إحسان عبد القدوس.. ومضات من سيرة عريقة

الرأي

إحسان عبد القدوس.. ومضات من سيرة عريقة

عبد العزيز بدر القطان

30 تموز 2021

لا أستطيع نكران الحالة الرائعة التي تحدث لي عندما أنقب في شخصية ما سواء على صعيد الدين أو الأدب أو القانون وحتى السياسة، كلنا من أزمنة مختلفة، لكن القواسم المشتركة كثيرة، فمحبتي للقراءة، جعلتني أتعرف عليهم، وهم في فتراتهم كانوا كذلك، وكم أرغب في أن تحدث معجزة إلهية، ويخرج لدينا في زمننا المعاصر مبدعين مثلهم، أو مشابهين لهم، فالإبداع ميزة يطورها الشخص أو تندثر ولا يستطيع أحد نفض غبار الزمن عنها.

اليوم وددت الإبحار في شخصية الأديب المصري الكبير "إحسان عبد القدوس"، الذي أحدث نقلة نوعية في الرواية العربية وله كم كبير من الروايات بلغت أكثر من 600 رواية وقصة تُرجم بعضها إلى لغاتٍ أجنبية، هذه الشخصية لم تكن ظروفها كباقي الشخصيات، لكن هذه الظروف التي كانت عبارة عن خطوط متقاطعة من حياته، سيرة نشأته وظروف ولادته، وحرمانه من والدته في طفولته، وأسباب هذا الحرمان، وحتى شخصية والدته نفسها التي تحدت أعراف المجتمع وتقاليده السائدة المهيمنة، ووقفت على خشبة المسرح، ومن ثم قررت إصدار مجلتها الشهيرة "روز اليوسف"، ما ساهم في تشكيل وجدان إحسان الذي رفض الاستمرار في مهنة المحاماة، بسبب نداهة الأدب والسياسة. ليخرج بكم كبير من هذا الإبداع الذي عرفناه من خلال أعماله الخالدة.

ولد إحسان عبد القدوس محمد رضوان عبد القدوس يوم 1 يناير/كانون الثاني عام 1919 في العاصمة المصرية القاهرة، لأب مهندس بمصلحة الطرق وكاتب ومؤلف أحب التمثيل وامتهنه، وأم اسمها "فاطمة" (عرفت لاحقاً بـ"روز اليوسف") من أصل لبناني – تركي، تربى إحسان في بيت جده لوالده "الشيخ رضوان" الذي تعود جذوره إلى الريف، وكان الجد من خريجي الأزهر ويعمل رئيس كتاب بالمحاكم الشرعية، وفي نفس الوقت كانت والدته الفنانة والصحفية روز اليوسف سيدة "متحررة"، تفتح بيتها لعقد ندوات ثقافية وسياسية، يشترك فيها كبار الشعراء والأدباء والسياسيين ورجال الفن.(1)

هذا التناقض بين خلفية إحسان ونشأته قد يراه البعض سلبياً أو في مواضع كثيرة أنه خطأ، لكن كان سبباً ربما وبقراءاتي الشخصية أن فجّر الإبداع الذي كان كامناً في شخصية عبد القدوس حيث عكسه لصالحه واستثمره بطريقة ذكية جداً، ربما يعجز كثيرون عن تحقيقه لا بل يحاولون الالتفاف أو الاختباء، خاصة وأن في تلك الحقبة التي كان الفن فيها من الممكن القول إنه من السلبيات الاجتماعية، بحسب البيئة والزمان والمكان وبروز الأزهر الشريف والحركات الدينية التي كانت سائدة أكثر من الفن بمختلف ألوانه.

ورغم أن إحسان درس القانون لكنه لم يستمر في مهنة المحاماة، والتحق بعد تخرجه إلى أسرة تحرير مجلة "روز اليوسف" الأسبوعية -التي كانت والدته ترأس تحريرها- وبدأ يكتب المقالات السياسية، ومن أشهرها حملته الصحفية الناجحة التي تناول فيها صفقة "الأسلحة الفاسدة" للجيش المصري 1948، وبسبب تلك المقالات وغيرها تعرض عدة مرات لمحاولات اغتيال، كما دخل السجن الحربي مرتين عقب ثورة 1952، وبدأ خوض غمار كتابة نصوص الأفلام والقصص القصيرة والروايات في العام 1944، بالتالي تفرغ كلياً للصحافة والأدب، وأصبح في بضع سنوات صحفياً وكاتباً سياسياً وروائياً متميزاً، وتهيأت له في مجلة "روز اليوسف"، الفرصة كاملة للعمل والنجاح، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مجلة "روز اليوسف" كانت من المجلات المشهورة والجريئة في زمن تقلبات وتبدلات سياسية وثورات وانفتاح وعلمانية لم تكن ظاهرة بمعناها الواسع لكن الظروف التي نشأت فيها تثبت جرأتها وتربعها على عرش الصحافة في ذاك الزمان، وبنفس الوقت لو لم تكن الصحيفة موجودة ووالدة إحسان بهذا الانفتاح والتحرر، لربما كان لمكانٍ ما قد وجد بعض الصعوبات خاصة إن لم ترق كتاباته النخب السياسية فالقلم الجريء يشكل خطراً على صاحبه، خاصة وأنه كان ناقداً كبيراً.

إذاً، إن عالَم إحسان متنوع، فعالم جده أزهري متمسك بالدين والشريعة، وعالم والدته التي اهتمت بالفن والتمثيل، حتى والده المهندس الذي تفرغ لكتابة المسرحيات، هذا العالم على تنوعه صقل شخصية إحسان الأدبية والسياسية، حتى كتاباته السياسية التي تميزت كما أشرنا بالجرأة وكانت سبباً في سجنه، ويُضاف إلى كل ذلك زوجته السيدة لواحظ المهيلمي التي ساندته ووقفت بجواره، أيضاً، علاقته بالرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، لقد كان إحسان كاتباً صحفياً وطنياً جريئاً جسوراً، بمقالاته الصحفية، الأدبية والسياسية والاجتماعية والوطنية، والمذكرات، وكاتباً اجتماعياً وسياسياً خبيراً، أثارت أعماله القصصية والروائية الجدل في الوسط الأدبي، وكان متأثراً بأعمال ألبرتو مورافيا وفرانسوا ساجان، واوسكار وايلد.

قيل إن رواياته الجريئة لم تكن مناسبة أبدأ، مثل رواية "ألف وثلاثة عيون" التي أحيلت إلى لجنة للتحقيق حولها آنذاك، كذلك اعترض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر علي روايته "البنات والصيف" لجرأتها المبالغ فيها، وقد رد عليه إحسان بأن أعماله الروائية هي من صميم الواقع بل وأن الواقع اجتماعياً هو أبلغ من ذلك. حتى وصفه يحيى حقي بأنه الكاهن الأعظم في محراب الحب لأنه حلل العلاقة بين الرجل والمرأة بطريقة لم يقم بها أحداً غيره. كما قال عنه نجيب محفوظ إنه قاسم أمين الأدب، هذه الجرأة نادرة، فلسفته العميقة جعلت أعماله خالدة، رغم ان الكثير في زمنه حاربه لكنه انتصر وجرّد الكلمة من ترّهات التفكير المحصور في صندوق، وخرج إلى دنيا الإبداع من أوسع أبوابه.

إحسان عبد القدوس شغل القرّاء بكتاباته التي تحول معظمها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية، وانتصر لحرية المرأة ودافع عن حقوقها كشرط لحرية المجتمع، لكن وبحسب بعض النقاد أن الأفلام حرّفت نهاياتها فذهبت بعيداً عن قصد إحسان، وبهذا ظلم لهذا الأديب العظيم، إحسان كان يعرف دور الفن، ولذلك نجده في رواياته يقدم الواقع كما هو، من دون تزييف، مع العلم أن هناك أعمالاً كثيرة له استعصت على السينما، بخاصة كتاباته النفسية، مثل رواية "ثقوب الثوب الأسود"، حتى في السياسية فالفترة التي كتب فيها مقالاته "على مقهى الشارع السياسي" بحكم الظروف التي تطلبت ذلك، إحسان عبد القدوس عاش في فترة من أزهى المراحل الثقافية في مصر، كان من الممكن طرح الأفكار الجريئة رغم بعض القيود كما أسلفت، بخاصة أنها كانت عقب الفترة التنويرية مباشرة، وكانت البلد لا تزال تتمتع بآثار المد الليبرالي، كما أنه بعد ثورة يوليو لم يكن هناك قيود كبيرة، عملياً لقد عاش صادقاً مع قلمه، ومع أفكاره الجريئة.

يعدُّ إحسان عبد القدوس من الروائيّين الذي كرّسوا أنفسهم لنقل أفكار واقعية برومانسية المطلقة، رغم دوران أحداث رواياته في ظل أحداث سياسية أو حراكات مجتمعية هائلة كنضال المصريين ضد الاحتلال، وكل ذلك دون أن يتبنى في أدبه أيّة أفكار أيديولوجية أو عقائدية مباشرة وظاهرة، تتسع الصراعات في نصوصه من النطاق الخاص لحيوات النساء إلى الصراع الذي شغل الوطن، في كتابة مفعمة بالحكايات الغريبة السرية، الصادمة للكثيرين، السرد المكتظ بأشكال من الحركة والتطورات، والترقب والصور المفاجئة، التي تجعل القارئ شغوفاً ومتشوقاً، يطارد حروفه إلى آخر فقرة وكلمة من الرواية، ربما بدَت تلك المقاييس ملائمة لنِسب التوزيع وعدد الطبعات، لكنها ليست معياراً للقيمة الأدبية، لكن نصوصه تميزت باللغة السَّلِسة المرنة، التراكيب التي تمسك بجوهر القضايا والمشاعر في جُمل واضحة وجريئة، صياغات تتمتع بالقوة والجسارة في تناول الحياة العاطفية والجنسية لأبطاله، كما تمتعت بسَرْد درامي متماسك، ضمن حبكة عاطفية تشويقية، في مشاهد تعتني بالتفاصيل، التي تجعل النَّص محفِّزاً لتقديمه سينمائياً، آمن إحسان بأن السينما من أهم المنابر، التي توصل رسالته لتغيير النسق الثقافي للمجتمع.(2)

ظهرت أولى قصص إحسان بعنوان "صانع الحب" 1948، ثم "بائع الحب" 1949، ثم القصة الطويلة "أنا حرة" 1954 التي تحولت إلى فيلم سينمائي، ثم توالت أعماله الأدبية، كتب أكثر من ستمائة قصة ورواية، منها 49 رواية حُولت إلى نصوص للأفلام، وخمس روايات حُولت إلى نصوص مسرحية، وتسع روايات أصبحت مسلسلات إذاعية، و10 روايات حُولت إلى مسلسلات تليفزيونية، إضافة إلى 65 رواية تـُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، من بين قصصه رواياته الشهيرة: "الوسادة الخالية"، "لا أنام"، "في بيتنا رجل"، "شيء في صدري"، "البنات والصيف"، "لا تطفئ الشمس"، "لا شيء يهم"، "الرصاصة لا تزال في جيـبي"، "الراقصة والسياسي"، "لن أعيش في جلباب أبي"، "يا عزيزي كلنا لصوص"، "الحب في رحاب الله"، أما في مجال الكتابة السياسية، فقد كانت له زاوية أسبوعية في مجلة "أكتوبر" خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين بعنوان "على مقهى في الشارع السياسي"، ثم انتقلت إلى "الأهرام" في الثمانينيات.(3)

أخيراً، من خلال تجاربه وثقافته وكتاباته- توصَّل إحسان إلى أن الوعي والإرادة والاختيار تُعَدّ الأدوات الحقيقيةَ، التي تُمكن المرأة والرَّجُل من الحفاظ على كينونتهما، والارتقاء بها بجوار الأدوار والمعاني الطبيعية في الحياة، لتطوى صفحة كاتب عظيم وروائي فذ، غادرنا جسداً لكن أعماله حاضرة حولنا فبي تفاصيلنا عندما كنا يافعين، كان الجسر الممتد لتذوق المعاني والخيال لكلٍّ منا، وترجل الفارس في العام 1992، وللحديث بقية.


ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"