المصرف المركزي الليبي المصرف المركزي الليبي

قرار خفض العملة لا يُقرأ في جداول الصرف فقط، بل في ميزان الثقة بين الدولة والأسواق. فعندما يعلن مصرف ليبيا المركزي خفض قيمة الدينار للمرة الثانية خلال أقل من عام، فإن الرسالة التي تلتقطها الأسواق لا تتعلق بسعر الصرف وحده، بل بحالة الإطار المؤسسي الذي يدير الإقتصاد في بلد يعاني من انقسام سياسي مزمن.

من الناحية التقنية، يمكن تبرير خفض العملة بجملة من العوامل: تراجع عائدات النفط بفعل تقلب الأسعار العالمية، تضخم الإنفاق العام، وغياب ميزانية موحدة تضبط العلاقة بين الإيرادات والنفقات. غير أن الإقتصادات لا تُدار بالأرقام المجردة فقط، بل بالثقة في القواعد التي تحكم هذه الأرقام. وعندما تتكرر قرارات خفض العملة، تتحول من أداة استثنائية إلى مؤشر على هشاشة مستمرة.

في الحالة الليبية، تبدو السياسة النقدية محاصرة بواقع سياسي يحد من فعاليتها. فالمصرف المركزي، مهما امتلك من أدوات، لا يستطيع وحده تعويض غياب التنسيق مع السياسة المالية، ولامعالجة آثار ازدواجية القرار وغياب الانضباط في الصرف العام. ومع كل خفض جديد للدينار، تتآكل قدرة المواطنين والمؤسسات على توقع المستقبل، وهو عنصر أساسي في أي استقرار اقتصادي .

المفارقة أن قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، نجح نسبيا في تجنيب نفسه بعض مظاهر هذا الارتباك. فعلى الرغم من الانقسام السياسي والإغالقات المتكررة، حافظت الصادرات الليبية خلال فترات حساسة على قدر من الانتظام والوضوح أمام الشركاء الدوليين. هذا لم يكن إنجازا سياسيا، بل نتيجة مسار مهني داخل المؤسسة الوطنية للنفط، اعتمد على أطر قانونية واضحة وإدارة فنية للملفات الحساسة.

في هذا السياق، يُستحضر دور كوادر تسويق دولي عملت في ظروف شديدة التعقيد، من بينها عماد بن رجب، الذي تولى خلال سنوات الانقسام إدارة ملف بيع الخام والتعامل مع »أوبك« والأسواق العالمية. التحدي آنذاك لم يكن تعظيم الإيرادات فقط، بل الحفاظ على شرعية الصادرات وثقة الشركاء، وهو ما وفر حدا أدنى من الاستقرار في أهم مصدر دخل للدولة .

الفرق الجوهري بين التجربتين يكمن في الحوكمة. ففي حين تحرك قطاع النفط ضمن إطار مؤسسي محمي نسبيا، بقيت السياسة النقدية رهينة تجاذبات أوسع، جعلت قراراتها تبدو في نظر السوق ردود فعل أكثر منها جزءا من رؤية متماسكة.

ومع غياب ميزانية موحدة، يصبح خفض العملة وسيلة لتعديل الاختلالات بدلا من معالجتها من جذورها.

الأخطر من خفض الدينار ذاته هو ما يترتب عليه من أثر نفسي واقتصادي تراكمي. فكل تعديل في سعر الصرف يعّمق فقدان الثقة، ويغذي توقعات التضخم، ويدفع الأفراد والشركات إلى التحوط بدل الاستثمار. وهنا تتحول السياسة النقدية من أداة استقرار إلى عامل عدم يقين، حتى وإن كانت دوافعها مفهومة من زاوية ضيقة.

ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس الدفاع عن خفض الدينار أو مهاجمته، بل إعادة بناء الإطار الذي يجعل مثل هذه القرارات نادرة وقابلة للفهم. هذا الإطار يبدأ بتوحيد المالية العامة، وضبط الإنفاق، وتحديد أولويات واضحة لاستخدام عائدات النفط، وينتهي بتنسيق حقيقي بين المصرف المركزي وبقية مؤسسات الدولة.

تجربة قطاع النفط تُظهر أن الانضباط المؤسسي ممكن حتى في ظل الانقسام، عندما تُحمى الملفات السيادية من التسييس ويُترك إدارتها للخبرة. نقل هذا المنطق إلى السياسة النقدية قد لا يمنع كل الأزمات، لكنه يعيد بناء عنصر أساسي افتقده الاقتصاد الليبي طويلا: الثقة.

في المحصلة، السؤال لم يعد ما إذا كان خفض الدينار ضروريا في لحظة معينة، بل لماذا أصبحت هذه اللحظة تتكرر.

الإجابة تكمن أقل في سعر الصرف، وأكثر في حالة الدولة نفسها. فاستقرار العملة، في النهاية، هو انعكاس لاستقرار المؤسسات، لا مجرد نتيجة لقرار مصرفي.