كشف باحثون من معهد الكيمياء الحيوية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم (РАН) ومعهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا (МФТИ) عن ببتيدات فريدة من نوعها في سمّ أحد أنواع العناكب الإفريقية تُعرف باسم العنكبوت الطائر Pterinochilus murinus.
تبيّن أن هذه الجزيئات الصغيرة، التي أُطلق عليها اسم «المورينو توكسينات» (Murine Toxins) نسبةً إلى العنكبوت الذي تم استخلاصها منه، تمتلك قدرة مدهشة على حجب قنوات البوتاسيوم العصبية بشكل انتقائي، وهو ما قد يفتح الباب أمام ابتكار أدوية جديدة لعلاج أمراض الجهاز العصبي والدماغ.
السموم الطبيعية من أعداء الطبيعة إلى أمل البشرية
على مدى ملايين السنين، طوّرت الكائنات السامة كوكتيلات معقدة من السموم لأغراض الدفاع والصيد. واليوم، تحوّل هذه الجزيئات السامة إلى كنز علمي في مجال علم الأدوية، حيث تحتوي على مركّبات عالية الانتقائية يمكنها استهداف أجزاء محددة في الخلايا الحية بدقة مذهلة ودون آثار جانبية كبيرة.
ومن بين هذه المركّبات، تبرز الببتيدات — وهي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية تتميز بقدرتها على التفاعل الانتقائي مع الأهداف البيولوجية، مما يجعلها مرشحة مثالية لتطوير أدوية دقيقة وفعالة.
اكتشاف روسي يغيّر المفهوم العلمي لسموم العناكب
خلال دراسة سمّ العنكبوت الإفريقي Pterinochilus murinus، المعروف بلونه الزاهي وسلوكه العدواني، نجح العلماء الروس في عزل نوع جديد من السموم الببتيدية غير المعروفة سابقاً.
أظهرت التحليلات أن هذه السموم تمتلك تركيباً فريداً ومجموعة غير معتادة من الأحماض الأمينية، تختلف جذرياً عن جميع السموم العنكبوتية المعروفة.
ومن المثير للدهشة أن آلية عمل هذه السموم تشبه سمّ العقارب أكثر من سمّ العناكب، إذ تعمل كموانع فيزيائية لقنوات البوتاسيوم العصبية، فتمنع مرور الأيونات عبر أغشية الخلايا العصبية في كل من الجهازين العصبي المركزي والطرفي.
اختراق علمي مزدوج
يشير الباحث أليكسي كوزمينكوف، كبير الباحثين في مختبر الأدوات الجزيئية لعلم الأعصاب التابع لمعهد الكيمياء الحيوية الروسي، إلى أن هذا الاكتشاف يمثل اختراقاً علمياً مزدوجاً، إذ يجمع بين آلية تثبيط جديدة تماماً وبنية جزيئية لم تُعرف من قبل.
وأضاف قائلاً: "لقد عرف المجتمع العلمي منذ عقود سموم العناكب التي تؤثر على قنوات البوتاسيوم، منذ أبحاث الحائز على جائزة نوبل رودريك ماكينون. لكننا اليوم — بعد ثلاثين عاماً — اكتشفنا فئة جديدة كلياً من هذه الببتيدات ذات التركيب الفريد وآلية العمل المغايرة."
ويعتقد العلماء أن هذه الببتيدات يمكن أن تُستخدم لتصميم أدوية فعالة ضد أمراض مثل الصرع واضطرابات الإشارات العصبية، عبر استهداف أنواع محددة من قنوات البوتاسيوم في الدماغ.
بنية دقيقة تَعِد بتطبيقات مستقبلية مذهلة
أوضح ألكسندر فاسيليفسكي، أستاذ مساعد في جامعة موسكو للفيزياء والتكنولوجيا ورئيس مختبر الأبحاث، أن الخصائص الفريدة للمورينو توكسينات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببنيتها المعقدة.
فقد تبيّن أن سلسلتها المتعددة الببتيد تشكّل ما يُعرف بـ «دبوس الكبريت المترابط» (Disulfide-linked Hairpin) — وهي بنية دقيقة لكنها مستقرة للغاية.
هذه البنية تجعل من المورينو توكسينات مرشّحاً مثالياً ليس فقط كعلاجٍ عصبي، بل أيضاً كأساس لتطبيقات الهندسة الحيوية في المستقبل، مثل تصميم بروتينات صناعية ذكية قادرة على تعديل نشاط الخلايا العصبية أو تنظيم الإشارات الكهربائية في الدماغ.
الطبيعة تبتكر ما لا يبتكره البشر
يمثل هذا الاكتشاف دليلاً جديداً على أن الطبيعة لا تزال المختبر الأعظم للبشرية، وأن حتى أكثر الكائنات رهبة — مثل العناكب السامة — قد تحمل في سمومها مفاتيح علاجٍ لأمراض معقدة كأمراض الدماغ.
فمن سمّ قاتل، قد يولد علاجٌ ينقذ حياة الملايين.