وسائل التواصل التي شوهت داخلنا .. "أنا أتصور إذا أنا موجود"

سيلفي

أصبحنا نعيش اليوم في عالم لا يشبهنا، عالم خيالي لا يرتبط بالواقع بصلة، وقعنا رهينة وسائل التواصل الاجتماعي، ففقدنا الشعور بالحياة وبتفاصيلها التي لم يعد لها قيمة ولا معنى، اذا عرضناها على وسائل التواصل الاجتماعي، التي دخلنا مجبرين في سباقها، من أحلى؟ من أقوى؟ من أغنى؟ من الأكثر سعادة؟

أدخلنا في منافسة دون علمنا، فاصبحنا نسابق الوقت ونتسابق، بغية الحصول على المزيد من الـlikes والـcomments، أصبحت حياتنا واهتماماتنا وطموحاتنا رهينة عدد الـfollowers على instagram او Facebook .

فقدنا ثقتنا بأنفسنا وانتابنا شعور بأننا not enough مهما فعلنا ومهما تجملنا ومهما التقطنا عددا من الصور الجميلة نبقى مقصرين، وسيبقى دائما هناك اشخاص أجمل وأسعد وأنجح منا. الاحاسيس والمشاعر أصبحت مزيفة، نضحك فقط من اجل الصورة، نتذكر فقط أننا مجتمعين حين يأتي وقت الصورة، نتذكر أن نصفصف شعرنا ونبرز مفاتننا ونعدل مكياجنا فقط اثناء الصورة، لنعود بعدها الى حالتنا الطبيعية أو "غير الطبيعية"ّ!

فمن غير الطبيعي أن يمضي الفرد منا معظم وقته على وسائل التواصل الاجتماعي يتفقد صفحات غيره من الأصدقاء او المشاهير ويقارن نفسه بهم، أو يقضي بقية وقته ينشر صوره بانتظار زيادة عدد حالات الاعجاب والتعليقات.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا نتصور؟ ولماذا ننشر صورنا؟

اثبتت العديد من الأبحاث أن الانسان في عالم وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أصبح همه جذب الأنظار ولفت اهتمام الآخرين به. فبعد أن كانت الصورة أيام جدودنا تستخدم لترسيخ لحظة لن تتكرر وابقائها ذكرى مدى العمر نسترجعها كلما خسرنا شخص غالي على قلبنا أو كلما أردنا تذكر أيام الماضي الجميل، أصبحت الصورة اليوم ليست إلا زيادة عدد على ارشيفنا وألبومات صورنا على وسائل التواصل الاجتماعي.

أصبحت أداة للعرض، عرض حياتنا، عرض جسدنا، عرض جمالنا ... فجعلت من الانسان سلعة، سلعة للعرض مقابل حفنة من اللايكات وأصبح نجاح هذا الفرد يقاس بعدد تلك الإعجابات والكومنتات التي يحصل عليها. وللمفارقة أصبحت معظم النساء ومعظم الرجال يشبهون بعضهم. نفس الشفاه، نفس العيون، نفس الانف، نفس الخدود والحنك، نفس الشعر والطول، نفس اللبس، نفس طريقة المايك اب، نفس طريقة الوقوف لالتقاط الصور... أصبحنا نسخ عن بعضنا البعض بversions معدلة أحيانا ومتطورة أكثر أحيانا أخرى.

جعل منا هذا العالم آلات، فرض علينا معايير جمال معينة، ومعايير شهرة معينة، أصبح كل شيء للعرض لا يهم متى وأين وكيف المهم ان يعرض ويحصل على إعجاب الجمهور. كل ذلك لنقول "انا كذا" ،"انا هنا "،"انا موجود"، هو الانا الذي وجد منصة ممتازة لإشباع غرورنا وحاجاتنا في أن نكون موجودين وملحوظين.

فانتقلنا من القول الشهير "أنا أفكر إذا انا موجود" للمفكر الفرنسي رينيه ديكارت، إلى أنا أتصور اذا انا موجود! للأسف فقدنا شعورنا باللحظة، ونحن نحاول أن نؤرخها.

نعم، لم نعد نشعر بمعنى السعادة الحقيقي أو تغيير المعني وانتقل من عالم الحقيقة الى عالم الخيال، فمهما كانت التجربة التي قضيناها ممتعة أو سيئة؛ لا شيء يعطيها قيمتها الا ردود فعل الناس عليها،عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أما نحن .. حواسنا، فكرنا، مشاعرنا، روحنا، جميعها اختفت تبخرت وكأننا في اللحظة التي التقطنا فيها الصورة انفصلت كل حواسنا عن جسدنا، فلم يعد هناك وجود الا للمشهد الذي نحن جزءا منه، مثلنا مثل الشجرة والمياه والحيوانات والسماء والاشياء الموجودة في الصورة. جعلنا من نفسنا شيئا كباقي الأشياء للأسف.

من اجل المال والشهرة أصبحنا مستعدين ان نفعل أي شيء فلم تعد الوسيلة مهمة بل الغاية فقط! انتقلنا اليوم من عالم الكلمة الى عالم الصورة! فلم يعد للفكر مكان بل المساحة الأولى أصبحت مخصصة للجسد للشكل للمادة! فرغت روحنا! وفرغ فكرنا! وأصبحنا اشباه آلة!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز