عبد العزيز بدر القطان: الاقتصاد رؤى وخطط.. والتطبيق فعل لا أقوال

عبد العزيز بدر بن حمد القطان

إن الأوضاع التي تعاني منها الأمة العربية والإسلامية اليوم، أصبحت الشغل الشاغل في الشارع العربي والإسلامي، وأصبح المزاج الشعبي بسببها في أسوأ حالاته، في ظل غياب مخططات تنفيذية تزيح العقبات المتراكمة على مدى عقود، فما كانت لتؤثر أي عقوبات غربية على أي بلد لو كان الأساس متين.

أوابد حاضرة

من المعروف أن كل مدينة نشأت عبر التاريخ، احتاجت إلى تخطيط وأدوات، وقبل كل ذلك احتاجت إلى عقل مدبّر، هندس هذه المدينة وجمع العمال وكل الفريق المختص لبنائها، وهو ما يعرف في عصرنا الحديث باختصاص "تخطيط المدن"، هذا مثال بسيط ومدخل للبدء بتفنيد المشكلات الاقتصادية، إذا ما تم ربطها بغنى البلاد العربية بكل شيء، لكنها ومع الأسف تفتقر إلى الإنسان، فإن استطاعت الأجيال الماضية الوصول إلى الازدهار، رغم وجود عشرات الإمبراطوريات التي غزت العالم، فمن ينسى الفتوحات العربية التي وصلت على أوروبا، ومن ينسى الآثار الشاخصة في الأندلس وغيرها، وفي تدمر السورية وبعلبك اللبنانية والبتراء الأردنية والأهرامات والكثير الكثير، فكيف استطاع ذاك الإنسان بناء قوة كبيرة، واليوم رغم كل التطور الذي نعيشه، نراه يفتقر إلى الإدارة والتخطيط!

سنقول، إن الاستعمار والاحتلال والمخططات الصهيو – أمريكية كان لها اليد الطولى في تراجع الأمة جمعاء، هذا صحيح، لكن مرت سنوات رخاء على هذه الأمة، ورغم أنهم على يقين بأنهم مجاورين لعدو لا يعرف الرحمة، إلا أن أحداً لم يحرك ساكن، هل ننتظر أن تأتينا النقود من المعونات التي تجعل من الغرب متغلغل فينا أكثر، هذه هي الحقيقة، فلقد جاءت الأديان السماوية ليس فقط للعبادات بل نظمت الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وأخص منها الدين الإسلامي، الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ونظمها وجعلها بمتناول الجميع، فلماذا عند أول ضائقة وقعنا، ونحن القادرون على النهوض كما نهض أجدادنا، فكم من بلد بدأ معوزاً وفقيراً، وأصبح اليوم يضاهي أكبر البلاد حول العالم!

المسؤولية "أمانة"

إن كل واحد منا شخص مسؤول، وكل مسؤول قرر تولي شؤوننا، أصبح لزاماً عليه أن يضع الحلول ويبدأ التنفيذ، لكن دون ذلك يبقى كلاماً لا يقدم ولا يؤخر، فماذا تحتاج معامل اليوم في ظروفنا الحالية، سقف وجدران والبدء بآلات بسيطة، للاكتفاء الذاتي ولا أقول للتصدير، على الرغم من أن الواجب كان لو حدث ذلك سابقاً أن يكون التصدير جزء أساس من تقوية بلادنا العربية، فبالنظر إلى المساحات الكبيرة التي نملكها، نفتقر إلى كل شيء فيها، لأن البنية التحتية الأساسية غير سليمة، ومع هبوب أول رياح للتغيير تهدمت، لأن حكامنا ومسؤولينا مع الأسف، لم ينظروا أبعد من الكرسي الذي يجلسون عليه، بينما تُركت الشعوب تحاول العيش يوم بيوم رغم امتلاك بلادها الكثير من المقومات ولكنها "مهدورة" أو "مستغلة" من القوى الغربية التي تتحكم بنا وبمصائرنا، كما تفعل اليوم السفيرة الأمريكية في لبنان، والولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وسوريا وكل مكان من بلادنا.

لقد عانت أوروبا سابقاً من حروب لم تُبقِ حجر على حجر، لكنهم نهضوا، وكنا حينها الأقوى، لتنعكس الأدوار بتخطيط منهم مؤكد، لكن بأيادينا، فكم خائن يعيش بيننا وجلب المحتل إلى بلاده على أمل التغيير، فهل جلبت الديمقراطية الغربية أي رفاهية وعيش كريم للشعوب، سوى التدمير والخراب!

على المسؤول اليوم مهمة كبيرة، رغم يقيني أنه تأخر كثيراً، حتى الحديث عن النهضة الزراعية والصناعية اليوم، لن يحقق الاكتفاء الذاتي، في ظل الانقسام داخل البيت الواحد، فعندما تتعدد الولاءات، قد يربح المسؤولون، لكن الأكيد أننا جميعاً نخسر الوطن، فاليوم العالم المنكوب يريد التوجه إلى أي مكان ليستطيع الصمود.

البداية من الداخل

لست خبيراً اقتصادياً، لكن بالاطلاع على تجارب الغير، ونجاحها، يؤلمني ألا نطبقها في مجتمعاتنا، وأكثر ما يحزنني هو ألا نحصن أنفسنا، بل عندما نقع نبدأ التفكير في الحلول، فأين كانت وزارت الاقتصاد في دولنا وما هو دورها، وأين هي وزارات الصناعة والتجارة؟

لا يكفي أن نضع حلول نظرية، بل التطبيق المباشر، فلا الدين من الخارج سيعالج أزمة عقود ولا الاستثمارات الخارجية، بل الانفتاح من الداخل، والبدء يداً بيد بالإعمار، واستصلاح المدمر، فها هي الموصل اليوم وهي محررة من الإرهاب، لا تزال أنقاضها موجودة، ولا يزال غبار المعارك موجوداً، وكم من حكومة تعاقبت لكن هل تغير شيء؟ لا مع الأسف، حال لبنان وحال سوريا وحتى مصر، والسودان، كل الدول التي غيرت حكّامها، ماذا حققت لهم الحكومات الجديدة، سوى أنها كانت وريثة لفشل الحكومات السابقة، ولا أحد متضرر سوى الشعوب.

الحلول

لنبدأ بكل ما هو متاح ومتوفر، لا نريد إلا العيش الكريم، حتى تنتهي الظروف الكبيرة، لنباشر في التوسع على مستوى الإقليم، ولاحقاً على مستوى العالم، لكن البداية بإحياء الصناعات القديمة، والأعمال اليدوية، الاهتمام بالأرض وبالقطاع الحيواني من تربية وتدجين وما ينتج عن ذلك، لكن كل ذلك مرتبط بخلية أزمة تحوي خبراء واستشاريين محليين ودوليين، من بلاد أخرى تطبيق تجارب الدول الأخرى، خاصة تلك البلاد التي بدأت من الحضيض، لا ضير ولا خطأ ولا انتقاص من قيمة المسؤول إن فعّل هذا الأمر، لكن النقطة الهامة هنا، تجديد الدم في الحكومات وتعيين طاقات شابة وجديدة، فالاستئثار بالكراسي لم يخدم إلا الزعيم نفسه، وهنا الطامة الكبرى.

ولننظر للقطاعات جميعها، فإن لم تتوافر التربة الجيدة، لنذهب نحو الاستثمارات من استغلال البحار والأنهار والطبيعة، حتى على صعيد العلم والمناهج، فها هي ماليزيا مثلاً رائدة ونموذج فريد رغم ان مناخها غير جيد، وتركيا داخلياً وقطاع السياحة المهم فيها، وإندونيسيا وحتى باكستان، فلماذا لا نرى هذه التجارب ونعمل على صناعة مماثلة في كل القطاعات، ونبدأ من الصفر، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، ونعتمد على الإنتاج المحلي، المنتج لا المستهلك وكفى أن نمشي وراء الطغمة الفاسدة التي تريد الاستفادة على حساب الأوطان.

إخواني، من موقعي المسؤول كمواطن عربي، أتألم لألم كل البلاد العربية، أطمح بأن أرى بلادنا حرة وكريمة، وسأبقى أحاول علّ الاستجابة قريبة، فالعمل يحتاج إرادة حية، ولنضع عواطفنا جانباً فلن تنقص أمة الإسلام، ولن تزيد أمة عيسى عليهما السلام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز