الرأي

واشنطن ما بين تقارب موسكو والرياض

ميشيل كلاغاصي

18 أيلول 2021

مع رحيل دونالد ترامب ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، تغير مناخ العلاقات السعودية الأمريكية، على خلفية العناوين التي أعلنتها الإدارة الجديدة، وبدا السعوديون غير راضين عن إعلان الرئيس بايدن نيته العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة الدولية مع إيران، وبتكرار الحديث عن الانتهاكات السعودية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجهها المملكة لإقناع العالم بحربها على اليمن، وباستمرار إبرام الصفقات لشراء السلاح الأمريكي لمواصلة الحرب الظالمة على اليمن إلى ما لا نهاية.

سحب أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية

ومع إعلان الولايات المتحدة - الحليف الاستراتيجي للمملكة في مواجهة إيران، عن سحب أنظمة الـ "باتريوت" و"ثاد" للدفاع الجوي والدفاع الصاروخي من منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك سحبها من الأراضي السعودية، باتت المملكة في وضع لا تحسد عليه، خصوصاً مع معاناتها وحلفائها الميدانية، بمواجهة القدرات الصاروخية للمقاومة والقوات المسلحة اليمنية.

لم يقتنع السعوديون بمبررات البنتاغون لسحب أنظمة مضادات الطائرات، وبأن "عددها المحدود"، والحاجة لاستخدامها في مناطق أخرى ضد الصين وكوريا الشمالية استدعى سحبها.. ومع ذلك، لا يستبعد الخبراء السعوديون أن يكون أحد الأسباب الحقيقية لهذه الخطوة هو عدم قدرة أنظمة الـ "باتريوت" الواضحة على مواجهة الطائرات المسيرة، وهذا بدوره يصيب سمعة الصناعات الحربية الأمريكية بشكل عام، وأنظمة الدفاع الصاروخي بشكل خاص، لكن السعوديون ينظرون للأمر من زاوية أخرى، عبر عنها الأمير تركي الفيصل، بأنه على واشنطن التوقف عن سحب أنظمة الباتريوت من المملكة "لإثبات صداقتها" مع المملكة.

في ظل هذه الظروف، وبوجود صعوبات أخرى بين واشنطن والرياض، من بينها الحديث عن رَفعِ السرية عن ملف اتهام ولي العهد السعودي بقتل جمال خاشقجي، وهزائمها في اليمن ولبنان، تجد المملكة نفسها بحاجة ماسة للتفكير في تنويع علاقاتها، ومصادر مشترياتها العسكرية، ولن يكون مستغرباً أن تتحول أنظارها نحو روسيا، بأسلحتها المتفوقة والتي أثبتت فعاليتها في عديد الجبهات الساخنة.

العلاقات السعودية الروسية

بات معروفاً أنه منذ بداية عام 2020، بدأت المملكة بالتفكير الجدي بكسر اعتمادها الكلي على أنظمة الأسلحة الأمريكية، واتجهت للتفاوض مع موسكو للحصول على أنظمة الدفاع الجوي الروسية S-400، خصوصاً بعد تعرضها لهجمات طالت أهدافاً حيوية في الداخل السعودي، بالإضافة إلى انكشاف حقيقة أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للدفاع عمن يعتقدون بصداقتها وبالتحالف معها، وبأن الذاكرة السعودية التي لم تنس ما قاله الرئيس ترامب للملك السعودي "ادفعوا لنحميكم".

لكن ماذا عن المصدر الروسي "البديل"؟ إذ لم تكن تحظى العلاقات الروسية - السعودية يوماً بالدفء والثقة المتبادلة، لكنها أيضاً لم تكن لتتسم بالعداء، واستطاع الطرفان النجاح بالاقتراب خطوة نحو بعضهما البعض، وبإعادة تقييم المصالح المشتركة.

ولا يخفي السعوديون امتعاضهم من العلاقات الإستراتيجية بين موسكو وطهران، التي لطالما تعتبر هذه الأخيرة تشكل مصدراً لتهديد المملكة ومصالحها وجيرانها في المنطقة، ناهيك عن علاقاتها بقطر، والبون الشاسع بمواقف موسكو والرياض من عديد القضايا حول العالم، وأقله في الشرق الأوسط، ومع ذلك اتجهت المملكة للتعاون مع روسيا. وأوضح وزير الثقافة والإعلام أن المملكة تسعى من خلال التقارب مع موسكو إلى "تنويع سياستها الخارجية وعلاقاتها الاقتصادية الخارجية، بما يقتضيه تنفيذ برنامج التنمية الاستراتيجية رؤية المملكة العربية السعودية 2030".. كما ساهمت الزيارات المتبادلة الأخيرة التي قام بها الرئيس بوتين إلى الرياض، وأمراء وملك السعودية إلى موسكو، بتعزيز الاتصالات التجارية والتعاون العسكري بين البلدين.

وإذا كانت هناك عديد المسائل الخلافية بين موسكو والرياض، إلاّ أنه وبالمقابل، تتطابق وجهات نظر البلدين في العديد من القضايا، كقيام دولة فلسطين داخل حدود عام 1967، كذلك مناهضة واعتبار تنظيم الإخوان المسلمين تنظيماً "إرهابياً"، بالإضافة إلى العلاقات النفطية، واهتمام الطرفين برفع أسعار النفط العالمي.

الموقف الأمريكي من التقارب الروسي السعودي

لكن ماذا عن الموقف الأمريكي لهذا التقارب؟ ففي ظل تعقيد العلاقات السعودية – الأمريكية وتجذرها لعقود طويلة، أظهرت واشنطن استياءً تمثل بدعوة الرياض وحلفائها إلى تجنب الصفقات الدفاعية المهمة مع روسيا، كما أجّل وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن زيارته المقررة في آب المنصرم إلى المملكة تحت مزاعم "مشاكل الجدول الزمني".

وعلى الرغم من القلق الأمريكي من التقارب السعودي مع روسيا والصين، لا تزال الولايات المتحدة تتمسك بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة من خلال علاقاتها مع الرياض. كذلك على المقلب السعودي، لا يمكن للرياض أن تدير ظهرها للولايات المتحدة، ويبقى من الهام البحث في جوهر قرار واشنطن بسحب أنظمتها الصاروخية الدفاعية من المملكة، والذي يبدو أنه لا يتعلق بالعلاقات المباشرة والطبيعية بينهما، وقد تكون واشنطن تبحث عن سبل تعزيز توجيه المملكة نحو التطبيع والعلاقات مع تل أبيب، لإيجاد المبرر تحت عنوان الأمن القومي للمملكة، في ظل استمرار الحرب على اليمن، ولحين تبلور ملامح جديدة في المنطقة العربية وانضمام دول خليجية أخرى إلى توقيع معاهدات السلام، بما يمنح الكيان الإسرائيلي الطمأنينة حيال وجوده وبقائه، وبما يخدم مصلحة الولايات المتحدة بالانسحاب من العراق وسورية بعد انسحابها من أفغانستان.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"