خاص القصف الإسرائيلي المستمر لدمشق .. "الإحباط" من الأهداف المهمة أيضاً

سوريا قصف دمشق



ثمة شعور مؤذي يعيشه المؤمنون بخيار المقـاومة في المنطقة، وأنا واحدٌ من هؤلاء الذين يتملكهم أذيّة الإحباط تلك، وإذا كان تعويم حالة التشاؤم هذه، هو ما يراد به من كل حركات الاستعراض و"الزعرنة" الإسرائيلية، فأجد أنهم نجحوا في ذلك ولو بشكل نسبي!

 

استطاعت إسرائيل تدشين "المعركة بين الحروب" بشكل عملاني في الجبهة السورية، لكنها لم تحسن القيام بذلك في لبنان، لأن ردع حزب الله أثبت نجاحاً قياسياً حتى في أشد المراحل التي كان يعتقد فيها الإسرائيليون أن الحزب منهك ومنشغل، سواء في الجبهة السورية أو العراقية لاحقاً.

 

السؤال الذي يعاجلنا في أعقاب كل عدوان تتعرض له دمشق، متى سينفذ هذا الخزان المهول من الصبر الذي يمتلكه السوريون؟

في فبراير من العام  ٢٠١٨، وقبل أن يؤمن الجيش السوري محيط العاصمة دمشق، ويحرر الغوطة الشرقية،  أسقطت الدفاعات الجوية طائرة حربية إسرائيلية من طراز f16، بالشكل العملي لم يكن الأمر صعباً، لدى سوريا القدرات الكافية للقيام بذلك، الفيصل في الأمر كان القرار، أن تقرر القيادة السورية أن تقوم بفعل كهذا، انتهى الحدث بكل ما أحدثه من فيض معنوي، تشققت في انتظاره النفوس، لم تبدأ إسرائيل بالحرب، لم تهدم جبل قاسيون، كانت القيادة السورية حينها جاهزة لخوض "معركة ما بين الحروب" !

 

لا أفهم حتى اللحظة، الحكمة من هذا الصمت المهين، ليس مستوعباً أن تستبيح إسرائيل السماء والأرض السورية بهذا القدر من العنترة، لقد دمرت الحرب مع الجماعات المسلحة خلال تسعة سنوات، ما يمكن أن تهدمه ١٠٠٠ غارة جوية من طائرات الاف ١٦، ما يعني أن تضخيم الخشية من ردة الفعل الإسرائيلية على تقديم رد موضعي وجراحي ومحسوب على كل اعتداء هو مبرر غير مقنع!

كما أن كلفة تحمل التداعيات تبقى أقل بكثير من كلفة السماح بهذا النوع المشين من الاستباحة، وأيضاً، يمكن أن نتذكر أن الرد العسكري السوري لن يجلب عقوبات تفوق ما جلبه الصمت، فليس بعد "فجور قيصر" عقوبة !

يوم أمس، كنت أدير نقاشاً مع صديق سوري، قال لي أن قيادة قوى المقاومة في دمشق، تقرر أن حجم الضرر الذي تسببه الغارات الإسرائيلية، ليس خليقاً بالرد، الذي يمكن أن يعرض مشاريع كبرى تقوم المقاومة على إنجازها هناك للضرر،
يقول الرجل أن إسرائيل تدعي كذباً أنها تقصف أهداف ذات طبيعة استراتيجية، أو شحنات سلاح نوعية، أو أبنية وخنادق عسكرية.


ورغم أن ثمة غياب للتفاصيل حول ما تفعله "إيران وحزب الله" في سوريا، ما تمتلكه إسرائيل من معلومات، إلا إن ما يتم العمل على بناؤه، لن يقل عن استنساخ التجربة العسكرية لحزب الله في لبنان وللمقاومة الفلسطينية في غزة، لكن الأزمة، أن بناء كل تلك الترسانة، في أفق استخدام بعيد الأمد، سيساهم ومع تواترية حالة الاستنزاف القائمة، في انهاك المخزون المعنوي لحضور الإيمان بخيار المقاومة في الشارع، وهذا الأمر ليس بسيطاً، إذ ثمة مليارات تدفعها الدول الغربية لتعميم ثقافة "عدم الإيمان بقدرة المقاومة على الإنجاز" أو بـ "بترسيخ منطق غياب الفروقات بين إيران وأمريكا"، أو بتسخيف "الشعارات الكبيرة التي تطلقها المقاومة".

هذه معركة كبرى، ضمن صراع طويل وممتد، ويجب أن تراعي فيه كل الهوامش المعنوية للصمت، ولامتصاص الضربات المتتالية الذي يلبس مظهر العجز، ويفرغ فكرة "الرفض والممانعة" من مضمونها المنطقي المقنع.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت