أظهرت اختبارات مخبرية أن مركبات مشتقة من أدوية مضادة للسرطان يمكن أن تقضي على طفيلي الملاريا في مرحلتين مختلفتين من دورة حياته، بما في ذلك المرحلة التي تسبب أعراض المرض لدى الإنسان والمرحلة التي تمكن الطفيلي من الانتقال إلى البعوض.
وتظل الملاريا واحدة من أكثر الأمراض المعدية فتكا في العالم، إذ تودي بحياة مئات الآلاف من الأشخاص سنويا، وخاصة الأطفال الصغار في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وتسبب المرض طفيليات Plasmodium، وينتقل عن طريق البعوض المصاب. ويمكن أن يتطور بسرعة من الحمى والقشعريرة إلى فقر الدم الحاد وفشل الأعضاء والوفاة إذا تأخر العلاج.
علاج الملاريا ( مصدر الصورة: Shutterstock )
طفيلي الملاريا يمر بمراحل متعددة
لا يبقى طفيلي الملاريا في شكل واحد داخل جسم الشخص المصاب.
فهو يتكاثر داخل خلايا الدم، ما يؤدي إلى الحمى المرتبطة بالمرض، ثم يتطور لاحقا إلى ما يعرف باسم الخلايا المشيجية، وهي الأشكال التي تسمح للطفيلي بالانتقال إلى البعوض ومواصلة انتشار العدوى.
وبالتالي، فإن العلاج الفعال يمكن أن يستهدف أكثر من مرحلة معرضة للخطر في دورة حياة الطفيلي.
وأصبحت هذه الحاجة أكثر إلحاحا مع ازدياد مقاومة Plasmodium falciparum، أحد الطفيليات المسببة للملاريا، للأدوية مثل الكلوروكين والأرتيميسينين.
ويعد هذا النوع مسؤولا عن نحو 90% من وفيات الملاريا المقدرة، بينما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الملاريا تسببت في نحو 600 ألف وفاة عام 2024.
مركبات السرطان تستهدف مرحلتين من الطفيلي
اختبر باحثون من كلية العلوم الصيدلانية في جامعة ساو باولو في البرازيل مركبات مشتقة من أدوية مضادة للسرطان لمعرفة ما إذا كان بإمكانها العمل أيضا ضد الملاريا.
واختبر الفريق 14 مركبا مشتقا من دواء مضاد للأورام على مزارع مخبرية لطفيلي P. falciparum.
وبدلا من التأثير في مرحلة واحدة فقط من دورة حياة الطفيلي، تمكنت الجزيئات من القضاء عليه خلال مرحلتي التكاثر اللاجنسي والخلايا المشيجية.
وخلال مرحلة التكاثر اللاجنسي، يتكاثر P. falciparum داخل خلايا الدم، ويسبب الحمى المميزة للملاريا.
ويمنح النشاط ضد هذه المرحلة المركبات إمكانات مستقبلية كعلاجات للأشخاص المصابين بالفعل بالملاريا.
كما هاجمت المركبات الطفيلي خلال المرحلة المسؤولة عن انتقال العدوى.
فالخلايا المشيجية هي الأشكال التي تمكن طفيلي Plasmodium من إصابة البعوض، وبالتالي فإن القضاء عليها قد يقلل قدرة الطفيلي على الانتقال من مضيف إلى آخر.
نجاح مخبري يواجه قيودا عملية
نشرت النتائج في مجلة ACS Omega، لكنها لا تزال مقتصرة على تجارب أجريت في المختبر، ما يعني أن المركبات اختبرت في ظروف مخبرية ولم تختبر بعد داخل كائنات حية.
وأصبح بعض المركبات أقل تأثيرا في الخلايا البشرية مع احتفاظه بنشاطه ضد P. falciparum.
ويشير هذا النمط إلى أن بعض مشتقات هذه المركبات قد تكون أكثر انتقائية لاستهداف الطفيلي، وربما تحمل خطرا أقل لحدوث آثار جانبية خطيرة، إلا أن التجارب داخل الكائنات الحية وحدها يمكن أن تحدد ما إذا كانت هذه الميزة ستستمر داخل الجسم.
السمية لا تزال مصدر قلق
تمثل السمية تحديا مهما، لأن الجزيئات من هذه الفئة ترتبط بالفعل بآثار جانبية.
وقالت سيليا ريجينا دا سيلفا غارسيا، الأستاذة في قسم التحاليل السريرية والسمية في كلية العلوم الصيدلانية بجامعة ساو باولو، إن القلق من هذه الآثار أمر طبيعي، مشيرة إلى أن جزيئات هذه الفئة يمكن أن تسبب التعب والغثيان والقيء وتغيرات دموية، مثل انخفاض عدد الصفائح الدموية.
وتواجه المركبات مشكلة عملية أخرى عند دخولها الجسم، إذ تميل الأدوية من هذه الفئة إلى التحلل بسرعة في هذه الظروف.
ولذلك ستحتاج التجارب المستقبلية إلى تحديد ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على استقرار المركبات الواعدة لفترة كافية حتى تؤدي وظيفتها كعلاجات محتملة.
التركيب الكيميائي يكشف هدفا علاجيا محتملا
يحاول فريق غارسيا معالجة هذه القيود من خلال دراسة العلاقة بين التركيب الكيميائي لكل مشتق وسلوكه.
وأظهرت الاختلافات بين المركبات تأثيرا في طريقة عملها ضد الطفيلي، ما وفر للباحثين وسيلة لتحديد الخصائص الجزيئية التي يمكن أن تساعد على زيادة الفعالية والانتقائية.
كما عززت التجارب الفرضية القائلة إن إنزيمات نازعات أستيل الهستون قد تكون أهدافا علاجية مهمة في مكافحة الملاريا.
ومن خلال تحديد هدف أكثر تحديدا داخل الطفيلي، يستطيع الباحثون تعديل التركيب الكيميائي للمركبات المستقبلية بدلا من اختبار أشكال جديدة بصورة عشوائية.
وقالت غارسيا إن تصميم الأدوية بطريقة عقلانية يسمح بتنقيح التركيب الكيميائي للجزيئات بشكل موجه، مشيرة إلى أن التجارب عززت فرضية كون إنزيمات نازعات أستيل الهستون هدفا علاجيا مهما للملاريا.
وأضافت أن ذلك أتاح للفريق تصميم جزيئات جديدة تتمتع بفعالية وانتقائية متزايدتين ضد الطفيلي.
اختبار المركبات ضد نوع آخر من الملاريا
يمكن مستقبلا اختبار الاستراتيجية نفسها ضد أنواع أخرى من الطفيليات المسببة للملاريا.
ويخطط فريق غارسيا لدراسة المركبات ضد Plasmodium vivax، وهو نوع منتشر في البرازيل ويمكن أن يتسبب في عودة المرض حتى بعد العلاج.
وقالت غارسيا إن P. vivax يمكنه أيضا تكوين أشكال كامنة تعرف باسم الأشكال النائمة أو Hypnozoites، وتستقر هذه الأشكال في الكبد.
كما أن هذا النوع أكثر انتشارا في البلدان الاستوائية.
ولذلك ترى غارسيا أن من المهم تقييم فعالية الأدوية المضادة للملاريا ضد أنواع مختلفة من الطفيليات، للتأكد من قدرتها على العمل في مناطق مختلفة من العالم.