توصل باحثون إلى أول تفسير بيولوجي واضح يوضح كيفية تسبب إحدى المواد الكيميائية المعروفة باسم " المواد الكيميائية الأبدية " في حدوث تشوهات خلقية لدى الأجنة.
وأظهرت الدراسة أن مركب حمض البيرفلوروديكانويك (PFDA)، وهو أحد مركبات مجموعة PFAS، يمكن أن يؤدي إلى تشوهات في الوجه والرأس خلال مراحل النمو الجنيني المبكرة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Chemical Research in Toxicology، حيث وصف الباحثون النتائج بأنها خطوة مهمة لفهم التأثيرات الصحية المحتملة لهذه الفئة الواسعة من المواد الكيميائية.
ما هي المواد الكيميائية الأبدية؟
تشير تسمية "المواد الكيميائية الأبدية" إلى مجموعة من المركبات الصناعية المعروفة باسم Per- and Polyfluoroalkyl Substances (PFAS)، والتي تتميز بقدرتها على مقاومة التحلل لفترات طويلة جدًا في البيئة وفي جسم الإنسان.
وتُستخدم هذه المواد في العديد من المنتجات الاستهلاكية والصناعية، بما في ذلك الطلاءات المقاومة للماء والدهون وبعض معدات مكافحة الحرائق والعمليات الصناعية المختلفة.
وبحسب الباحثين، يتعرض معظم الأشخاص لكميات صغيرة من هذه المركبات بشكل يومي، إلا أن مستويات التعرض قد ترتفع لدى بعض الفئات، خاصة من يعيشون بالقرب من مواقع التصنيع الملوثة أو العاملين في مهن معينة مثل رجال الإطفاء وفنيي تشميع معدات التزلج.
PFDA الأكثر خطورة بين المركبات المدروسة
فحص فريق البحث 13 مركبًا من أكثر مركبات PFAS انتشارًا للكشف عن تأثيراتها المحتملة على نمو الأجنة.
وأظهرت النتائج أن مركب PFDA كان الأكثر سمية وتأثيرا على تطور الوجه والرأس لدى الأجنة مقارنة ببقية المركبات التي خضعت للدراسة.
كما كشفت البيانات عن ارتباط هذا المركب بتشوهات وجهية ملحوظة رُصدت سابقًا لدى البشر وحيوانات التجارب.
وأشار الباحثون إلى أن بعض التقديرات تفيد بأن التعرض للمادة قد يرفع خطر هذه التشوهات بنحو 10% حتى عند مستويات تعرض منخفضة نسبيا.
كيف يؤثر المركب على نمو الجنين؟
اكتشف العلماء أن مركب PFDA يتداخل مع عمل حمض الريتينويك، وهو جزيء أساسي يشارك في تكوين الوجه والرأس خلال المراحل المبكرة من الحمل.
ويتحكم حمض الريتينويك في نشاط مئات الجينات المسؤولة عن التطور الجنيني الطبيعي، لذلك فإن الحفاظ على مستوياته ضمن نطاق دقيق يعد أمرا ضروريا لنمو الجنين بشكل سليم.
وخلال الحمل يعتمد الجنين بشكل كامل على جسم الأم للحفاظ على التوازن المناسب لهذا الحمض، لأنه لا يستطيع إنتاجه أو التخلص من كمياته الزائدة بصورة فعالة.
تعطيل إنزيم حيوي مسؤول عن الحماية
أظهرت الدراسة أن PFDA يعطل عمل إنزيم يعرف باسم CYP26A1، وهو المسؤول عن تكسير الكميات الزائدة من حمض الريتينويك.
وعندما يتوقف الإنزيم عن أداء وظيفته بالشكل الطبيعي، تتراكم مستويات حمض الريتينويك داخل الجسم إلى درجات قد تصبح ضارة بالتطور الجنيني.
ولم يقتصر تأثير PFDA على ذلك، بل تبين أيضا أنه يقلل نشاط الجينات المسؤولة عن إنتاج الإنزيم نفسه عبر آلية بيولوجية أخرى، ما وصفه الباحثون بأنه "ضربة مزدوجة" لنظام حيوي بالغ الأهمية خلال مراحل النمو المبكرة.
أبرز التشوهات المرتبطة بالتعرض للمادة
بحسب الدراسة، فإن ارتفاع مستويات حمض الريتينويك الناتج عن التعرض لمركب PFDA قد يؤدي إلى مجموعة من التشوهات الخلقية في منطقة الوجه والرأس، من أبرزها:
ضعف أو نقص نمو العينين.
تشوهات في تكوين الفك.
اضطرابات في تطور ملامح الوجه الطبيعية.
وأكد الباحثون أن هذه التشوهات كانت من أكثر التأثيرات شيوعًا التي لوحظت خلال الدراسات المتعلقة بالتعرض للمركب أثناء نمو الأجنة.
أهمية النتائج للصحة العامة
يرى الباحثون أن تحديد الآلية البيولوجية الدقيقة التي تسبب هذه التشوهات قد يساعد في تطوير اختبارات مخبرية وأدوات حاسوبية متقدمة لتقييم مخاطر مركبات PFAS المختلفة بسرعة أكبر.
كما يمكن أن تساعد هذه النتائج الجهات التنظيمية والشركات المصنعة على التمييز بين المركبات عالية الخطورة والبدائل الأكثر أمانًا، بما يدعم تطوير منتجات أقل سمية في المستقبل.
خطوات مستقبلية للوقاية
يأمل فريق البحث أن تساهم هذه النتائج في وضع استراتيجيات عملية لحماية الفئات الأكثر تعرضا لهذه المواد الكيميائية، مثل رجال الإطفاء وبعض العاملين في الصناعات المتخصصة.
كما يعتزم الباحثون دراسة ما إذا كان خفض مستويات PFDA لدى النساء خلال فترة الحمل يمكن أن يحد من مخاطر التشوهات الخلقية ويحسن صحة الأجنة.