الهيدروجين الأبيض ثورة الطاقة النظيفة المدفونة تحت الأرض

اكتشاف الهيدروجين الأبيض ثروة نظيفة مدفونة في باطن الأرض اكتشاف الهيدروجين الأبيض ثروة نظيفة مدفونة في باطن الأرض

اكتشف العلماء وجود خزانات ضخمة للهيدروجين الطبيعي، المعروف بـ"الهيدروجين الأبيض"، مختبئة تحت سطح الأرض، مما يشعل سباقا عالميا جديدا للبحث والتنقيب عنه.

ويعد الهيدروجين أخف العناصر الكيميائية، ويستخدم حاليا في صناعات التكرير والأسمدة، ومعظم إنتاجه يعتمد على الغاز والفحم الملوثين، لكن التقديرات تشير إلى أن اكتشاف نسبة ضئيلة قابلة للاستخراج قد يغطي الطلب العالمي لعقود.

ومع تزايد الاهتمام بالطاقة النظيفة، تتسارع الشركات والحكومات نحو التوسع في التنقيب عن هذا المصدر الطبيعي الأقل كلفة والأكثر نظافة مقارنة بالطرق التقليدية.

الفرص الاقتصادية والتقنية لاستخراج الهيدروجين الطبيعي

ويشير تقرير صادر عن المسح الجيولوجي الأمريكي (USGS) إلى وجود ما بين مليار و10 تريليونات طن من الهيدروجين الأبيض في باطن الأرض، مع تقدير وسط يبلغ 5.6 تريليونات طن. وإذا تمكن العلماء من استغلال نسبة 2% فقط، فيمكنها تلبية الطلب العالمي على الهيدروجين لمدة تقارب 200 عاما.

وينبع هذا الهيدروجين من تفاعل الماء مع الصخور الغنية بالحديد في عمق الأرض، في عملية تعرف بـ"التعرف على السترينيت"، وبعد تكونه يتسرب الغاز عبر مسام الصخور حتى يعلق تحت طبقات غير منفذة كطبقات الملح أو الصخر الزيتي، مما يسمح بتكون خزانات قابلة للاستغلال.

وإن الحفر الاستكشافي بدأ بالفعل في أستراليا والولايات المتحدة وفرنسا، بدعم تقني واستثماري من شركات كبرى، وقد تراوحت الاستثمارات في هذا القطاع حتى الآن بحوالي مليار دولار، وهو ما يوضح حجم التفاؤل الذي يرافق هذا الاكتشاف، فتقنيات التنقيب الجديدة تعتمد على دمج الجيولوجيا والفيزياء الجيولوجية والكيمياء لكشف مواقع هذه الخزانات بكفاءة، مبتعدة عن الطرق التقليدية المكلفة والمعتمدة على التخمين.

مخاطر بيئية وجيولوجية لاستخراج الهيدروجين أبيض لا يجب تجاهلها

ورغم التفاؤل تظل الشكوك قائمة حول إمكان تحقيق إنتاج اقتصادي لهيدروجين أبيض بكثافة تجارية، ويؤكد عدد من الخبراء أن نسبة التكون الطبيعي للهيدروجين قد تكون أبطأ بكثير من مستوى الاستهلاك المتوقع، ما يثير تساؤلا حول مدى تجدد هذه الخزانات واستمراريتها، كما أن الهيدروجين الطبيعي غالبا ما يكون مختلطا مع الغاز الطبيعي أو قريبا منه، مما قد يزيد تكاليف النقاء والمعالجة، وهو ما يمكن أن يقلل من فوائده البيئية إذا لم تعالج نسب الميثان المصاحبة.

وهناك أيضا مخاوف من تسرب الهيدروجين أثناء الاستخراج، مما قد يطيل أمد غاز الميثان الضار في طبقات الجو، وقد يتسبب في تأثيرات مناخية سلبية تفوق فوائده إذا لم تبطل بشكل مناسب، كما أن استخراج الهيدروجين الأبيض قد يؤثر على النظم الجيولوجية والحياتية الدقيقة الموجودة في الأعماق، والتي تلعب دورا حيويا في دورات العناصر الكيميائية على الأرض، لذا تنادي بعض الأصوات بضرورة توخي الحذر وإجراء تقييمات دقيقة للبيئة الجيولوجية قبل الاندفاع نحو استخراجه.

آفاق تطوير صناعة الهيدروجين الأبيض ومستقبل الطاقة النظيفة

وفي الوقت الراهن إن الهيدروجين الأبيض يستخدم تجاريا فقط في قرية بوراكبوغو بغرب مالي، حيث اكتشف بالصدفة أثناء حفر بئر مياه عام 1987، وقد تم استغلاله لتوليد الكهرباء للقرية، مما أثبت إمكان الاستفادة العملية من المصدر الطبيعي، ومن المتوقع أن تشهد الأعوام المقبلة مزيدا من التنقيب، خصوصا في مناطق جبال الألب والهيمالايا التي تظهر فيها الظروف الجيولوجية المناسبة بحسب دراسات حديثة.

وتعتزم شركات مثل "مانتل 8" بدء أول آبار استكشافية في جبال البيرينيه عام 2028، مع تحقيق أول إنتاج بحلول عام 2030 بتكلفة لا تتجاوز 0.80 دولار للكيلوغرام، مما يجعلها أرخص من الهيدروجين الأخضر.

ورغم ذلك يشير متخصصون إلى أن استغلال هذا المصدر وتحويله إلى صناعة مستدامة قد يستغرق عقدا إضافيا على الأقل، لارتفاع التحديات التقنية والتنظيمية اللازمة لضمان استمرارية الإنتاج وتقليل الانبعاثات والتسربات.