العواصف السورية تهبُّ شرقاً

قصةٍ قديمة, ولكن فصولها الفعلية بدأت عندما قرر ما يقارب ال 200 شخصية بزعامة ممثلي بعض الأحزاب الكردية في سوريا إعتبار الخميس 17\2\2016 يوما ًلإطلاق النظام الفدرالي في مناطق سيطرتهم في شمال البلاد من خلال اجتماع عقد في مدينة رميلان في محافظة الحسكة, حيث أقر المجتمعون "وثيقة النظام الإتحادي الديمقراطي الفيدرالي في روج آفا - شمال سوريا", لإقامة ما يسمى "إدارة حكمٍ ذاتي" على المناطق التي كانوا يسيطرون عليها في الرقة وعين العرب وعفرين والجزيرة, بالإضافة إلى كافة الأراضي التي سيطرت عليها ميليشيات "قسد" بدعمٍ مطلق من قوات الإحتلال الأمريكي والفرنسي والتركي صاحب العلاقات المميزة مع قادتهم, وبالتنسيق  الكامل مع كافة التنظيمات والمجاميع الإرهابية المتواجدة هناك وعلى رأسها تنظيم "داعش" الإرهابي.  
وقد خرج الاجتماع –يومها- بجملة أكاذيب تدّعي مشاركتهم بالحفاظ على وحدة سوريا ومنع تقسيمها !
لم يكن السوريون وقتها يعرفون الكثيرعن مّا سُمى "قوات سورية الديمقراطية", ولاعن أهدافها, فقد راقبوا واهتموا بكل من يقاتل الإرهاب في سوريا, وطالبوا - وقتها - بدعم وانضمام جميع مكونات المجتمعات السورية إلى محادثات جنيف, ورفعوا صوتهم الشعبي والرسمي دعما ً للأكراد اللذين لم يُدعَوا إليها في جولتيها الأولى والثانية, وسط الدعم الروسي ورفض تركيا وعدم وضوح الموقف الأمريكي.

ولطالما اّمن السوريون بأن طرح مشروع تطويق منطقةٍ جغرافية في سورية تقع وبشكلٍ مؤقت خارج سيطرة الدولة بفضل الإرهاب الذي تعرضت له, لا يسمح لأي كان أن يسيطر عليها بعد تحريرها من الإرهابيين, ويفرض رغباته ويمرر مشاريعه أو مشاريع من ورائه, إذ لا فرق في كلا الحالتين, وما فعله مطلقوا هذا المشروع المشبوه لا يعدو أكثر من إدارة توحشٍ جديدة بإدارةٍ مختلفة في الشكل متشابهة في الجوهر والمضمون.
 
إن توقيت المشروع من حيث المكان والزمان أثار التساؤلات ووضع إشارات الاستفهام حوله, فلا يخفى على أحد أهمية تلك الأراضي الشمالية في سورية وحقول النفط والأراضي الشاسعة الغنية بمحاصيلها الزراعية - الإقتصادية كالقمح والشعير وغيرها, وغناها بالخامات النفطية والثروات الباطنية والمعادن وأشباه المعادن والفلزات الهامة, ويأتي في وقتٍ تتجه فيه الحرب نحو الحل السياسي, وانفتاح الحكومة السورية على الحوار السوري - السوري الشامل, المدعوم بالعديد من القرارات الدولية, والتي رضخت لإنتصارات سورية العسكرية ولصمود قيادتها وشعبها, ولطبيعة المجتمع السوري.

لم يلق الإعلان عن المشروع التقسيمي تأييد أغلب اللاعبين في المنطقة والعالم, في وقتٍ سارع الشعب السوري لتسجيل غضبه ورفضه وعدم سماحه لأي كان بالمساس بوحدة سورية ووحدة أراضيها وبمنع تقسيهما تحت أي عنوان .. فيما عبرت الدولة السورية عن موقفها الرافض لأي مشروع تقسيمي, وحذرت من "تسول له نفسه النيل من وحدة أرض وشعب الجمهورية العربية السورية تحت أي عنوان", وأكدت مرارا ً أن "طرح موضوع الإتحاد أو الفيدرالية يشكل مساسا ً بوحدة الأراضي السورية, وأنه يتناقض مع الدستور والمفاهيم الوطنية والقرارات الدولية" وأنه "لا قيمة ولا أثر قانوني له".. واعتبرته عملا ً داعما ً للإرهاب وأنه يصب في خانة إضعاف سورية.

لكن هذا لم يُثن قادة الميليشيات الإنفصالية, واستمروا لسنوات في العمل على تكريس الإنفصال, فأزالوا العلم السوري, وأقاموا هياكل الجسم الفيدرالي – التقسيمي, واستولوا على كافة مصادر الثروات المتنوعة على امتداد الشرق السوري, مستغلين إنشغال الدولة والجيش العربي السوري وحلفائه في معارك مقارعة الإرهاب ودحره عن مساحات واسعة من الجغرافيا السورية في جنوب ووسط البلاد, وحصروا إهتمامهم في سرقة ثروات الدولة والشعب السوري, وبتنفيذ كل ما من شأنه خدمة المشروع الأمريكي - الصهيوني في سورية هذا من جهة, ومن جهة أخرى ساهموا بتعزيز الوجود الأمريكي على الأرض السورية, وبنوا بأيدهم القواعد الأمريكية, وحفروا الخنادق حول القواعد الفرنسية لتعزيز وجودها وحمايتها.
يبدو أنهم بالغوا في تقدير قدراتهم وحجمهم في الميدان والمنطقة، واعتقدوا أنهم قادرين على تنفيذ المهمة الأمريكية في الحصار الإقتصادي للدولة والشعب السوري في محاولةٍ لكسر إرادة السوريين , يبدو أن أوهامهم أنبئتهم بقدرتهم على تغيير أوراق اللعبة الدولية , ولم ينبئهم قصر نظرهم عن سرعة تخلي أسيادهم عنهم كما فعلوا بغير ميليشيات وغير خدم. 

من الواضح أنهم سيواجهون عواصف جديدة, قد تبدأ في رفض وجودهم تحت قباب جنيف, وبإقتلاعهم ًبقرار سوري شعبي ورسمي , وها قد بدأت العواصف الشعبية, وبدأ الرفض الشعبي يُترجم بمقاومة شعبية وبمواجهاتٍ مباشرة مع تلك الميليشيات, وتم طردها وأسلحتها وإرهابها وأسيادها في عدد من البلدات والقرى في ريفي دير الزور والرقة, في وقتٍ تتزايد فيه حالة السخط والغليان الشعبي يوما ً بعد يوم على كامل مساحة الوطن.

من الواضح أنهم أضاعوا جميع الفرص التي منحتهم إياها الدولة السورية، وتجاهلوا الغضب الشعبي المقاوم, وقدرة الدولة والجيش السوري على إقتلاعهم دون أي عناء يذكر, لقد وضعوا أنفسهم في وجه العاصفة وعليهم تحمل النتائج, فلن يتساهل ولن يتسامح الشعب السوري مع من خان الوطن, وأخطأ الحساب وأساء للأرض الطيبة ورد دينها غدرا ًوخيانة ً.

ولسنا نتوقع من قادة الميليشيات الإرهابية سوى الهروب في ليلة ٍ ظلماء وقبل طلوع الفجر، على غرار هروب أسيادهم الأمريكيين من العراق والإسرائيليين من لبنان , وهذا هو دائما ًحال اللصوص واللقطاء والعملاء.
2 / 5 /2019