقات، هو تعبير "الخط الأحمر". إن "الخط الأحمر" يَرسُمُ حدودا غير مسموح بتجاوزها تحت طائلة المسؤولية، أي المحاسبة والإقتصاص والإنتقام. هذه الحدود ليست الحدود التي يرسمها القانون المحميّ من دولة القانون والمؤسسات المسؤولة عن تطبيقه في الدول الديمقراطية الراقية والناضجة، من أجل تنظيم وتسهيل حياة المجتمع، ومنع الفوضى في التعامل اليومي بين أبناء هذا المجتمع. إنها، في لبنان، حدودٌ تُرسَمُ (بتفاهم صامت، ضمنيّ، بين الأفرقاء المتنافسين على السلطة) لحماية عنفوان وكبرياء وعروش ووجود السياسيين والزعماء ورؤساء الأحزاب والأديان والمذاهب والطوائف وحلفاء المال، ضدّ من يشنّ حملات التهجّم والتهديد والإهانة، أو حملات فضح الفاسدين منهم، وحتى ضدّ من يمارس، بمسؤولية واعية، حرية التعبير عن الرأي، وقول الحقيقة، والإنتقاد البنّاء. إننا نشهدُ، من وقت إلى آخر، إستدعاءات للمواطنين والإعلاميين للمثول أمام القضاء بتهمة التهكّم أو السخرية أو الإنتقاد بشكل يُعْتَبَرُ من قبل أركان ورموز الدولة والسلطة والطوائف، تجاوزا لهالة وحرمة "الأسلاك الشائكة" المُسَمَّاة ب"الخط الأحمر" المرسوم حولهم والحامي لهم.

 حين ينهمكُ الساسة في البحث، مثلا، عن إسم رئيس جمهورية لينتخبوه، أو في مشاورات لتسمية رئيس حكومة، أو في تأليف حكومة، يكثر على لسانهم ولسان الإعلاميين إستعمال مفردات وتعابير، هذه بعضها: المصلحة الوطنية "العليا"، تسوية، صفقة، كلمة السرّ، الضوء الأخضر، الخارج، السفارات، قطبة مخفيّة، سقف المطالب، حوار، تفاهم، جولات أفق، أحجام وأوزان وحيثيات شعبيّة، حصص وزارية سياديّة ووازنة وخدماتية، تعطيل الحكم، تأجيل القرارات، فراغ سياسي...

 هذا غيض من فيض من مفردات وتعابير اللغة السياسية التي يخترعها ويلوكها الساسة والإعلام والأتباع بحسب المناسبات. إنها لغة يكرّرون مفرداتها على مسامع الشعب، كجعجعة رحى الطاحونة التي تصرعُ الرؤوسَ، ولا أحد يرى طحينا أو يشمّ ويلمس ويتذوّق ويأكل خبزا.

 وأمّا الشعب، فهو ينقسم بين من يسمع ويتسلّى ويسخر ويضحك ويحزن ويغضّ النظر لأنه قاطع الإنتخابات، وبين ساكت ومؤيد لفرط تعلّقه بزعيمه وثقته العمياء بعبقريته، وبين من يغضب وينفر من كل الساسة ويلوم نفسه كيف انتخب أو أعاد انتخاب ممثلين فاشلين عنه، ويُنزِل عليهم (طبعا بصوت خافت)، سيلا من اللعنات والشتائم. والحياةُ تستمرُّ بشكل طبيعيّ (سيّء للشعب، وجيّد للساسة) كما تعوّد الساسة والشعب.

غير أنّ حالَ الشعب اللبنانيّ النفسية والإجتماعية والمادية تذهب، كل يوم، من سيّء إلى أسوأ، رغم كل التطمينات المخدِّرة التي يطلقها، من وقت إلى آخر، المسؤولون الغارقون وحدهم، على الدوام، في بحر "نيرفانا" المال وتألّق ذهب الأمجاد، والقوة والسلطة والعظمة والصحة والسعادة والحصانة و"الخط الأحمر"، والنسيان (نسيان الشعب ومشاكله)، وانعدام التخطيط المستقبلي لحياة الشعب اللبناني، باستثناء التخطيط (بوجود موازنة للدراسة والإقرار أو بدون وجود موازنة) لإفقاره وإذلاله وإضعاف جيشه ومقاومته، تسهيلا للإستسلام للعدوّ الصهيوني العنصري سارق أرض فلسطين وقاتل ومشرّد شعبها، والتنازل له عن المزيد من الثروات الطبيعية في البحر والبرّ، ثم تطبيع العلاقات معه، وغضّ النظر عن مشروع إقامة هذا العدو ل"دولة إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات على أنقاض شعوب المنطقة، وهو مشروع لم يتخلَّ عنه أبدا.

  الواقع المزري، المحزن، المآساوي للشعب اللبناني، يمكننا اختصاره بما يلي:

 -الإقتصاد المنهار، الهجرة، غلاء المعيشة، البطالة، الفقر، دين الدولة العام، خزينة الدولة الفارغة، المنهوبة من حماتها بالذات.

  -تسوّل الساسة (المذلّ لهم وللشعب) للمال من دول الغرب والشرق الغنية، "المانحة"، واسترضاء سفرائها وإعطائهم الحق في انتقاد وتوجيه سياسة الوطن بإسم "حرية الرأي"، لقاء التسليم المطلق بسيطرة هذه الدول على الشعب اللبناني، أو، إلى جانب التسوّل، الإستدانة (المشروطة بالإرتهان الدائم لسياسة المُدينين) لمبالغ مالية هائلة من مراكز المال في الغرب (الصندوق الدولي، سيدر)، وتراكم الفوائد والديون على الشعب دون أن يستفيد ولو بالشيء اليسير من هذا المال.

 -الفساد السياسي والإداري والمالي وهدر مال الشعب المستشري في الدولة، بشكل مستمرّ، مخيف، غير مسبوق، وغير الخاضع لأية مراقبة ومحاسبة.

 -المزيد من فرض الضرائب والرسوم، والتلاعب المعيب، الحرّ، المتزايد (غير المسموح به وغير الملاحَق قانونيا) بالعملة الوطنية، وتفقير وتجويع الشعب.

  -تزايد حالات الطلاق، وتفكّك العائلة، والتسوّل، وتراكم النفايات والتلوّث وتشويه البيئة والنتائج السيئة على المواطنين (عوارض القرف والإختناق وأمراض السرطان).

 -إنعدام التربية المدنية الوطنية وروح الرحمة والعدل، وإنحطاط الأخلاق، وإزدهار غير مسبوق في تهريب وصناعة وتعاطي المخدِّرات، ولجوء بعض الفقراء من كل الأعمار إلى مستوعبات النفايات للتفتيش عن شيء يؤكَل، وموت بعضهم على أبواب المستشفيات، وتفشي السرقات، والتعدّي الجنسي، والإنتحار، والصدامات العنيفة بين المواطنين في الأماكن العامة واستعمال السلاح، وتحدّي قوى الأمن والجيش وحتى الإعتداء عليها من قبل بعض شُذّاذ الآفاق، واستسهال كسر القوانين على أنواعها من قوانين سير (تكاثر حالات ضحايا حوادث السير)، وقوانين بناء واستملاكات بحرية وبرّية على يد الساسة وشركاء المال، إلخ...

  بإختصار، وببساطة، الإنسان في لبنان لا يحصل على حقوقه من الحكومات (المحاطة والمحميّة والمحصَّنَة دائما ب"الخط الأحمر")، المتعاقبة منذ "إتفاق الطائف" ("الخط الأحمر" الأكبر المُنزَل من السماء) حتى هذه اللحظة. لقد أثبتَتْ أنها حكومات "عمل" بالفعل، ولكن من أجل تصريف "أعمال" أركان الحكم وشركاء المال والدين والسياسة في الداخل والخارج، وعرقلة أعمال الشعب وإفقاره وتجويعه وإذلاله وإتعاسه وقتله ببطء. هذه الحقوق تنصّ عليها "شرعة حقوق الإنسان"، التي، كما، يبدو، قد فقدت بريقها ومعناها ورهبتها واحترامها في العالم، ولا يعرف عنها شيئا ساسة لبنان وحلفاؤهم من تجار وأثرياء وأصحاب مصارف، أو لا يهمّهم أبدا أمرُ معرفتها وأمرُ تطبيقها بحذافيرها. إنهم خبراء، فقط، بتطبيق شريعة الغاب في تعاملهم مع الشعب، خاصة خلال بذلهم "الجهود الجبارة" خلال أشهر وأشهر لدراسة ونقاش الموازنة، وادّعائهم أن ما توصّلوا إلى إنجازه هو أفضل الممكن، وأنه مقدّمة لا بأس بها للموازنة القادمة، وكانت نتيجة جهودهم هذه زيادة الضرائب والرسوم الثقيلة على الشعب الفقير وحده، وارتفاع غلاء المعيشة، وتفاقم البطالة والهجرة...

  إنّ الشعب المحافظ على وعيه والذي لم تعمِ قلبَه وعقلَه عبادةُ صنم الزعيم المذهَّب، البَرّاق، وما ومن وكم يُمثِّل، قد فقد كلّيا ثقته بنوابه وكل مُشتقاتهم من حَمَلَة الألقاب الفخمة ومحتكري عروش الحكم وتيجانه وصولجاناته، مهما أجادوا بممارسة فنون الكلام البليغ والتطمينات الكاذبة والتفسيرات والتبريرات المنطقية بالنسبة لهم وحدهم فقط، لا بالنسبة للشعب المجروح والمقهور والنازف دمه، قبل وخلال وبعد إقرار كلّ موازنة.

  إنّ الساسة الذين دعوا الشعب مرارا (وبروح تواضع وخشوع ولطف وبراءة أين منها روح الملائكة) إلى التضحية بماله وتعبه وصحته، والتقشف في عيشه، لتتميم الموازنة وملء الخزينة المنهوبة منهم، واستحقاق ثقة الجهة المموِّلة في الخارج (كلمة السرّ والسِّحر والحُبّ والعطاء والجمال والسعادة عند الساسة، هي، اليوم، "سيدر"، و"الصندوق الدولي")، لم يرَ ولم يسمع الشعب الواعي، غير المخدّر بحبهم الكاذب، وغير المأخوذ ب"خطوطهم الحمراء" وغير الخائف من وهجها ومن وخز أسلاكها الشائكة، أجل، لم يسمع الشعب الواعي أحداً من هؤلاء الساسة يدعو كل النواب والوزراء والرؤساء والسفراء والمدراء العامين إلى التضحية برواتبهم (منهم من يتقاضى أكثر من راتب واحد) ومُخصّصاتهم وتعويضاتهم الأسطورية، وإلى التقشف في عيشتهم ووقف حياة البذخ والترف والبطر والسفر، وإلى التخلّي عن إعفاءاتهم الضريبية، وإلى دفع ما يتوجّب عليهم، وتخفيف الضرائب والرسوم عن كاهل الشعب الفقير، وإلى البدء فورا بوقف استغلال مال الشعب وهدره وسرقته بدم بارد ووقاحة نادرة (توظيفات عشوائية للأزلام في الدولة التي نهبوها وأفلسوها، وسفرات ومواكبات، وإيجارات عبثية خيالية، ومشاريع وجمعيات وهمية (وغير وهمية لا لزوم لها)، وصفقات وعمولات واستثمارات، وشركات خليوي و"أوجيرو" و"ليبان بوست" وكهرباء ونفط وغاز وسدود مياه ومرفأ ومطار وجمارك ومصارف، إلخ... وكلها كلمات أصبحت تفوح منها روائح الفساد النتنة)، وإلى رفع يدهم عن القضاء والمباشرة بمحاكمة من تحوم حولهم شبهات السرقة والفساد والإثراء السريع وغير المشروع (وهم معروفون)، بدءً بمن أُثبِتَتْ عليهم التهمة ولجأوا بسرعة البرق إلى حماية رئيس طائفتهم، وإلى حماية الخارج الداعم والوصيّ السياسي والمالي، وأصبحوا، بكل بساطة ووقاحة وسحر ساحر ومشيئة إلهية، "خطًّا أحمر"، الويل لمن يتخطاه، ممّا أخرس أشدّ المتحمّسين من أجل محاربة ومحاسبة الفاسدين، والذين خاضوا الإنتخابات النيابية الأخيرة على هذا الأساس، ونجحوا بنيل ثقة الشعب المصدّق المخدوع، وقد اتضح، فيما بعد، بأنهم قد اكتفوا بتسجيل مواقف بطولية وإطلاق شعارات رنّانة، جذابة، فارغة، وحسب.

 ثمّ، بعد المحاكمة التي وعد بها هؤلاء الساسة المتحمّسون لمحاربة شبح الفساد (لا الفاسدين)، يأتي دور استرداد المال المسروق، وهم لم يبدأوا بعد بمحاكمة أحد، ولن يبدأوا أبدا، على ما يبدو، تجنبا لفضح بعضهم البعض (لا وجود لملائكة في الحكم وهم يعرفون جيدا أنفسهم وبعضهم البعض)، لا بل إنهم قد توقفوا، كليا، بعد هيجانهم البركاني لمحاربة الفساد، حتى عن لفظ كلمة "فساد" و"فاسدين" و"محاسبة" و"مال مسروق". كل شيء في الدولة قد تحوّل، فجأة، إلى عمل جادّ ودؤوب ومضنٍ وعابس في تحسين الوضع الإقتصادي (الذي يزداد سوءً يوما بعد يوم)، وحبس أنفاس الشعب وتسريع نبضات قلبه، وإلى العمل من جديد لخلق "خطّ أحمر" دائري  حول الدولة ومشاريعها ورموزها، خطّ ممنوع تخطّيه، حفاظا على "هيبة" ووحدة الحكم، و..."ماء الوجه". والساسة يعرفون جيدا أن ذاكرة الشعب المعذّب قصيرة، وسرعان ما ينسى الظلم والظالمين، وواقعَه التعيس، المأساوي، ويعود إلى حياته الطبيعية (غير الطبيعية)، مُطأطأ الرأس، مكسور الخاطر، والويل ثم الويل من إنتقام الدولة لمن يذكِّر الشعب بظالميه ويدعوه حتى إلى ثورة الوعي السلمية في الشارع، وصولا إلى العصيان المدني ورفض دفع الضرائب.

وعود بوعود، كالمعتاد؟ وكلام بكلام؟ وجعجعة بلا طحين؟ وأصناج ترنّ؟

  وحده، الشعب الواعي، الحزين، يسأل. ويجيب ب"نعم" مستسلمة لأمر واقع مرير.

  إن شهية الكلام (البليغ والهشّ والفارغ والكاذب) شهية قوية جدا، ودائمة، في معظم ساسة لبنان وإعلامييهم وأتباعهم وحلفاء المال. إنها، في مطلق الأحوال، شهيّة لا تبني ولا تحمي وطنا، بل تهدّمه. فكيف إذا كان هذا الوطن عرضة دائمة لشهية الدول المتوحّشة وإرهابيّيها، الطامعة بابتلاعه ومحوه عن الخارطة، والساسة وعابدوهم لا يدرون؟

 أما شهيّتُهُم على العمل، معا، من أجل توحيد الشعب وتقوية قوى الأمن والجيش وتكريمها وزيادة أجورها (كما فعلوا لأنفسهم من قبل)، وإنجاز المشاريع الحيوية والعمرانية لخير الشعب وازدهاره، فهي شهيّة ضعيفة جدا، لا بل ميتة. وهم، مع شهية الكلام، يملكون شهية الأكل والشرب والملذات على أنواعها، وشهية امتلاك المال والمصارف والعقارات والإستثمارات والقصور والقلاع والسيارات واليخوت والطائرات والسفر والأزلام والسلاح، وشهية الجلوس على عروش العظمة، وشهية أن يعترف بهذه العظمة سائر "عظماء" العالم والوطن، عظماء السياسة والمال والدين، والأتباع والمناوئين على حدّ سواء، وأن يهابوها. والشهية العظيمة، السرّية، الباطنيّة، غير المعلَنَة، التي يملكونها وتتملّكهم كلّياً، إنما هي شهية حماية بعضهم البعض، واحترامهم المتبادَل لخطوطهم الحمراء، مهما بالغوا في تمثيل أدوار الأخصام على مسرح الكذب والدجل والتهريج والأقنعة، أمام تصفيق الجماهير الغبيّة المخدوعة.

 كل زعيم "عظيم" هو، بنظره ونظر أتباعه، "خط أحمر" يقف عنده كلّ متطاول وقح. وبهذا المعنى، حتى الإنتقاد الموضوعيّ، المُحِق، لآلهة العظمة والمال، يُعتَبَرُ تطاولا وقحا وتجنّيا وتحدّيا، ويستحقّ العقاب، على يد الزعيم وأتباعه المسلحين، أو على يد الدولة (أي أدواتها وحماتها ضدّ الشعب الثائر، من قوى أمن وجيش) المملوكة من زعماء الطوائف المتناوبين على الحكم، أو من خلال قضائها المُسَيَّس والخاضع لأهواء ومصالح أركانها. وتمتدّ "الخطوط الحمراء" الشائكة من "عظمة" شخص الزعيم في لبنان إلى "عظمة" المراكز والعروش (أو الدويلات) الحكومية والمالية والحزبية والطائفية والمذهبية والعائلية، وسائر الحاشية والأتباع مِمّن يّسَمَّوْنَ ب"فاعليات البلد".

 ثمّة مركز واحد فقط، في لبنان، لا عرش له، ولا تاج ولا صولجان، تنطبق عليه "شريعة" الخطّ الأحمر السائدة. إنه الشعب اللبناني الفقير، بأطفاله وشبابه وشيبه. معظم الساسة يتطاولون عليه ويستهينون به، ويحتقرونه، ويخدعونه بالكلام المعسول والوعود الوردية، ولا يفعلون أي شيء لتحسين حياته وحمايته من البطالة والفقر والجوع وثقل الضرائب وغلاء المعيشة، والمرض والإنتحار والإنقسام واليأس، والموت البطيء قهرا، والهجرة. إن هذا المركز غير المُسَيّج وغير المحميّ بهالة "الخط الأحمر" الشائك، هو مصدر كل سلطات الحكم السياسي والعسكري، والقضاء والأحزاب والطوائف، وهو الذي قيل عنه قديما بأن صوته من صوت الله. أجل، إنه الشعب اللبناني عينه الذي يستميت في سبيل الدفاع عن "الخطوط الحمراء" المحيطة بزعماء طوائفه، مروّضيه ومدجّنيه ومضطهديه وجلاديه وبنّائي عظمتهم وثرواتهم على حسابه، ولكن بملء إرادته واختياره، وهو من يسهّل لهم تطبيق شريعة الغاب عليه. إننا لا ولم ولن نسمع أحدا، لا من الساسة ولا من أبناء الشعب، يعلن بصوت عال: "الشعب خطٌّ أحمر". المفهوم والمعروف أن "هيبة" الدولة مهما كانت ظالمة، هي، دائما، أهم من "هيبة" وكرامة وازدهار وسعادة الشعب.

  في هذه الأجواء المأساوية، المحزنة، المبكية، تجد نفسها دولة القانون والمؤسسات الحقيقية وحيدة، يتيمة، مستوحشة، وموجودة فقط في قلب وذهن محبّي الحق وفاعلي السلامة وأنقياء القلوب والصادقين والأتقياء والودعاء.

 تبقى القلّة القليلة التي تريد وتقرّر أن تعترض وتنتفض وتثور وتتخطى كل "الخطوط الحمراء" الباهرة، الخادعة، المصطنعة، الوهمية. إن هذه القلّة تحاول، عبثا، أن تقنع أبناء الطوائف المُروَّضين، الخائفين من التحرّر من سطوة وعبادة صنم الزعيم والعائلة والطائفة، ومن قطع صرّة الوفاء والولاء المريضَيْن، المُذِلَّيْن، لتلك الأصنام الكثيرة في معابد لبنان، بأن ينضمّوا إليها، هم والأكثرية الصامتة المصابة بشعور الوحشة والقرف والإحباط، التي لم تشارك في الإنتخابات النيابية، أو التي قدّمت أوراقا بيضاء، في صرخة واحدة ضدّ الظلم المتمادي للساسة واستغبائهم للشعب، وفي وقفة عزّ واحدة تجمعهم في تظاهرات الشارع، أو في الإضراب العام، حتى العصيان المدني ورفض دفع الضرائب. إن هذه القلة القليلة المعترضة تتلقى، وحدها (مع أبناء الجيش والقوى الأمنية الذين يعتبرهم اللبنانيون بكل محبة واحترام "خطا أحمر"، وقد كانوا ضحية لسياسة مالية قضمت رواتبهم وضمانات تقاعدهم)، وأكثرية الشعب تتفرّج ببرودة أعصاب، أجل، إنها، أي الأكثرية الصامتة، تتلقى ضربات عصا الحكم (والحكم "خطّ أحمر") الذي يسعى دائما، وينجح في مسعاه، بأن يُفشِّلَ ويجهض أيّ تحرّك شعبيّ ولو كان سلميا، بسياسة الباطنية والكيدية والوعود الكاذبة، واستفراد وتفريق وإغراء أو تهديد بعض المعترضين وإسكاتهم، وباللجوء إلى استعمال العنف بواسطة القوى الأمنية والجيش، لحماية "الخطوط الحمراء" حول "هيبة الدولة".

  إن النتيجة، في كل الأحوال، واحدة:

  -لا الشعب يحصل على حقوقه، مهما وكيفما وأنّى اعترض، ولا الساسة الفاسدون، المتكبرون (الطامعون بتأييد ودعم وحماية أبناء ورؤساء طوائفهم وحلفاء المال وبعض حكومات الخارج القوية، الثرية، المتسلّطة، وجميعهم "خطوط حمراء") يعملون من أجل إعطائه حقوقه. حتى إنهم لا يسمحون أبدا لساسة آخرين قلائل (مستقلين أو ينتمون إلى تيار سياسي مُعيّن) بأن يحكموا الشعب، في فترات إستثنائية  نادرة، بروح الصدق والنزاهة والتجرّد والعدل، ويعملوا من أجل خيره وسعادته، وأن ينجحوا في مهمّتهم حيث هم، أي سياسيو الأمر الواقع الفاسدون، المتكبِّرون، الأبديون، فشلوا. إنهم يعطّلون، دون أن يرفّ لهم جفن أو يندى لهم جبين، عمل أية حكومة مؤلَّفة من وزراء إختصاصيين في شتى المجالات (إلا في مجال الخبث والدهاء والكذب والخداع والكيدية والكبرياء والغرور والسرقة)، لا يخضع رئيسها ووزراؤه لوصايتهم وأوامرهم وتهديداتهم وعقوباتهم هم وحكومات الوصاية الخارجية من خلال سفاراتها المستقوية، ويبذلون قصارى جهدهم للتقصير من عمرها وإجهاض جهودها الصادقة والحثيثة من أجل خدمة الشعب وإصلاح أوضاع صعبة، شبه عصية على الحلّ، متراكمة وضاغطة بثقلها على كاهل الشعب اللبناني خلال عقود رديئة جدا من أزمنة الحكم السيّء: محاربة الفساد والأوبئة والتلوّث والفقر وغلاء المعيشة والبطالة، ووقف التلاعب بالعملة الوطنية خدمة لآلهة الدولار، وعقد النية السليمة مع التصميم الصلب على كسر الطوق الخانق المفروض على لبنان من خالقي وداعمي وحماة الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين، لمنعه حتى من التفكير بإمكانية التعامل مع دول عربية مجاورة كسوريا والعراق ومع دول شرقية كالصين وإيران وروسيا (دون فرض شروط مذلة ودوس كرامة الشعب وسرقته مع الساسة الفاسدين)، بغية حلّ مشاكله وسدّ حاجاته العمرانية والإقتصادية بأسرع وقت ممكن وبأقل كلفة ممكنة ودون تعقيدات (مياه، أنفاق، طرقات، خطوط حديدية، كهرباء، إستخراج نفط وغاز، تجارة، صناعة، إلخ...).

 -الشعب في حالة صامتة، دائمة، من الحزن والقرف والقلق والقهر والغضب. والساسة، بالمقابل، في حالة دائمة من هدوء الأعصاب والبال، ومن الأمان، وراحة الضمير، والرضى على الذات، والسعادة الدنيوية الأبدية لهم ولعيالهم. إنهم محاطون ومحصَّنون ومحمِيّون، على الدوام، بهالة فاقعة، باهرة من "الخطوط الحمراء".

 أجل، إنها دائرة مفرَغة تبدو أبدية، يدور فيها الشعب اللبناني حتى الدّوَخان والوجع، وهي جحيم له، ويدور فيها الساسة حتى السكر والإنتشاء والعربدة والبطر، دون أن يشعروا بأي دُوار أو إنزعاج أو قلق أو خوف، لأنها نعيم لهم.

  كيف السبيل إلى خلاص الشعب من دوامته الجهنمية الدائمة هذه، وكلمة "خلاص" تبدو للعطشان اليائس سرابا جميلا في صحراء قاحلة، أو حلما مفرحا من أحلام اليقظة؟

 إنْ سألنا أنفسنا هذا السؤال، يمكننا، نظريا، أن نجيب عليه بسهولة:

-لا خلاص إلا بالتربية والوعي. هذا شيء معلوم من الجميع، وسهل قوله وترداده.

--ثمة شيءٌ آخر معلوم، وهو أن محاولة تربية شخص واحد (منذ الصغر حتى عمر الشباب) عملية صعبة جدا، فكيف بتربية الآلاف أو الملايين؟

--كم من المُربّين والمفكرين والروحانيّين والمصلحين الإجتماعيين قد مرّوا على البشرية منذ زمن بعيد، وقد اقتصر تأثيرهم، فقط، على أناس قليلين؟

- -ثمّ إن البشر يتكاثرون بسرعة فائقة، ومع هذا التكاثر، تصعب، أكثر فأكثر، عملية التربية والتوعية البطيئة جدا. كل إنسان، حين يولد، هو مشروع جديد وإمكانية وجود ونموّ لبناء الشخصية والعقل والأخلاق، بالتربية. لا يرث الإنسان الكمال حتى ولو ولد من أبوَين كاملَين، وهذا من باب تحصيل حاصل. ولنتذكر، هنا، أمرا في طبع معظم الناس بالوراثة ومنذ الولادة، وهو عناد الإنسان وأنانيته وكبرياؤه وغرائزه، ورفضه الطبيعيّ للإصغاء إلى صوت العقل والحكمة، صوت المربّين من أهل ومعلمين، وإلى تغيير نفسه نحو الأفضل بالتربية الذاتية الواعية وقوة الإرادة.

  لذلك، يدفعنا هذا الأمر الواقع أن نكون واقعيين في مثاليتنا، وأن نقتنع بأنّ عملية تربية الفرد والمجتمع عملية صعبة جدا، تتطلب وقتا وجهدا كبيرَيْن وتضحية دائمة بالذات من قبل المربّين، ولا يمكن لأحد أن يتوقّع حصولَها بسرعة البرق. إنها حكمة الخالق في خلقه. إنها حكمة عظيمة نجهلها، وتفوق إدراكنا البشري المحدود جدا. إننا لا نستفيد شيئا من مناقشتها أو رفضها. نقبلها ونسلِّم بها، بكل تواضع، ونحاول أن نفهمها، قدر الإمكان، ونعمل، بما أوتينا من قوة ومثابرة وحكمة، للتكيّف معها، ومتابعة المسيرة على درب الكمال الوعر، الضيّق.

  إذاً، في هذا الجوّ الصعب في لبنان (وفي العالم أجمع)، يمكن لكل إنسان محظوظ أو موهوب، قد نجح باكتساب وتحقيق درجة معينة من الوعي ومعرفة الذات والمحبة، أن يساهم مساهمة متواضعة، فعّالة، في البيت والمدرسة والجامعة وأماكن العمل والإعلام، في سبيل خلق الوعي (وعي الحقوق والواجبات والجرأة على المطالبة بها بإلحاح) في نفوس أهله وأقاربه وأصدقائه وشركائه في الوطن، وفي سبيل مساعدتهم على تخطي عقدة الجهل والتبعية والخوف من "الخطوط الحمراء"، والتحرّر من قيود سجن الساسة (الرافضين رفضا باتا لتغيير أنفسهم وسلوكهم، والرافضين وغير المحبذين وغير المشجّعين لتوعية أتباعهم كي لا يخسروا ولاءهم الأعمى لهم)، من أجل بناء حياة حرّة، كريمة، ومستقبل أفضل لجميع أبناء الوطن.

  إنها عملية وعي وتحرّر طويلة الأمد، تبدأ، إذاً، كما هو معلوم، بالتربية الأخلاقية والوطنية والفكرية الجيدة في البيت والمدرسة والجامعة، وتكمل طريقها في المجتمع بالإختيار الحرّ والواعي لأبناء الشعب، في صندوق الإقتراع، لممثليهم في الحكم، تواكبها عملية مراقبة دقيقة ودائمة لأدائهم في مجال خدمة مصالح الشعب، وعملية مكافأتهم أو محاسبتهم في الإقتراع القادم، كل أربع سنوات، بانتخابهم من جديد إن كانوا صالحين وأوفياء وفعّالين ومنتجين، أو بانتخاب مرشحين آخرين أفضل، إن كانوا غير أهل لتجديد الثقة بهم.

 إنها مسألة وقت. ومهما استعجلنا الأمر، ستبقى كذلك. الصدام، في تظاهرات الشارع السلمية مهما طالت، مع أدوات حماية الحكم المتجبّر، الظالم، لإجباره على تغيير سياسته الخاطئة تجاه الشعب (كما هي الحال في الدول الديمقراطية المتطورة)، لا يجدي نفعا في لبنان، حيث الديمقراطية زائفة، تلبس قناعا جميلا على وجهها، يخبىء واقعا بشعا مُشبَعا بروح الكبرياء والتسلّط، ومحاطا بهالة "الخط الأحمر" لإرهاب وإذلال الشعب الذي ينتخب حكامه ويدفع أجورهم من ماله ليخدموه فيستعبدوه ويضطهدوه ويخونوه (الخيانة العظمى التي تتكرر وتبقى دون عقاب) مع حكومات الخارج الغنية والقوية، وحيث زعماء الطوائف يفتعلون دائما الإنقسام والتناحر والخلاف (بإسم طوائف الشعب اللبناني وتحصيل حقوقها) على مصالحهم الخاصة وحصصهم في الحكم، وحيث ميزان العدل مفقود، والقضاء غير مستقل وخاضع لمشيئة ومصالح وأهواء الساسة، وحيث الصفقات والتسويات السياسية-التجارية-المالية مزدهرة على الدوام، وحيث لا حسيب ولا رقيب ولا حياء ولا حياة لمن تنادي ولا من يحزنون.

إن ممارستنا للديمقراطية ما زالت متخلّفة جدا. إنها ليست ديمقراطية الأكثرية الواعية التي يفوق عددها، في الواقع، عدد المنتخبين، وتشكل أكثر من نصف الشعب اللبناني. إنها ديمقراطية أمزجة وأطماع ومصالح وكبرياء وتسلّط زعماء الطوائف، عبدة المال والقوة، وديمقراطية عابديهم من الأتباع. إنها، في الحقيقة، عدّة ديمقراطيات بعدّة رؤوس، تمارِسُ فيما بينها، في الحكم وخارجه، سياسة التحدّي، والكيدية، والباطنية، والإبتزاز، والتقلّب في نسج الأحلاف الثنائية والثلاثية والرباعية (لا الأحلاف الوطنية الصرف) بحسب مصلحتها الشخصية ومصلحة دول الوصاية المالية والسياسية، لا، كما يدّعي الساسة، بحسب مصلحة الوطن "العليا"، وتمارس رسم "الخطوط الحمراء" حول أنفسها فقط، خطوط تتحدّى الإنمحاء ولا يبوخ بريق لونها مع مرور الزمن، غير أنها لا ترسمُ أبدا "الخطوط الحمراء" حول الوطن الواحد، أي الشعب الواحد، لحمايته من شرور الأعداء.

  ولكنْ، رغم كل شيء، لا بدّ للشعب (والأخطار الأمنية والصحية والمالية تهدّد الوطن بأسره من كل جانب) أن يوحِّدَ صفوفَه (هل يوحِّدُها؟) قدر المستطاع، ودون أي تباطؤ، وأن يتابع، بصبر عجيب، و دون يأس وحقد وغضب، عملية إزالة "الخطوط الحمراء" (التي رسمها له ساسته وزعماء طوائفه وأسيادهم ومموّلوهم في الخارج، ورسمها هو نفسه لنفسه جرّاء اختياره السيّء لممثليه في الحكم)، بالتعبير الدائم عن رأيه بصدق وجرأة في الإعلام وفي الشارع، وأن يتابع توعية شركاء الوطن على حقوقهم وواجباتهم، وحثّهم على الوحدة وعلى الإنضمام إلى صرخة الإعتراض السلميّ المتجددة في الإعلام وفي الشارع، وإلى المشاركة في الإضراب العام، وفي العصيان، إذا دعت الحاجة، ورفض دفع الضرائب الظالمة، لعلّ الحكّام المتكبرين يسمعون ويتنبّهون ويعون، ويبادرون إلى الإستجابة السريعة لمطالب الشعب المحقّة، ولعلّ المجلس النيابي (وكل مشتقاته من أصحاب الألقاب العظيمة والحصانة)، في كل جولة جديدة للإنتخابات النيابية ومن خلال قانون من إختيار نخب الشعب لا الساسة، في حال لم يؤتِ الصراخ في الإعلام وفي الشارع بثماره المرجوّة، أجل، لعلّ هذا المجلس يتنقّى، ساعتئذ، من أدرانه، ويزدان الحكم، شيئا فشيئا، بنخب جديدة جيدة، من ممثلي الشعب اللبناني الواعي، تغلب، بعددها وعدّتها الكاملة من الفكر الرؤيويّ النيّر (المتحرّر من شهوة المال وسطوة الخارج)، والأخلاق الحميدة والصدق والتواضع، الفريق الأنانيّ، المتكبّر، المحبّ للمال والسلطة، والخاضع لسطوة الخارج، والرافض لخدمة الشعب، وتنزع عنه هالة "الخطوط الحمراء" المزيّفة وتعيدها للشعب وجيشه وقواه الأمنية والقضاء، وتعمل هذه النخب الجيدة، معا، كقفير النحل العامل الخالي من الفراش اللعوب والدود والذباب السامّ الطنّان، في سبيل تحقيق وحدة الشعب اللبناني المحبّ والمسالم والمقاوم، وحدة طالما أرادها، عبثا، وتحرّق اشتياقا إليها، وفي سبيل تحقيق تقدمه وارتقائه وحريته وازدهاره وكرامته وعزّته وقوته ومناعته وسعادته.

 إن رهانَ إزالة "الخطوط الحمراء" الشائكة، المُذلّة للشعب اللبناني وحده، رهانٌ عظيم. على الشعب اللبناني بكل نخبه الجيّدة أن يجرؤ على اتخاذه. إنه رهان لا ينبغي أن يخيف المؤمن بإله القوة والحكمة والخير والمحبة والحق والعدل والجمال. إنه رهان، مهما طال الزمن، رابح ومنتصر، في نهاية مطاف الجهاد الروحي والفكري المقدّس.

               فهل من يجرؤ؟

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت