عادات الأجداد قد تؤثر في تطور الأجيال اللاحقة وصحتها

علوم

الأحداث التي مرَّ بها الجدّان تؤثر في جينات الأحفاد

2 تشرين الأول 2022

في أعقاب اكتشاف الحمض النووي، عُدت شفرة الحمض النووي بداية ونهاية الوراثة الجينية. ونُدرك اليوم أن الوسمات الكيميائية المرتبطة بأقسام رئيسية من التسلسل الجيني لا تؤثر فقط في طريقة قراءة الجينات، بل قد تتغير تبعاً للبيئة التي يتعرض لها الكائن الحي. وهذه التغيرات قد تنتقل من جيل إلى جيل.

يطلق على هذه العملية اسم الوراثة اللاجينية (أو الوراثة ما فوق الجينية) عبر الأجيال، وقد تكون طريقاً تؤثر صحة الوالدين من خلاله أو نمط حياتهما أو حتى بيئتهما في صحة الأبناء ونموهم. ومع أن هذه التغييرات تبدو واضحة، إلا أن الآليات الدقيقة المؤثرة لم تُفهم بالكامل بعد.

انتقال التحور اللاجيني عبر الأجيال

وأظهرت دراسة جديدة على الديدان الأسطوانية كيف يمكن أن ينتقل تحور لاجيني شائع عبر ثلاثة أجيال عن طريق الحيوانات المنوية، ويؤثر في نشاط الجين وتطوره لدى الذرية.

وعلى الرغم من أن الأدلة البشرية على مثل هذه الذاكرة اللاجينية الدائمة لا تزال ضئيلة، إلا أن دراسة الديدان الأسطوانية (أو الربداء الرشيقة) تتيح معلومات كثيرة.

قالت سوزان ستروم، عالمة الأحياء الجزيئية والخلوية في جامعة كاليفورنيا: "تؤسس هذه النتائج علاقة "سببٍ ونتيجةٍ" بين وسمات الهيستون المنقولة بالحيوانات المنوية وبين التعبير الجيني والتطور لدى الأحفاد والذرية".

والتحورات اللاجينية هي جزيئات تضاف إلى الحمض النووي وتأتي في عدة أشكال وتتحكم بوقت اتباع التعليمات الجينية وطريقة اتباعها.

وإذا لم تتمكن آلة الخلية المسؤولة عن قراءة جينومها من الوصول إلى جينات معينة لأن الجزيئات الضخمة تحول دون ذلك، فلن تُحل شفرة تلك الجينات لتصبح بروتينات. وقد يكون لف خيوط طويلة من الحمض النووي حول عُقد بروتينية رئيسية تسمى الهيستونات بإحكام تأثير مماثل.

وظن علماء أن معظم هذه التحورات اللاجينية قد تمحى و"يعاد ضبطها" بعد عملية التلقيح، حيث تعاد برمجة الخلايا الجنسية لضمان التطور الطبيعي. ولكن تظهر الدراسات على الحيوانات (بينها عدد من الدراسات أجريت على الثدييات) أن بعض التحورات اللاجينية قد تنجو من إعادة البرمجة وتنتقل عبر الأجيال.

واستخدمت هذه الدراسة الحديثة الديدان الأسطوانية نموذجاً للتحقق من احتمال الاحتفاظ بالوسمات اللاجينية أو إعادة كتابتها لدى أجنة الدودة الأسطوانية، وإذا ظلت موجودة، فكيف تؤثر هذه الوسمات في التعبير الجيني لدى النسل.

وركزت التجارب على الوسمة اللاجينية على بروتين الهيستون التي تجعل الحمض النووي أكثر كثافة، ما يؤدي بدوره إلى إيقاف تشغيل الجينات في تلك المنطقة.

وجرّد الباحثون بشكل انتقائي وسمة الهيستون هذه من صبغيات الحيوانات المنوية المأخوذة من الديدان الأسطوانية، والتي تُستخدم بعد ذلك لتلقيح البويضات بالكروموسومات الموسومة بالكامل.

بعد ذلك، نظروا في مستويات النشاط الجيني لدى النسل الناتج ووجدوا أن الجينات الموجودة على الكروموسومات الموروثة من الحيوانات المنوية لم تعد مكبوحة.

وأوضحت ستروم أن "بعض الجينات اشتغلت بطريقة غير مألوفة وبقيت في حالة تفتقر فيها إلى الوسمة الكابحة، بينما استعاد باقي الجينوم الوسمة الأصلية، ونُقل هذا النمط إلى الأبناء".

وأضافت: "نتوقع أن ينتقل هذا النمط إلى أجيال عديدة إذا احتُفظ له في حزم الحمض النووي في الخلايا الجنسية".

أثر حياة الأجداد في الأحفاد

وكشفت بعض الدراسات النادرة التي أجريت على البشر عن أدلة على أن درجة توفر الطعام لدى الأجداد يؤثر في النتائج الصحية لنسل أطفالهم بعد جيلين.

وبحثت أبحاث أخرى في الروابط بين صحة الأم والأطفال، مثل التدخين والربو في مرحلة الطفولة، وأظهرت كيف تنقش أحداث الطفولة المبكرة تحورات كيميائية على الحمض النووي للشخص، والتي تؤثر بدورها في صحته في وقت لاحق من الحياة.

لكن الدراسات البشرية التي ترسم صلة مباشرة بين صحة الوالدين والتحورات اللاجينية في الخلايا الجنسية والتبعات على النسل "غير موجودة فعلياً" كما وصفتها إحدى المراجعات الميدانية، ويرجع ذلك جزئياً إلى قيود الدراسات الوبائية التي لا يمكنها إلا رسم ارتباطات وليس علاقات سببية.

كما يعد فصل تأثير الوسمات اللاجينية عن التأثيرات الجينية والثقافية والسلوكية تحدياً كبيراً أيضاً، فكيف نبدأ في فصل الجينات عن الظروف الاجتماعية أو الظروف البيئية التي تستمر عبر الأجيال؟

هذا هو السبب الذي يوضح أهمية الدراسات التي أجريت على الحيوانات، مثل هذه الدراسة، في "توضيح كيف يمكن للوراثة اللاجينية أن تصوغ تطور الأجيال اللاحقة وصحتها"، كما كتبت ستروم وزملاؤها في بحثهم.

قال الفريق إن النتائج التي توصلوا إليها تعكس النتائج التي تأتت من خلايا الثدييات المزروعة في المختبر، وأن دراسات أخرى حديثة أشارت إلى أن وسمات الهيستون الموروثة من الحيوانات المنوية موجودة لدى الفئران أيضاً.

وقد تعني هذه الدراسات المتشابهة أن هذه الآلية قد تمتد أيضاً إلى البشر. ولكن ما زلنا لا نعرف الكثير عن طريقة عمل الوراثة اللاجينية على مدى أجيال متعددة، أو ما إذا كانت تعمل بالفعل.

ونظراً للعقبات الأخلاقية واللوجستية للتحقيق في مثل هذه الأسئلة لدى البشر، فقد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى نقوم بذلك.

pnas