بسام أبو شريف: بعدما اقتلعت "إسرائيل" عيناي.. ها أنا أقرأ

بسام أبو شريف

حاولت اسرائيل قتلي

‎ فدمرت حواسي واقتلعت عيني ودمرت

‎ سمعي لكنها فشلت في اصابة ارادتي

‎ سأقاوم وأقاوم

‎ حتى تمل الجراح من جراحي

سألني الطبيب : كيف حالك ؟

فقلت : بخير ، والحمدلله

كان الطبيب شابا يدرس في الجامعة عندما تعرفت عليه كأحد أعضاء التنظيم الذي كنت أتحمل مسؤولية تنميته وتطويره الى جانب تنظيمات اخرى لجبهتنا في أكثر من بلد من بلدان العالم

سألته : جئتك لأفحص عيني فحصا روتينيا ، وقد مضت أشهر على آخر مرة خضعت فيها لفحص عيني ، وأنا لاأملك الا بعضا من عيني اليسرى ، فقد اقتلع العدو عيني اليمنى وكاد أن يجهز على اليسرى لولا مقاومتي الغريزية كان ذلك في 25/ 7/1972 ، بعد 17 يوما من اغتيال توأم روحي غسان كنفاني .

فقد انفجر كتاب " غيفارا " ، بين يدي عندما حاولت أن أقرأ صفحة محتويات الكتاب ، فقدت السمع والرؤية وأصابع يدي ، وحفرت المتفجرة حفرتين احداهما عند الرقبة ، والثانية في أسفل البطن ، وانتشرت الشظايا في كل أنحاء جسدي ، وحملت على كفي التي تعلقت وتمسكت بها أصابع قطعت الا من جلد تبقى ممسكا بالكف عيني التي فجروها من جذورها ظانا أنه قد يكون بالامكان اعادتها الى مكانها دون أن أرى أنها هشمت ، وسال شلال الدماء من كل مكان وبشكل خاص من عنقي الذي حفرته تلك المتفجرة ، وكدت أن أختنق بدمي حين ألقي بجثتي في غرفة طوارئ مستشفى المقاصد ببيروت على طاولة العمليات .

وبما أن سرد القصة يطول أعود للطبيب ، فحص الطبيب عيني بجهازه العادي ، ثم طلب مني الانتقال الى جهاز آخر ، ثم استخدم قطرة لتوسيع الحدقة وفحص ... ثم فحص ، ثم توقف وجر مقعده للوراء نظر الي ، وقال : تمام .

نظرت اليه مستفسرا .

قال لي : لا أعرف كيف ترى ، ولا أعرف كيف تقرأ ، لكنك ترى وتقرأ ، وهذا تمام استمر على ما أنت عليه ، ولايوجد لدي أي تفسير ، فكل شيء يشير الى أنك لا ترى ولا تقرأ .

خرجنا من العيادة ، وقال لي يصوت يكاد ينهمر دمعا ...ماذا ترى ؟ وكيف ؟ أريد أن أعرف .

قلت له : أرى ماتراه على ثلاث مراحل .

اهتم جدا ، وطلب مني الجلوس في صالون العيادة ، قلت له : أنا لست طبيبا لكن دعني أصف لك مايجري عندما أنظر ... المشهد الذي تراه أنت دفعة واحدة وموحدا أشاهده أنا مقسما الى ثلاثة أجزاء بينهما فراغ ، وان أردت أن أرى المشهد كاملا علي أن أربط الأجزاء الثلاثة مزيلا الفواصل الخالية !!

وهنا استخدم دماغي ...عقلي في ربط المشاهد الثلاثة لتحويلها الى مشهد واحد متكامل وتأقلمت بقايا عيني على اتقان هذه العملية ، فصرت أشاهد المشهد بوصل أجزائه الثلاثة موحدا ، لكن هذا لم يمكنني من القراءة ، فقد احتاج بعض الخلايا التي نجت من الانفجار الى وقت لتصبح متينة لتحمل نقل وجهد قراءة الجزء ، وأخضعت نفسي وعيني لتمارين أشهر قبل أن أتوجه للطبيب مرة اخرى طالبا منه فحص عيني وقدرتها على القراءة ، وجن جنون الطبيب " رحمه الله رمضان لاوند من بيروت " ، وقال لي : ما أشاهده هو مستحيل .

وطلب مشورة أطباء آخرين ، وأهمهم الدكتور حسني المجذوب ، وقررا أنه لاداعي لتفسير ما جرى ويجري ، وأن يقوما بوصف " نظارة طبية خاصة للقراءة " ، حتى أتمكن من قراءة حرف الصحيفة ، وتم ذلك في بداية العام 1973 ، ومنذ تلك اللحظة وأنا أرمي على بقايا عيني أثقالا لاقبل لمن يملكون عينين كاملتين صحيحتين على تحمله .

نظر الي الطبيب ، وقال : أكمل كما أنت ... لاتفسير لدي .

واستمر نضالي في ميادين تعتمد كليا على القراءة والكتابة ، فقد كنت رئيس تحرير مجلة الهدف منذ العام 1973 ، حتى العام 1987 ، ومسؤولا عن الاعلام وهذا يعني ضرورة الاطلاع والقراءة لكل ما يصدر عن اسرائيل والغرب والعرب ، ويضاف لهذا مقالاتي التي نشرتها في كبريات الصحف بنيويورك تايمز ، وواشنطن بوست ، وصنداي تايمز ، ولوموند وغيرها ، ومقالاتي التي نشرت في صحف عربية " الشرق الأوسط والقدس وغيرها " اضافة الى كتبي ، ومنها كتابي عن أيلول " أوراق أيلول " ، وكتابي بالانجليزية ( Tried by Fire) ، ونشر في اميركا تحت عنوان (( The Best Of enemies ، وكتاب نشر في نيويورك Arafat and The dream Of Palestine ، وكتابي Beirut, my heaven my hell ، وكتبي بالعربية : ( ياسر عرفات ، وجورج حبش ، ووديع حداد ، وغسان كنفاني وكتابي بيروت مدينتي وعشرة أيام هزت العالم ونتنياهو الصعود والهبوط ) .

لاشك أن التحدي ، والارادة يلعبان دورا كبيرا في التأثير على الجسد والحواس والجهاز العصبي ، فالمقاومة ومواجهة العدو تبقي المناضلين بحالة استنفار مستمر، وتشد من عصبهم وتجعل حواسهم مرهفة .

لقد دمرت اسرائيل حواسي : الشم والذوق والنظر والسمع ، لكن الله عز وجل يحول قوة ما فقده الانسان الى موقع آخر من الجسد للحفاظ على التوازن الانساني ، وكان من حسن حظي أن قوة ما فقدت طوال شبابي وحياتي من حواس تحولت الى زيادة ارادتي وتصميمي على الكفاح لانتزاع حرية واستقلال شعبي وبلدي ، واعادتهما للأمة العربية .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز