مضيق هرمز، رسائل إيران إلى الأصدقاء والأعداء.

2018/07/11 - 09:02:24pm       

 

صالح أبو عزة/كاتب وباحث فلسطيني

​لم تُوقِف الولايات المتحدة الأمريكية حربها الإقتصادية المفتوحة على إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، إلا أنَّ هذه الحرب لم تكن على وتيرة واحدة، وتذبذبت صعوداً ونزولاً بحسب سياسات حاكم البيت الأبيض؛ إلا أنَّ حدتها قد زادت منذ تولي الرئيس ترامب سدة الحكم الأمريكي، ولم يمضِ على توليه سوا شهور قليلة، حتى أعلن في الثامن من مايو الماضي انسحاب بلاده من الإتفاق النووي مع إيران بشكل نهائي.

​أعلن ترامب سياسات بلاده الصارمة تجاه إيران، ووضعها نداً مُقابلاً للمشاريع الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية، وبتأييد كبير من تل أبيب والرياض لهذه السياسات، وخاصةً في محاصرة إيران اقتصادياً، وخنقها على المستوى التجاري الدولي، والقطاع المصرفي، وقطاع الطاقة "النفط والغاز". حيث تسعى واشنطن في نهاية المطاف إلى تصفير الصادرات النفطية الإيرانية، وقد دعت حلفاءها للتوقف عن استيراد النفط من إيران بحلول الرابع من تشرين الثاني المقبل دون أي استثناءات أو تأخير، مما دفع إسحاق جانغهير النائب الأول للرئيس الإيراني بوصف هذه السياسات "أنّ الخزانة الأمريكية تحولت لغرفة اقتصادية ضد إيران من أجل شل الإقتصاد الإيراني وزيادة الضغوطات عليها وعلى شعبها".

​بالأمس أعلن بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، وخلال لقائه محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي، أنّ "الحصول على النفط الإيراني بعد الرابع من تشرين الثاني سيُعدُّ خرقاً للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وسنعمل على ضمان إلتزام العالم بتنفيذ العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران، وسندرس جميع الطلبات المقدمة من أجل الإعفاء من هذه العقوبات". حديث بومبيو ومن العاصمة العربية أبو ظبي، قد تجاوزت دائرة حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة، إلى فرض وصايتها على جميع دول العالم بهذا التهديد الذي يُمثل قمة الغرور والعنجهية الأمريكية. دعوة بومبيو وقبله ترامب والعديد من المسؤولين الأمريكيين، حظيت بتأييد بعض الدول، والتي تسير في الفلك الأمريكي، منها السعودية والإمارات والبحرين، كما واستجابت العديد من الشركات لهذه الدعوة، حفاظاً على استثماراتها في الولايات المتحدة، وفي مناطق نفوذها، خشيةً من العقوبات الأمريكية، والتي ستطال أسواقها وامتيازاتها وأموالها وأرباحها.

​في مقابل رضوخ وتردد بعض الدول والشركات للإرادة الأمريكية بخصوص العقوبات على إيران، استمر العديد من الدول الحليفة والصديقة لإيران على مواقفها الرافضة لتلك الضغوط، وبرز من بينها الموقف التركي، التي أعلنت بشكل صريح استمرارها في استيراد النفط والغاز المسال من إيران، كما رفضت روسيا والصين وماليزيا هذه العقوبات، فيما الإتحاد الأوروبي أعلن عزمه شراء النفط الإيراني أو مقايضته. هذه المواقف دفعت الرئيس الإيراني في الثاني من تموز الجاري ومن مدينة برن السويسرية إلى التصريح بأنَّ "منع إيران من تصدير نفطها يعني أنْ لا أحد في المنطقة سيتمكن من تصدير نفطه"!!

​إلتقط اللواء محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني، واللواء قاسم سليماني قائد قوة القدس في الحرس الثوري، إشارة الرئيس روحاني، وأعلنا تأكيدهما على تصريح الرئيس روحاني، وجهوزية الحرس الثوري لإغلاق مضيق هرمز أمام صادرات النفط منه إلى العالم. ثم صرّح علي مطهري نائب رئيس البرلمان الإيراني بأنّ "الرد الأمثل للتهديدات الأمريكية بخفض صادرات النفط الإيراني إلى الصفر هو إغلاق مضيق هرمز".

​مضيق هرمز هو الممر المائي الذي يصل الخليج العربي "الفارسي" بخليج عُمان وبحر العرب وصولاً إلى المحيط الهندي، وهو ممر مائي بين إيران وسلطنة عُمان، وتعتمد عليه إيران والكويت وقطر بتصدير كامل نفطها منه إلى العالم، وتعتمد عليه الإمارات بتصدير 99% من نفطها، كما وتعتمد عليه العراق بتصدير 98% من نفطها، أما السعودية فتصدّر من خلاله 88% من نفطها. حيث يستوعب مضيق هرمز ما يقارب 40% من حركة النفط العالمي، وبمعدل 20 مليون برميل يومياً.

​إنّ تنفيذ إيران لتهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، في حال عمدت الولايات المتحدة إلى تنفيذ عقوباتها بشكل حاد وصارم، وخاصةً تصفير صادرات إيران النفطية، سيؤدي قطعاً إلى خلخلة المنظومة الإقتصادية في العالم كله؛ حيث سيؤدي الإغلاق التام إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط، وبحسب خبراء سوف يرتفع سعر البرميل الواحد من 74 دولار أمريكي إلى أكثر من 200 دولار، مما يهدد الأسواق المالية واقتصاديات الدول وضرب عصب الطاقة في الصميم.

​إنّ تهديدات شخصيات وازنة ومسؤولة في الإدارة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، تدرك خطورة هذه الخطوة إيران أولاً، ثم أصدقائها وأعدائها على حدٍ سواء؛ فالصين على سبيل المثال، والتي تستورد نفطها من إيران والعراق والسعودية والكويت، وتستورد غازها من قطر، وهي دولة صديقة لإيران، تعلم الآثار الكارثية على الإقتصاد الصيني في حال عزمت إيران على تنفيذ تهديداتها، وكذلك اليابان والولايات المتحدة وكندا والإتحاد الأوروبي، وكذلك دول الخليج. فالإتحاد الأوروبي عمد إلى التصريح أكثر من مرة عبر مسؤوليه إلتزام الإتحاد بالإتفاق النووي مع إيران، وخاصةً في لقاء فيينا الأخير، واستمراره بشراء النفط الإيراني، وتقديم حزمة اقتصادية لإيران تعويضاً عن انسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي، على الرغم مما يُعيب الخطوة الأوروبية بعدم تحديد موعد زمني لإنفاذ هذه الحزمة المفيدة لإيران بحدها الأدنى.

​لا نرى أنّ الجمهورية الإسلامية قد تعمد إلى تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، وذلك لآثاره السلبية عليها وعلى مجموعة من الدول الحليفة والصديقة والمتعاونة، ولكن استمرار واشنطن في تماديها لضرب الإقتصاد الإيراني، سيدفع إيران حتماً إلى مناورات جدية في مضيق هرمز، بتقليل الحركة المرورية البحرية فيه، ومضايقة حركة الناقلات والسفن للحد من صادرات النفط والغاز، للضغط على جميع الأطراف من أصدقاء وأعداء على حدٍ سواء. فعلى الرغم من جدية الولايات المتحدة وجوقة الدول التي لا تخالفها أطماعها في المنطقة، إلا أن إيران ما زالت قادرة على السيطرة من خلال سياسة التلويح بعصا المضيق أمام الجميع، فعلى الأعداء الخوف والقلق، وعلى الأصدقاء الحذر وتحمّل المسؤولية الدولية، فرسالة إيران الأخيرة أنها "لن تسمح لأحد بتجويع شعبها، وبث الإضطرابات بين مكوناته، وتهديد استقلاله، فيما تنعم أمريكا بالأمن والإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


المصدر:  

 

تابعونا