كشفت دراسة جديدة أن المدح المعتاد للأطفال بسبب قدراتهم العقلية قد يؤدي بشكل غير متوقع إلى دفعهم نحو الغش في المهام التعليمية.
وأظهرت النتائج أن أطفال مرحلة ما قبل المدرسة الذين قيل لهم إنهم نجحوا في الاختبار لأنهم «أذكياء»، لجؤوا إلى الغش بمعدل يقارب ضعف الأطفال الذين فسر لهم نجاحهم بالحظ أو بسهولة المهمة.
ونشرت الدراسة في Journal of Educational Psychology، وألقت الضوء على الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها كلمات البالغين في تصور الطفل لنفسه وسلوكه عند مواجهة المهام الصعبة.
تجربة شملت 210 أطفال
تأثير مدح الأطفال على سلوكهم ( مصادر الصور: Unsplash )
شارك في التجربة 210 أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و6 سنوات، وينتمون إلى أسر حضرية ذات مستوى اقتصادي متوسط.
في المرحلة الأولى، خضع جميع الأطفال لاختبار بسيط في الحساب، صمم بحيث يضمن لهم النجاح.
بعد ذلك، شرح الباحثون سبب نجاح الطفل لكل مجموعة بطريقة مختلفة.
فقيل لبعض الأطفال إنهم نجحوا لأنهم أذكياء، بينما قيل لمجموعة ثانية إنهم نجحوا لأنهم بذلوا جهدا.
أما المجموعة الثالثة، فقيل لها إن النجاح كان بسبب الحظ أو سهولة المهمة، في حين لم تقدم للمجموعة الرابعة أي تفسيرات لنجاحها.
الأطفال الذين وصفوا بأنهم أذكياء غشوا أكثر
بعد ذلك، قدم الباحثون للأطفال اختبارا آخر، صمم بطريقة تتيح لهم الغش أثناء خروج الشخص البالغ من الغرفة.
وجاءت النتائج لافتة.
فقد لجأ 64.3% من الأطفال الذين قيل لهم إنهم أذكياء إلى الغش، مقارنة بـ 38.1% من الأطفال الذين نسب نجاحهم إلى الحظ.
وبلغت نسبة الغش 35.7% لدى الأطفال الذين قيل لهم إن نجاحهم جاء نتيجة بذل الجهد، و21.4% لدى الأطفال الذين فسر نجاحهم بسهولة الأسئلة.
أما الأطفال الذين لم يحصلوا على أي تفسير لنجاحهم، فكانت نسبة الغش بينهم 35.7% أيضا.
وبذلك كان الأطفال الذين تلقوا مدحا مباشرا لذكائهم هم الأكثر ميلا إلى الغش في الاختبار اللاحق.
لماذا قد يدفع مدح الذكاء الطفل إلى الغش؟
يرى الباحثون أن نسب نجاح الطفل إلى قدراته الفطرية يعد نوعا من المدح، لكنه يتجاوز مجرد الإشادة بالإنجاز ليقدم للطفل حكما عاما حول مستوى ذكائه.
ومن جهة، قد يعزز ذلك ثقته بنفسه.
لكن من جهة أخرى، يمكن أن يخلق نوعا من الضغط النفسي، إذ قد يشعر الطفل بأنه مطالب بالحفاظ على صورة «الطفل الذكي» وعدم التعرض للإحراج أو الشعور بالعار عند الفشل.
وعندما تبدو المهمة صعبة للغاية، قد يختار الطفل عدم بذل مزيد من الجهد، أو قد يلجأ إلى طريق غير نزيه حتى يحافظ على الصورة التي تشكلت لديه عن نفسه.
الغش شائع لدى الأطفال في سن مبكرة
تتوافق هذه النتائج مع بيانات سابقة تشير إلى أن الغش بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات شائع جدا، وقد يحدث في أكثر من 90% من الحالات في بعض الاختبارات السلوكية.
لكن مع تقدم الأطفال إلى سن المدرسة الابتدائية، يصبحون أكثر قدرة على تقييم مخاطر الغش وفوائده، كما يصبحون قادرين بشكل أكبر على إصدار أحكام أخلاقية حول الظروف التي يرون فيها أن الغش مقبول أو غير مقبول.
هل الأفضل مدح جهد الطفل بدلا من ذكائه؟
يقترح الباحثون أن أحد البدائل لمدح الذكاء هو التركيز على الجهد والمثابرة.
فالجهد أمر يستطيع الطفل التحكم فيه، كما أن الممارسة المستمرة تساعده على تطوير مهاراته وتحسين أدائه.
ورغم أن الدراسات تشير إلى أن مدح الجهد لا ينجح دائما في تحقيق النتائج المرجوة، فإنه لا توجد له، وفقا للباحثين، عيوب معروفة مشابهة لتلك التي قد تنتج عن التركيز على القدرات الفطرية.
كما تشير النتائج إلى أن التشجيع المباشر على الصدق يمكن أن يكون فعالا أيضا.
فعندما يطلب البالغون من الأطفال عدم النظر إلى إجابات الآخرين، أو عندما يمدحونهم على السلوك الجيد، يصبح الأطفال أقل ميلا إلى الغش.
وتوضح الدراسة أن النجاح قد يكون ممتعا للطفل، لكن الإشادة بالسلوك الصحيح والالتزام بالنزاهة لها قيمة كبيرة أيضا في عملية التربية.