يعتقد عادة أن القدرة على الاستعداد للأحداث قبل حدوثها تعد من الخصائص المرتبطة بالكائنات التي تمتلك أدمغة متطورة.
لكن علماء الأحياء اكتشفوا أن الإسفنج البحري ، الذي لا يمتلك جهازا عصبيا، يستطيع ايضا الاستعداد مسبقا لمراحل مهمة من دورة حياته.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن القدرة على توقع الأحداث لا تتطلب بالضرورة وجود جهاز عصبي متطور، بل إن بعض الحيوانات التي لا تمتلك خلايا عصبية من الأساس يمكنها الاستعداد مسبقا لتحولات مهمة في حياتها.
الإسفنج البحري ( مصدر الصور: Unsplash )
كائن يعود تاريخه التطوري إلى 700 مليون سنة
كان الإسفنج البحري محور الدراسة، وهو أحد أقدم وأبسط ممثلي عالم الحيوان، ويعود خطه التطوري إلى نحو 700 مليون سنة.
وفي المرحلة الأولى من حياته، تسبح يرقة الإسفنج البحري بحرية في الماء.
ثم تستقر اليرقة في قاع البحر، وتلتصق بشكل دائم بالسطح الذي تستقر عليه، لتتحول بعد ذلك إلى كائن بالغ غير متحرك.
وتشبه هذه العملية إلى حد ما التحول الذي تمر به الحشرات، لكنها تحدث من دون وجود شرنقة واقية، ولا تستغرق سوى نحو 30 دقيقة.
غروب الشمس يعطي اليرقة إشارة الاستعداد
خلال تجارب بدأت في عام 2020، لاحظ الباحثون نمطا غريبا.
فاليرقات التي لم تتعرض لضوء غروب الشمس كانت ترفض الاستقرار في قاع البحر، حتى عندما كانت توجد طحالب مناسبة ومثالية للاستقرار.
ودفع ذلك العلماء إلى الاعتقاد بأن ضوء الشمس ليس مجرد خلفية بيئية، بل يمثل إشارة حيوية أساسية تؤدي إلى بدء عملية التحول.
غروب الشمس يغير نشاط الجينات قبل الاستقرار
في الدراسة الجديدة، استخدم فريق الباحثين تقنية تعرف باسم تحديد مدى إتاحة الكروماتين.
وتسمح هذه التقنية بتحديد أجزاء الحمض النووي DNA المفتوحة أمام عملية قراءة الجينات، وتلك التي تكون مغلقة أو أقل إتاحة.
وأظهرت النتائج أن غروب الشمس يؤدي إلى حدوث تغيرات في جينوم يرقات الإسفنج البحري قبل وقت طويل من وصولها إلى قاع البحر.
وتصبح أجزاء الحمض النووي المسؤولة عن عملية التحول متاحة للقراءة مسبقا.
وهذا الاستعداد الجيني يسمح لليرقات بتنفيذ عملية التحول بسرعة كبيرة عندما تحين اللحظة المناسبة.
وقد يكون لهذه الآلية أهمية كبيرة بالنسبة إلى بقائها، لأنها تقلل الفترة التي تكون خلالها اليرقة معرضة للافتراس أثناء مرحلة التحول الحساسة.
جينات مشتركة بين الإسفنج والإنسان
ومن المثير للاهتمام أن تنظيم هذه العملية يعتمد على جينات معروفة ايضا لدى الإنسان.
ومن بينها جين CLOCK، الذي يشارك في تنظيم الإيقاعات اليومية لدى الإسفنج البحري، ويؤدي وظائف مشابهة في أجسام الثدييات.
ويشير اكتشاف هذه الآلية إلى أن استخدام الإيقاعات البيئية للكوكب، مثل تعاقب الليل والنهار، قد يكون أقدم بكثير مما كان يعتقد.
ماذا يكشف الإسفنج عن تطور الحيوانات؟
يرى الباحثون أن فهم الطريقة التي تستخدم بها الكائنات التي تفتقر إلى الجهاز العصبي الإيقاعات الطبيعية للكوكب يمكن أن يوفر معلومات مهمة حول آليات التكيف خلال التطور.
وقد تساعد هذه النتائج العلماء على فهم الطريقة التي تعلمت بها أقدم الحيوانات على الأرض البقاء والتكيف مع بيئتها من خلال الاعتماد على إشارات مرتبطة بوقت اليوم.
وتكشف الدراسة أن القدرة على الاستعداد لتغيرات مهمة في الحياة لا تعتمد بالضرورة على وجود دماغ أو جهاز عصبي، بل يمكن أن تبدأ على مستوى الخلايا والجينات وآليات تنظيم نشاط الحمض النووي.