طورت الحيوانات والطيور التي تعيش في المناطق ذات المناخ البارد عبر ملايين السنين، آليات تكيف مذهلة تمكّنها من تحمّل درجات حرارة منخفضة جدا دون أن تتجمد أو تفقد حياتها. فبعضها يلجأ إلى النوم الشتوي، بينما يعتمد البعض الآخر على أنظمة جسدية معقدة تحافظ على حرارة الجسم. في هذا التقرير، نستعرض أبرز الأسرار العلمية التي تفسر كيف لا تشعر الحيوانات بالبرد في الشتاء.
السبات الشتوي: الحل الأشهر لمواجهة البرد
السبات الشتوي يُعد من أكثر الوسائل المعروفة التي تستخدمها الحيوانات لتجاوز فصل الشتاء. خلال هذه الفترة، تنخفض العمليات الحيوية في الجسم إلى الحد الأدنى، مما يقلل استهلاك الطاقة ويساعد على البقاء في ظل ندرة الغذاء والبرد القارس.
إلا أن الطبيعة لم تكتفِ بالسبات فقط، بل أوجدت حلولا أخرى متطورة تحمي الحيوانات والطيور من التجمد.
لماذا لا تتجمد أقدام البط؟
تكيف الحيوانات مع الشتاء ( مصدر الصورة: Freepik )
يمتلك البط نظاما فريدا في الأوعية الدموية يحمي أقدامه من البرد الشديد.
فالدم الدافئ القادم من القلب عبر الشرايين يمر بمحاذاة الأوردة التي تعيد الدم البارد من الأطراف. وبهذه الطريقة، يحدث تبادل حراري يقلل من فرق درجات الحرارة، فلا تتعرض الأقدام لصدمة حرارية.
إضافة إلى ذلك، يستطيع البط التحكم في تدفق الدم إلى أقدامه، حيث يضيّق الأوعية الدموية لتصبح حرارة الأقدام قريبة من حرارة الماء أو الجليد. وبهذا لا يذوب الجليد تحت الأقدام ولا يتجمد مرة أخرى، مما يسمح للبط بالمشي على الثلج دون أن تلتصق أقدامه به.
كيف تدفئ الطيور أقدامها في الشتاء؟
في فصل الشتاء، يبدو العصافير والطيور الصغيرة مثل كرات ريشية منتفخة. هذا السلوك ليس عشوائيا، بل يهدف إلى حبس طبقة من الهواء الدافئ بين الريش لتقليل فقدان الحرارة.
كما يزداد عدد الميتوكوندريا في خلايا دم الطيور خلال الشتاء، وهي المسؤولة عن إنتاج الطاقة والحرارة.
وتقوم الطيور أيضا بسحب أرجلها نحو الجسم أو التجمّع في مجموعات متقاربة لتقليل فقدان الحرارة، إضافة إلى قدرتها على خفض درجة حرارة أقدامها، تمامًا كما يفعل البط.
كيف تتكيف الحيوانات ذات الدم البارد مع الصقيع؟
النوم أو الدخول في حالة السكون يُعد وسيلة أساسية للحيوانات ذات الدم البارد لتجاوز الشتاء.
فالضفادع، على سبيل المثال، تدخل في حالة سبات عميق مع بداية البرد، دون أن تتضرر أنسجة أجسامها من التجمد. ومع حلول الربيع، تعود تدريجيا إلى نشاطها الطبيعي.
أما التماسيح والتمساحيات (الآليغيتور)، فتتجه إلى الجحور عندما تنخفض درجة الحرارة إلى نحو +5 درجات مئوية.
السلمندر السيبيري: معجزة الحياة في الجليد
السلمندر السيبيري هو البرمائي الوحيد الذي يعيش في مناطق الجليد الدائم. يقوم كبده بإنتاج مادة الجليسرين التي تنتشر في جميع أنسجة الجسم، مانعةً إياها من التجمد، ما يسمح له بالنوم لأشهر طويلة، بل ولسنوات أحيانا.
النوم الشتوي عند الثدييات: حماية من البرد والجوع
بالنسبة للثدييات، يُعد النوم الشتوي وسيلة فعالة لتقليل استهلاك الطاقة عندما يصبح الغذاء نادرا.
فالدببة تدخل في سبات شتوي طويل، بينما تختبئ السناجب الأرضية في جحورها، حيث يتباطأ الأيض وينخفض معدل ضربات القلب إلى مرة واحدة في الدقيقة تقريبا.
المرموط يُعد أشهر الحيوانات السباتية، إذ ينام من ستة إلى تسعة أشهر في السنة. وقبل الشتاء، يخزن الدهون ثم يدخل الجحر مع عائلته، ويُوضع الصغار في المنتصف حيث الدفء أعلى.
كما تنام القنافذ والخفافيش خلال فصل الشتاء.
الطائر الوحيد الذي ينام شتاءً
طائر السبد أبيض الحنجرة هو الطائر الوحيد المعروف الذي يدخل في حالة نوم شتوي.
فهو لا يهاجر إلى المناطق الدافئة، بل يختبئ بين الصخور ويدخل في سبات حتى عودة الطقس المعتدل. وخلال هذه الفترة، تنخفض درجة حرارة جسمه ويتباطأ تنفسه، كما يحدث عند الثدييات.
لماذا تتجمع البطاريق في دائرة؟
تكيف البطاريق مع البرد ( مصدر الصورة: Freepik )
تحافظ بطاريق الإمبراطور على وضعية الوقوف لتقليل ملامسة الثلج شديد البرودة. وقد زوّدتها الطبيعة بنظام أوعية دموية في الأقدام يسمح بتدفئة الدم قبل عودته إلى الجسم.
وفي أقسى موجات البرد، تتجمع البطاريق في دائرة كبيرة للحفاظ على الحرارة، حيث يتبادل الأفراد المواقع بين المركز والأطراف لضمان توزيع الدفء بشكل عادل، وغالبا ما يكون الصغار في الوسط.
عندما يتدخل العلم لمقاومة البرد
يعمل علماء من معهد علم الخلايا والوراثة التابع للأكاديمية الروسية للعلوم على دراسة العوامل الجينية المسؤولة عن مقاومة البرد لدى الأبقار الروسية.
فالأبقار عالية الإنتاج المستوردة من الخارج غالبا ما تنخفض إنتاجيتها في المناخ الروسي القاسي.
وقد اكتشف الباحثون جينات مسؤولة عن تحمل الصقيع لدى الأبقار الياقوتية، القادرة على العيش في درجات حرارة تصل إلى ناقص 50 درجة مئوية. ويجري حاليًا تحليل الحمض النووي لسلالات روسية أخرى مقاومة للبرد، بهدف الاستفادة من هذه البيانات في تحسين السلالات وإنتاج أبقار عالية الإنتاج وأكثر تحمّلا للبرد.