ليس السؤال بسيطا كما يبدو ...
فمنطق الأشياء يفترض أن أي ضربة تُوجَّه إلى عدوٍ مُجمع عليه يجب أن تُستقبل على الأقل بقراءة هادئة، إن لم يكن بتأييد واضح. لكن الواقع يكشف أن هناك من ينزعج، بل ويغضب، وكأن الضربة أصابته هو، لا عدوه.
لفهم هذه الحالة، لا بد من التعمّق في جذورها.
أولا، هناك ما يُعرف بالتنافر النفسي، حين يصطدم الواقع مع القناعات المسبقة. فالبعض بنى موقفه لسنوات على رفض أو شيطنة أطراف معينة، وعندما يرى هذه الأطراف تقصف العدو الذي يفترض أنه عدوه أيضا، يدخل في صراع داخلي: هل يعيد النظر، أم ينكر ما يرى؟ كثيرون يختارون الإنكار، لأن مراجعة الذات أصعب من رفض الحقيقة.
ثانيا، الاصطفاف السياسي المسبق. فهناك من لا يقيس الفعل بذاته، بل بهوية الفاعل. إذا كان الفاعل ضمن محور يختلف معه سياسيا أو أيديولوجيا، يتم رفض الفعل تلقائيا، حتى لو كان موجّها ضد عدو مشترك. هنا تتحول المواقف من منطق وطني أو أخلاقي إلى حسابات ضيقة.
ثالثا، أثر الخطاب الإعلامي المتراكم. سنوات طويلة من ضخ روايات محددة رسمت صورة ذهنية مشوّهة، ربطت هذه الأطراف بصراعات أخرى (سوريا، العراق، الطائفية…)، وألبستها أدوارا ثابتة في وعي المتلقي. وعندما يحدث حدثٌ خارج هذا القالب، لا يُقرأ كما هو، بل يُعاد تفسيره بما يتوافق مع تلك الصورة المسبقة.
رابعا، الخوف من تبعات التصعيد. بعض الانزعاج لا ينبع من رفض الفعل بحد ذاته، بل من الخشية من نتائجه: توسّع الحرب، انعكاساتها على المنطقة، أو تأثيرها المباشر على الداخل. هذا عامل مفهوم، لكنه أحيانا يُستخدم لتبرير موقف يتجاوز الخوف إلى رفض أي مواجهة من الأصل.
خامسا، ارتباط بعض المواقف بالمصالح. هناك من اعتاد على “استقرار هش” يخدم مصالحه، حتى لو كان قائما على اختلال في ميزان العدالة. أي تغيير في هذا الواقع يُنظر إليه كتهديد، وليس كفرصة لإعادة التوازن.
وأخيرا، أزمة في تعريف الأولويات. حين تتقدّم الخلافات البينية "سياسية كانت أو مذهبية" على العدو المركزي، يصبح الموقف مشوشًا. عندها، لا يُنظر إلى الضربة كفعل ضد عدو، بل كفعل صادر عن “طرف غير مرغوب”، فيُرفض بغض النظر عن مضمونه.
المسألة، في جوهرها، ليست في الحدث نفسه، بل في كيفية قراءته.
هل نقيس الأفعال بنتائجها واتجاهها، أم بهوية من قام بها؟
وهل ما زال العدو هو ذاته في وعينا، أم تغيّرت البوصلة دون أن نشعر؟
اللازمة: الوطن يكبر بالمحبة ويفنى بالبغضاء.
د. طارق سامي خوري
ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"