قُبلة التحرير

يعود بنا هذا اليوم إلى ذكرى تحرير جنوب لبنان عام 2000. تحمل في طياتها آلاف الخيالات في ذاكرة طفلة في الثالثة من عمرها..

" أنا فعلاً لا أذكر كيف تلقينا الخبر، هي ذاكرة من خيالات و أصوات فقط. خيالات ووجوه بمعالم واحدة ،تضاريسها نصر و فرح. أنا فقط أذكر وجه جدي الذي لطالما كانت معالمه مميزة، او لربما لأنني اقتربت من وجهه حد القُبلة. هي قُبلة على جبين جدي ذهبت بها في رحلة مع عينيه إلى الجنوب. نحن المشتاقون أبناء تلك الأرض كيف لا نكون في عرسها، وهي عروستنا.

بدأت الرحلة مع "عزيزة"، سيارة أبي الزرقاء التي أسموها أخوتي، هي رحلة العودة إلى الجنوب بعد أن انتصرت سواعد المقاومين و انسحب المحتل مهزوماً.

كنت أخرج رأسي تارةً لأسمع أصوات الزغاريد و تارة أدخله و أستمع إلى الأغاني الثورية في الراديو. أظن أنها المرة الأولى التي لم تكن زحمة السير خانقة حد الملل كانت في ذلك اليوم و يوم آخر مثيل له عام 2006، على الرغم من كثرة السيارات، وطول الانتظار.

أذكر أننا توقفنا كثيراً، ففي كل بلدة كان هناك احتفال، ولكن لن أنسى اللحظات التي أمضيناها أمام "بوابة فاطمة"، كانت الزغاريد تصدح في كل مكان و أذكر أنني كنت عروس صغيرة في ذلك اليوم، هذا ما ظننته، فقد كان الجميع يرش الجميع بالورود و الأرز، وشعري رغم قصره كان يلتقط حبات الأرز و يداعب الورود ، أذكر أيضاً أنني حزت على قبلات عدة من أناس لا أعرفهم و لكن كل ما أعرفه أنهم أبناء الجنوب، كان الجميع يحضن الجميع و الدبكة في كل مكان و كل منهم يصرخ "تحرر الجنوب و رجعني " و صوت الحجة "الحمدلليه تحررني" ، أما نحن الاولاد فقد كنا نردد ما لا زلنا نردده "من أنتم حزب الله.. من قائدكم.. نصرلله." و بالطبع كان الصراع أثناء العودة مع أخي حول من سيخرج من نافذة السيارة العلم الأصفر الذي لم يكن لدينا غيره.

كنت صغيرة جدا فلم أستطع أن أسترق نظرة إلى العدو كما كان يفعل والداي و الجميع لأرى تعابير ذلهم، لكنني أعرف أني سلبت منهم عزتهم و أنا في الثالثة من عمري حين رقصت مع جدي وكانوا يروننا و لا أراهم، رقصنا على جراحهم فعلاً.
أعود إلى جدي و ابتسامته التي منها عرفت لما كنا نحتفل،" طالعين عالظيعة يا جدي"، كلها أصوات لا تفارق ذاكرتي حتى لو فارقتها الوجوه.، هو الجنوب الذي لم أكن أعرف غيره، هو فخري وعزتي. هو محراب النصر و رحم الشهداء، ‏و هم رِجَالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فكيف لا نفتخر، و نحن أبناء المقاومة، كيف لا نفتخر و نحن أبناء أرض العز و نحن أهل الوفاء.
هي أرض ملغمة بدماء الشهداء كلما حاولوا الاقتراب منها ستنفجر نصراً، هي أرض مروية بدماء الشهداء لن تنمو فيها شجرة النسيان، مهما مضى الزمن ستبقى قبلة جدي التي انطلقت منها في رحلة العودة الخالدة في ذاكرتي مهما مضى الدهر. فقد رحل جدي ذات يوم و لكن بقيت قبلة التحرير تصدح في ذاكرتي.