أظهرت دراسة حديثة نشرت في أغسطس 2025 أن الاعتماد المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي قد يؤدي إلى تدهور المهارات التشخيصية عند الأطباء مع مرور الوقت، ورغم أن هذه التقنية أثبتت فعاليتها في تحسين قدرة الأطباء على اكتشاف الأورام ما قبل السرطانية خلال عمليات تنظير القولون، إلا أن النتائج كشفت عن مفارقة مثيرة للقلق، فعندما تمت مقارنة أداء الأطباء في غياب الذكاء الاصطناعي، لوحظ تراجع ملحوظ في دقة تشخيصهم.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الظاهرة تعكس ما يعرف بـ"تآكل المهارات" (De-skilling)، حيث يصبح الأطباء معتمدين بشكل شبه كلي على توجيهات الأنظمة الذكية، مما يقلل من حافزهم للتفكير النقدي والتحليل العميق عند اتخاذ القرارات التشخيصية، وقد عبر الفريق البحثي عن قلقهم من أن يصبح الأطباء "أقل تركيزا وأقل مسؤولية" عند العمل دون مساعدة الذكاء الاصطناعي.
انخفاض معدلات الكشف عن الأورام عند عدم توفر المساعدة التقنية
اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات من أربع مراكز طبية متخصصة في بولندا، حيث تمت مقارنة أداء الأطباء قبل وبعد تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة، وخلال التجارب تم إجراء عمليات تنظير القولون بشكل عشوائي، بعضها باستخدام الذكاء الاصطناعي والبعض الآخر بالاعتماد الكلي على الخبرة البشرية.
وكانت النتائج صادمة للباحثين حيث انخفضت قدرة الأطباء على اكتشاف الأورام بنسبة تقارب 20% عند عدم توفر المساعدة التقنية، ويوضح الدكتور "يوتشي موري" أحد المشاركين في الدراسة من جامعة أوسلو، أن هذه النسبة قد تزيد مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي وزيادة تعقيدها، ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على الأطباء ذوي الخبرة فحسب، بل قد تكون أكثر خطورة على الأطباء حديثي التخرج والمتدربين الذين لم يبنوا بعد أساسا قويا من المهارات السريرية.
الذكاء الاصطناعي وجودة الرعاية الطبيةالاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي خطر حقيقي على جودة الرعاية الطبية
وعبر عدد من الخبراء في مجال الجهاز الهضمي عن قلقهم البالغ إزاء هذه الظاهرة فحذروا من أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى "تآكل بطيء ولكن ثابت" للمهارات الأساسية التي تعد ضرورية لإجراء عمليات التنظير الدقيقة.
وأشار إلى أن الأطباء المشاركين في الدراسة كانوا من ذوي الخبرة العالية، حيث أجرى كل منهم أكثر من ألفي عملية تنظير قبل بدء البحث، وهذا يعني أن التأثير على الأطباء الأقل خبرة قد يكون أكثر حدة، مما يهدد بتراجع جودة التشخيص على المدى الطويل، كما أثار تساؤلات حول كيفية إعداد الأطباء الجدد لممارسة مهنتهم في عصر يسيطر فيه الذكاء الاصطناعي على العديد من الجوانب التشخيصية.
الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة وليس بديلا عن الخبرة البشرية
في ضوء هذه النتائج يدعو الخبراء إلى إعادة تقييم طريقة دمج الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية اليومية، فبينما لا يمكن إنكار الفوائد الكبيرة لهذه التقنية في تحسين دقة التشخيص وتقليل الأخطاء الطبية، إلا أن الاعتماد الكامل عليها قد يحمل في طياته مخاطر غير متوقعة.
ويقترح بعض الباحثين تطوير برامج تدريبية جديدة تعزز المهارات السريرية الأساسية للأطباء، مع ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة وليس بديلا عن الخبرة البشرية، كما يشددون على أهمية الحفاظ على التفكير النقدي والقدرة على التحليل السريري المستقل، حتى في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة.
ويبقى السؤال الأكبر هل نحن على وشك دخول عصر يصبح فيه الأطباء مجرد مشرفين على قرارات تتخذها الآلات؟ أم أن القطاع الطبي قادر على إيجاد توازن يحفظ مكانة الطبيب كمحور أساسي في العملية التشخيصية