ذكر موقع الدفاع العربي أنه لم يكن أحد يتوقع أن تصل قيمة تجارة السلاح بين الصين وروسيا إلى ما يقارب الصفر، ففي معرض الدوحة الدولي للدفاع البحري 2026، استحوذ ظهور المقاتلة الشبحية J-35A على اهتمام العالم، لكنه أحدث ارتباكا داخل أوساط الصناعات الدفاعية الغربية، بالتزامن برزت منظومات صينية أخرى مثل J-10CE والمروحية Z-20، في خطوة تستهدف سوق الشرق الأوسط وعلى رأسه قطر.
وجاءت بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لتشكل صدمة واضحة: قبين 2021 و2025، انخفضت واردات الصين من الأسلحة التقليدية الرئيسية بنسبة 72% مقارنة بالفترة السابقة، لتتراجع من قائمة أكبر عشرة مستوردين إلى المرتبة 21 عالميا، وهو أدنى مستوى لها منذ 1994.
واشنطن تراقب نهاية عصر السلاح الروسي في الصين
وأشار الموقع إلى أنه من جهة، تتجه المقاتلات الشبحية الصينية المصنعة محليا إلى الأسواق الدولية وتوقع عقودا متزايدة، أما جهة أخرى تكاد تختفي من سجل مشتريات الصين من روسيا أي صفقات كبرى جديدة، إن هذا التباين الحاد أصبح محور اهتمام مراكز التفكير في واشنطن، حيث خلص باحثو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن عصر الاستيراد الكثيف للسلاح الروسي من قبل الصين قد انتهى بالفعل.
غير أن هذه القراءة وفق منتقدين، تتجاهل النصف الآخر من الصورة: فقد تناما اعتماد روسيا نفسها على المكونات والمعدات الصينية إلى مستوى يصعب التراجع عنه، وأشارت صحيفة "نيكي" اليابانية إلى احتمال أن تصبح الصين خلال خمس إلى عشر سنوات أول دولة في العالم لا تحتاج إلى استيراد أي منظومات تسليح أو حتى قطع غيار عسكرية.
عند التعمق في التفاصيل تتضح ملامح التحول، ففي الدورة الخمسية الماضية (2017–2021)، استوردت الصين من روسيا 24 مقاتلة سو-35 بقيمة ملياري دولار، وست منظومات إس-400 بقيمة ثلاثة مليارات دولار، أي بإجمالي تجاوز خمسة مليارات دولار، أما بين 2021 و2025، فلا تظهر أي صفقات لمنظومات كاملة، بل تقتصر العمليات على مشتريات محدودة من قطع غيار ومحركات وعناصر صيانة، مما يجعلها أقرب إلى خدمات دعم تقني منها إلى تجارة سلاح بالمعنى التقليدي.
الطائرات المقاتلة الصينية الحديثة (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)
الاستقلال الصناعي العسكري الصيني الكامل
وكشف الموقع أنه على مستوى البحرية، تتجلى ملامح الاستقلال الصناعي بوضوح، فحتى نهاية 2025 أدخلت الصين الخدمة 14 مدمرة من طراز Type 055، إلى جانب 39 مدمرة من طراز Type 052D، مما يعكس تغطية شبه مكتملة لأساطيلها الثلاثة، إن هذه القطع البحرية تعتمد كليا على مكونات محلية في أنظمة الرادار والدفع والتسليح وخلايا الإطلاق العمودي.
وفي عام 2025 دخلت حاملة الطائرات "فوجيان" الخدمة كأول حاملة في العالم تعمل بالدفع التقليدي مع نظام إطلاق كهرومغناطيسي، ونجحت في تنفيذ عمليات إطلاق متعددة للطائرات دون أعطال تُذكر.
أما في سلاح الجو، يشهد قطاع محركات الطائرات تحولا تدريجيا لكنه بالغ الأهمية، فقد اعترف مركز CSIS بأن محرك WS-15 يُستخدم في بعض نسخ J-20، بينما يُرجح أن تعتمد النسخ الأحدث من J-35/FC-31 على محركات WS-13E محلية الصنع، على المدى المتوسط، يتوقع إدخال محركات أكثر تقدما مثل WS-19، وتعمل الصين على استبدال محركات D-30KP-2 الروسية في طائرات Y-20 وH-6K بمحركات WS-20 المحلية تدريجيا، ومع اكتمال هذه السلاسل، ستتقلص الحاجة إلى قطع الغيار الخارجية إلى الحد الأدنى.
أما القوات البرية، فالصورة أكثر وضوحا: فالمدفعية، والأنظمة غير المأهولة، وسلاسل الإمداد العسكرية باتت تعتمد شبه كاملة على الإنتاج المحلي.
روسيا تفقد مكانتها التاريخية في سوق السلاح العالمي
وأفاد الموقع أن صفقات السلاح السابقة أسهمت في تعزيز التقارب العسكري بين موسكو وبكين، لكن الواقع الحالي يعكس مسارا مختلفا، فتراجعت روسيا التي كانت تحتل المرتبة الثانية عالميا في صادرات السلاح، بنسبة 64% بين 2021 و2025، وانخفضت حصتها من السوق العالمية من 21% إلى 6.8%، والأكثر دلالة أنها تحولت نفسها إلى مستورد للأسلحة، فأصبحت تعتمد على إيران في الطائرات المسيرة وعلى كوريا الشمالية في الذخائر.
وفي المقابل تواصل الصين توسيع صادراتها الدفاعية مع تحول نوعي واضح: من تصدير الأسلحة التقليدية مثل بنادق AK إلى الطائرات المسيرة، وصولا إلى مقاتلات متقدمة مثل J-35A.
ففي مايو 2025 سجلت مقاتلة J-10CE أول انتصار قتالي لها في اشتباك فعلي دون خسائر، بينما حصلت طائرة JF-17 (FC-1) على 164 طلبا وتعهد شراء خلال فترة قصيرة، مما يعكس انتقال الصين من موقع المستورد إلى لاعب تصدير متصاعد التأثير.
أما احتمال أن تبدأ روسيا بشراء منظومات تسليح صينية بشكل منظم، فيبقى محدودا على المدى القصير، نظرا لاعتبارات سياسية ورمزية تتعلق بصورة روسيا كقوة مصدرة تقليديا للسلاح، رغم أن الواقع الصناعي يمضي في اتجاه مختلف تماما.
المقاتلة الشبحية الصينية المتقدمة J-20 (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)
المكونات الصينية تصبح شريان حيوي للصناعة الدفاعية الروسية
وذكر الموقع أنه بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وسعت الصين صادراتها إلى روسيا ضمن فئة "السلع ذات الأولوية العالية"، التي تضم 50 نوعا من المواد ذات الاستخدام المزدوج، وتشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر منها يقع ضمن المستوى الثالث، ويشمل مكونات إلكترونية وميكانيكية تدخل في الأنظمة العسكرية.
وشهد المستوى الرابع نموا هائلا، إذ ارتفعت صادرات فئة 4B، بما في ذلك آلات التشغيل والمكونات الدقيقة، بأكثر من 3000% مقارنة ببداية 2021، وهو ما يترجم عمليا إلى مكونات أساسية في المدفعية والرادارات وأنظمة الصواريخ.
رصد مركز "ميركاتور" الألماني تجاوز صادرات الصين ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا حاجز 40 مليار دولار في 2024، مع استمرارها فوق هذا المستوى في 2025، يذهب مركز CSIS إلى أبعد من ذلك، مشيرا إلى أن روسيا ستظل تعتمد على الصين وإيران وكوريا الشمالية كمصادر دعم حيوية، مع تزايد اعتماد قطاعها الدفاعي على المكونات الإلكترونية الصينية.
وخلص الموقع إلى أن ما يبدو تراجعا في تجارة السلاح لا يعكس فتورا في العلاقة، بل تحولا جذريا في طبيعتها: فالصين لم تعد بحاجة إلى الاستيراد العسكري، بينما باتت روسيا تعتمد بشكل متزايد على الصين في عناصر حيوية من بنيتها الدفاعية.