الأقمار الصناعية التجارية ودورها في الصراعات العسكرية الحديثة

الفضاء يتحول إلى سلاح إستراتيجي يعيد رسم الحروب الحديثة (مصدر الصورة: Defense Arabia) الفضاء يتحول إلى سلاح إستراتيجي يعيد رسم الحروب الحديثة (مصدر الصورة: Defense Arabia)

ذكر موقع Defense Arabia أن العقود الأخيرة شهدت تحولا جوهريا في طبيعة التكنولوجيا الفضائية، إذ انتقلت من كونها مجالا تقنيا نخبويا إلى عنصر محوري في إدارة النزاعات الحديثة، فلم تعد الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة مجرد أدوات مدنية للزراعة أو النقل أو إدارة الكوارث، بل أصبحت جزءا أساسيا من البنية التحتية العسكرية التي تعيد صياغة ميزان القوى الإقليمي والدولي.

ويتجلى هذا بوضوح في عملية "الغضب الملحمي" التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حيث لم يأت التأكيد الأول من الحكومات، بل من صور التقطتها أقمار صناعية تجارية أمريكية أظهرت دخانا كثيفا فوق طهران وسفنا محترقة في ميناء كوناراك.

أنظمة الملاحة المدنية تتحول إلى أدوات توجيه عسكري

وأشار الموقع إلى أن البنية التحتية الفضائية أصبحت أحد أعمدة القوة الوطنية الشاملة، مؤثرة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والأمن، ففي المجال العسكري، توفر الأقمار معلومات استخباراتية وتمكن من توجيه الصواريخ والطائرات المسيرة بدقة متناهية، بينما تمنح السيطرة على الفضاء الدول نفوذا استراتيجيا.

وتكمن الخطورة في طبيعة هذه التقنيات مزدوجة الاستخدام، إذ يمكن إعادة توظيف الأنظمة المدنية لتحقيق نتائج عسكرية مباشرة، مثل استخدام نظام الملاحة الصيني "بيدو" لتوجيه ضربات دقيقة.

ويخلق هذا التداخل بين المدني والعسكري منطقة رمادية قانونية وسياسية، حيث يمكن للهجمات الإلكترونية أن تحقق أهدافا عسكرية دون أن تصنف رسميا كعدوان مسلح، مما يترك للشركات والجيوش مهمة تحديد حدود السلوك المقبول في ساحة معركة تتطور أسرع من قدرة المشرعين على مواكبتها.

التعاون الفضائي الصيني الإيراني يثير مخاوف غربية متزايدة

وأكد الموقع أن اعتماد إيران المتزايد على الأنظمة الصينية يكشف عن نمط خطير لتحويل التقنيات التجارية إلى أدوات استراتيجية، فبدلا من الاكتفاء بقدرات محلية محدودة، تستفيد طهران من تقنيات مدنية في تحسين دقة ضربات الميليشيات الموالية لها في العراق وسوريا، ورصد الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

ويزداد التعقيد مع توقيع الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2021، وصولا إلى شراء الحرس الثوري الإيراني القمر الصناعي TEE-01B الذي طورته وأطلقته شركة Earth Eye Co الصينية بنموذج "التسليم في المدار".

وقد رصد هذا القمر قواعد عسكرية أمريكية في السعودية والأردن والبحرين والعراق والكويت وجيبوتي وسلطنة عمان، إضافة إلى بنى تحتية مدنية حيوية كموانئ ومصانع الطاقة والمياه في الخليج، مما اعتبره مسؤولون غربيون أكبر قدر من الدعم تقدمه بكين لقوة وكيلة ضد الولايات المتحدة.

عسكرة الفضاء تدخل مرحلة العمليات الفعلية

وخلصت الموقع إلى أن دمج إيران للأنظمة الفضائية الصينية يمثل انتقالا من القدرات الرمزية إلى قدرات عملياتية ظهرت بوضوح في الحرب الجارية، حيث باتت هذه الأنظمة تسهم في توفير معلومات استخبارية دقيقة ودعم عمليات المراقبة والسيطرة.

ويؤكد هذا التطور أن عسكرة الفضاء لا تتم عبر إعلانات رسمية، بل من خلال إعادة توظيف التقنيات المدنية بهدوء، مما يعيد صياغة موازين القوى ويعقد ديناميكيات الأمن الدولي، ومع تزايد الاعتماد العسكري على القدرات الفضائية، يرجح أن يتحول الفضاء من مجال عملياتي إلى ميدان قتالي، مما يستدعي أطرا قانونية وتنظيمية جديدة لمعالجة الغموض المرتبط بالتقنيات مزدوجة الاستخدام، ويظهر أن الفضاء أصبح مركزيا في طبيعة الصراع الهجين بالقرن الحادي والعشرين.