تحليل الراعي يقدم مبادرة "الحرب على حزب الله" .. وهل يجد خصوم البلاد فرصة كهذه؟

الراعي

فاجأت مبادرة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي اللبنانيين وأصبحت حديث الساعة، فهذه المبادرة التي ارتكزت على نقاط ثلاث:

أ‌ -تحرير الشرعية اللبنانية من الحصار.

ب‌ -تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية.

ج‌ -تنفيذ قرارات الشرعية الدولية 1701 -1757 -1680 -1559.

طرحت اسئلة عديدة حول التوقيت؟ والسبب ورائها؟ والهدف منها؟

ولفهم حقيقة المشهد علينا التعمق في كل بند من بنود الطرح البطريركي في محاولة لتفسير وتحليل مضمونه وانعكاساته على الوضع الداخلي اللبناني.

أولا: تحرير الشرعية اللبنانية من الحصار: العنوان في حد ذاته وطريقة طرحه مثير للجدل. فعن أي شرعية لبنانية نتحدث وعن أي حصار؟

من الشائع في العلوم السياسية أن مصطلح الشرعية يشير إلى قبول السلطة، وأيضاً إلى القانون الناظم أو النظام الحاكم. و يُفسر بشكل إيجابي على أنه الوضع المعياري الممنوح من قبل الشعب المحكوم للحكم على مؤسسات حكامهم ومكاتبهم وأفعالهم، التي تستند على الاعتقاد بأن تصرفات حكومتهم هي الاستخدامات المناسبة للسلطة من قِبل الحكومة المُشكلة قانونيًا.

وقد يختلف الوضع في لبنان لا بل هو معقد أكثر من هذا التعريف البسيط. فاذا اعتبرنا ان الشرعية منبثقة من الشعب الذي ينتخب ممثليه في المجلس النيابي وهم بدورهم يشكلون الحكومة التي ستدير شؤون البلاد، نرى أن جزء من المجتمع اللبناني بعتبر ان المجلس النيابي فقد شرعيته وبالتالي هو لا يمثل المجتمع اللبناني بمختلف اطيافه تمثيلا سليما وبالتالي لا ثقة لهؤلاء بالحكومة الحالية. من جهة أخرى، الأحزاب الممثلة في حكومة دياب هي أحزاب فريق 8 آذار أي تيار المردة وحزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب الديمقراطي (طلال أرسلان ممثلا الدروز) والحزب السوري القومي الاجتماعي والارمن الممثلين بحزب الطاشناق.

وبالتالي فريق 14 آذار (الحزب التقدمي الاشتراكين حزب القوات اللبنانية، حزب الكتائب، تيار المستقبل) قرر لعب دور المعارض والبقاء خارج الحكومة. اذا، الحكومة اللبنانية الحالية لا تمثل جميع الفرقاء السياسيين وهو الطابع الأمثل الذي يجب ان تأخذه الحكومات (معارضة وموالاة بدل حكومات الوحدة الوطنية التي لم تنتج شيئا) وفي دول العالم المتقدم تومن حكومات الموالاة والمعارضة فعالية أكثر في العمل وانتاجية اكبر، فيصبح عمل الفريق المعارض مراقبة وانتقاد عمل الحكومة بهدف بنّاء، الا ان في لبنان المعارضة لا تمارس أية دور بناء، إنما هي الكيديات السياسية وتسجيل النقاط (هو النكد السياسي).

من حيث الشكل نستطيع القول ان الحكومة شرعية (فلو اعتبر بعض اللبنانيين ان المجلس النيابي لا يمثلهم، فلا يمكن تغيير المجلس الا عبر الانتخابات وبالتالي عليهم انتظار موعد الانتخابات المقبلة ومحاسبة زعمائهم وكل ما سيصدر عن المجلس الحالي وحكومته هو قانونيا شرعيا) ولكن كيف نحرر شرعيتها من الحصار؟ وما المقصود بالحصار؟

ان قصد البطريرك في كلامه الحصار الأميركي على لبنان بمنع دخول الدولارات اليه والحلول دون عقد اتفاقيات تجارية مع الدول الشرقية، فهو بذلك قد أصاب الهدف، اما اذا ربطنا الطرح الأول بالطرح الثاني (تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية) فهنا يكون البطريرك قد بدأ بلعب لعبة خطيرة ستظهر بالطرح الثالث.

تحييد لبنان عن سياسات المحاور مطلب سليم وعنوان براق ومحق 100% ، هذا من حيث الشكل، اما من حيث المضمون فيحمل في طياته رسائل عدة:

– تدخل حزب الله العسكري في سوريا (والذي بدوره شهد انقساما داخليا حاد حيث اعتبر البعض أن تدخل حزب الله في سوريا حمى لبنان من توغل الإرهاب الداعشي، فيما يعتبر البعض الآخر ان هذا التدخل سبب للبنان مشاكل مع الدول العربية والغربية وادخل لبنان في صراع نحن بغنى عنه).

-تدخل حزب الله في اليمن

- تلقي الأحزاب اللبنانية تمويلا خارجيا وبالتالي خضوعها لمحور خارجي وهنا يمكن الحديث عن التمويل السعودي لحزب القوات اللبنانية (والذي كشفت عنه ملفات ويكيليكس) والتمويل الإيراني لحزب الله، أما باقي الأحزاب فهي تنقسم بين المحورين الإيراني السعودي الأميركي الروسي دون دليل واضح عل مصدر تمويلها.

وعلى الأرجح البطرك كان يصوب سهامه على حزب الله والا لما تطرق لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية 1701 -1757 -1680 – 1559. وهنا لب الموضوع. فعلى ماذا تنص هذه القوانين؟

1- قرار 1701: تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1701 الذي يدعو إلى وقف كامل للعمليات القتالية في لبنان. ويطالب القرار حزب الله بالوقف الفوري لكل هجماته ومن "إسرائيل" الوقف الفوري لكل عملياتها العسكرية الهجومية وسحب كل قواتها من جنوب لبنان. (ولا تكف إسرائيل عن خرق هذا القرار بطائراتها التي تخرق الأجواء اللبنانية وسفنها البحرية)

دعا القرار الحكومة اللبنانية لنشر قواتها المسلحة في الجنوب بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة –يونيفيل-وذلك بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق. كما يدعو "إسرائيل" ولبنان لدعم وقف دائم لإطلاق النار وحلّ بعيد المدى.

وتضمن القرار عدة بنود ومطالب أخرى هي: إيجاد منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني تكون خالية من أيّ مسلّحين ومعدات حربية وأسلحة عدا تلك التابعة للقوات المسلحة اللبنانية وقوات يونيفيل. التطبيق الكامل لبنود اتفاق الطائف والقرارين 1559 و1680 بما فيها تجريد كل الجماعات اللبنانية من سلاحها وعدم وجود قوات أجنبية إلا بموافقة الحكومة، (وحتى يومنا هذا لم يطبق اتفاق الطائف). منع بيع وتوفير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى لبنان إلاّ تلك التي تسمح بها الحكومة. (الامر الذي لم ينفذ فليس حزب الله وحده من يأتي بالسلاح عن طريق المعابر بل أيضا يتم تهريب الأسلحة الى طرابلس وأماكن أخرى في لبنان). تسليم "إسرائيل" الأمم المتحدة خرائط حقول الألغام التي زرعتها في لبنان (وهو ما لم تنفذه إسرائيل). تمديد مدة عمل قوة الطوارئ الدولية في لبنان حتى 31 أغسطس/آب 2007 (اعيد التمديد لها حتى اليوم).

2- قرار مجلس الأمن رقم 1757 القاضي بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للتحقيق في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري والتي تستهدف مباشرة حزب الله حيث أنّ أصابع الاتهام منذ اللحظة الأولى صوبت عليه. فيما بات معلوماً أنّ القرارات التمهيدية السابقة، التي صدرت عن المحكمة، حدّدت المتّهمين، وهم: سليم عياش، أسد صبرا، حسين عنيسي، حسن حبيب، ومصطفى بدرالدين، وهم عناصر مرتبطة بالحزب.

3- القرار 1680 وهو صدر قبيل العدوان الإسرائيلي على لبنان تموز 2006 ، وموضوعه ترسيم الحدود في منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا في جنوب لبنان؛ وأهم ما جاء في مقدمة القرار 1680؛ هو التأكيد على جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص في مساعيهما لتطبيق باقي بنود القرار رقم 1559، كما دعى الدولة اللبنانية إلى بذل جهود إضافية لتنفيذ بنود القرار المذكور، خصوصاً بند حلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية الموجودة على الأراضي اللبنانية، ونزع سلاحها، كي يبقى السلاح بيد القوات النظامية فقط لا غير، والمُستهدف الأساسي في هذا الموضوع هو "حزب الله"، لأن الواقع القانوني الدولي؛ لا يُعطي للحزب أحقية حمل السلاح، لأن مجلس الأمن يعتبر أن الأراضي اللبنانية المحتلة قد تمَّ تحريرها بالكامل في العام 2000، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا هي ضمن خارطة الأراضي السورية التي تحتلها "اسرائيل" وفقاً للقانون الدولي، لأنها تحت إشراف قوات " تندوف" الدولية التي تنتشر في الجولان العربي السوري منذ إتفاق الهدنة بين سوريا و"إسرائيل" بعد حرب 1973.

4- القرار 1559 : يشير إلى عزم لبنان على ضمان انسحاب جميع القوات غير اللبنانية من لبنان. وإذ يعرب عن بالغ قلقه من استمرار تواجد مليشيات مسلحة في لبنان، مما يمنع الحكومة اللبنانية من ممارسة كامل سيادتها على جميع الأراضي اللبنانية. وإذ يؤكد مجددا أهمية بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية.

ومن هنا نستطيع القول أن بكركي أعلنتها حربا مفتوحة على حزب الله، في الوقت الذي يخرق فيه العدو الإسرائيلي أجوائنا اللبنانية كل يوم بطائرات حربية وطائرات استطلاع، ويحاول ضم الضفة الغربية الى "إسرائيل"، مع بدء اعمال التنقيب على حدود المنطقة المتنازع عليها مع لبنان. ومع اقتراب موعد صدور قرار المحكمة الدولية في قضية اغتيال الحريري، ووسط العقوبات والحصار الأميركي الاقتصادي على لبنان، وقانون قيصر الذي تحاول الإدارة الأميركية فرضه على سوريا، والتخوف من اندلاع حرب بين لبنان وإسرائيل ووسط الكلام عن غضب واشنطن بفشل القوى الأممية في جنوب لبنان بتفتيش مخابئ سلاح حزب الله ومنع تدفقها الى الداخل اللبناني، ووسط تدخل تركي وتمويل الجماعات الإرهابية بطرابلس بالأسلحة، وكل المحاولات لزعزعة الامن في الداخل اللبناني!

نسأل البطرك انت جاد بطرحك؟ أهو الوقت المناسب لطرح مماثل؟ وهل فعلا المطلوب اليوم لقاء وطني لمناقشة طرحك أم لقاء لوضع سياسة دفاعية وتحصين الداخل ضد طرحٍ كهذا؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز