كشفت دراسة تاريخية حديثة أن دوار الحركة والغثيان أثناء السفر لم يكونا من المشكلات المرتبطة بوسائل النقل الحديثة فقط، بل شكّلا مصدر قلق حقيقي للمسافرين قبل أكثر من قرنين من الزمن.
واعتمد الباحثون على تحليل رسائل شخصية ومذكرات يومية ومؤلفات طبية تعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، أظهرت أن الركاب كانوا يعانون من الأعراض نفسها التي يشكو منها مستخدمو وسائل النقل اليوم.
صورة رومانسية بعيدة عن الواقع
دوار السفر قديما ( مصدر الصورة: Freepik )
غالبا ما تصور الأعمال الدرامية والأفلام رحلات العربات القديمة على أنها تجارب هادئة وممتعة وسط المناظر الطبيعية.
لكن الوثائق التاريخية ترسم صورة مختلفة تماما، إذ كانت الرحلات طويلة ومتعبة جسديا، وتفرض على الركاب البقاء لساعات داخل مساحات ضيقة تفتقر إلى التهوية الجيدة.
كما كان المسافرون يضطرون لتحمل الروائح الكريهة والازدحام والانزعاج الناتج عن الاحتكاك المستمر بالركاب الآخرين.
انتشار السفر لمسافات طويلة
مع ظهور عربات البريد وتحسن شبكات الطرق خلال القرن الثامن عشر، أصبح السفر بين المدن أكثر شيوعا مقارنة بالفترات السابقة.
إلا أن الطرق آنذاك كانت بعيدة عن المعايير الحديثة، حيث امتلأت بالحفر والأخاديد، مما جعل الرحلات شديدة الاهتزاز حتى في أفضل الظروف الجوية.
أما خلال الأمطار وسوء الأحوال الجوية، فكانت الرحلات تتحول إلى تجربة شاقة وخطرة.
شهادات مباشرة من المسافرين
احتفظت المذكرات الشخصية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر بوصف دقيق لمعاناة الركاب أثناء التنقل.
فقد كتبت إحدى المسافرات التي عبرت جنوب ويلز عام 1809 أنها شعرت بإرهاق شديد بسبب الاهتزازات المستمرة للعربة.
وفي مناسبة أخرى وصفت الرحلة بأنها كانت عنيفة إلى درجة جعلتها تشعر بآلام في جميع أنحاء جسدها.
كما أشارت الكاتبة الإنجليزية آن ليستر في عام 1822 إلى أن الطريق السيئ تسبب لها في إرهاق شديد نتيجة الاهتزازات المتواصلة.
الفلاسفة والعلماء اشتكوا أيضا
لم تقتصر الشكاوى على عامة المسافرين فقط.
ففي رسالة كتبها عام 1656، وصف الفيلسوف الإنجليزي جون لوك رحلة استمرت ثلاثة أيام اضطر خلالها إلى مشاركة العربة مع ستة ركاب آخرين.
وأشار إلى أنه عانى من ضيق شديد وإجهاد بدني متواصل بسبب الازدحام والحركة المستمرة.
كما حذر العالم الإنجليزي روبرت بويل عام 1686 من أن الهواء داخل العربات المغلقة قد يصبح ملوثا بأبخرة الأجسام البشرية، ما قد يؤدي إلى الشعور بالضعف أو حتى الإغماء بسبب الاختناق.
مخاوف من الغثيان أكثر من اللصوص
وتوصل الباحثون إلى نتيجة لافتة مفادها أن كثيرا من الركاب كانوا يخشون الغثيان والاختناق والانزعاج الجسدي أكثر من خوفهم من قطاع الطرق الذين اشتهرت بهم الطرق في تلك الفترة.
فبالنسبة للعديد من المسافرين، كانت الرحلة نفسها تمثل التحدي الأكبر.
كيف نظر أطباء ذلك العصر إلى المشكلة؟
لم يكن هناك اتفاق بين الأطباء في ذلك الوقت حول تأثير السفر على صحة الإنسان.
وبينما رأى بعضهم أن الاهتزازات المستمرة قد تكون ضارة، اعتقد آخرون أن حركة العربة تحمل فوائد صحية.
فوفقا لبعض النظريات الطبية السائدة آنذاك، كان يُعتقد أن الاهتزاز يساعد على تحريك ما كان يُعرف بـ"السوائل الفاسدة" داخل الجسم، ويؤدي دورا يشبه التمارين البدنية الخفيفة.
مشكلة قديمة لا تزال مستمرة
تُظهر هذه الوثائق التاريخية أن معاناة البشر مع دوار الحركة ليست ظاهرة حديثة نتجت عن السيارات أو الحافلات أو الطائرات.
بل إن أعراض الغثيان والدوخة والإرهاق الناتجة عن التنقل رافقت المسافرين منذ قرون طويلة، رغم اختلاف وسائل النقل والتكنولوجيا.
وتؤكد الدراسة أن التجربة الإنسانية المرتبطة بالسفر وما يرافقها من تحديات جسدية ظلت متشابهة إلى حد كبير عبر العصور، حتى وإن تغيرت الوسائل التي تنقل الناس من مكان إلى آخر.