ضبابية التفكير لدى الأمهات الجدد مرتبطة بالإرهاق أكثر من تغيرات الدماغ

هل يسبب الحمل فعلا ضبابية الذاكرة لدى الأمهات؟ ( مصدر الصورة: Freepik ) هل يسبب الحمل فعلا ضبابية الذاكرة لدى الأمهات؟ ( مصدر الصورة: Freepik )

كشفت دراسة علمية حديثة أن التغيرات التي يمر بها دماغ المرأة خلال الحمل لا تؤدي بالضرورة إلى تراجع الذاكرة أو القدرات الإدراكية، بل إن الشعور الشائع بالنسيان و"ضبابية التفكير" لدى الأمهات الجدد يرتبط بشكل أساسي بقلة النوم المزمنة والتوتر والضغط الذهني المرتفع.

ضبابية التفكير لدى الأمهات الجدد مرتبطة بالإرهاق أكثر من تغيرات الدماغ ( مصدر الصورة: Freepik )

تغيّرات حقيقية في دماغ المرأة أثناء الحمل

يؤكد الباحثون أن الحمل يسبب بالفعل تغيرات هيكلية واسعة النطاق في دماغ المرأة، لدرجة أن العلماء أصبحوا قادرين على التمييز بين النساء اللواتي مررن بتجربة الحمل وغيرهن من خلال دراسة بنية الدماغ.

وخلال هذه المرحلة، يشهد الجسم تغيرات هرمونية كبيرة تنعكس بشكل مباشر على الدماغ. وأظهرت الدراسات انخفاضا في حجم المادة الرمادية داخل مناطق مسؤولة عن الإدراك الاجتماعي، وهي المناطق المرتبطة بفهم مشاعر الآخرين واحتياجاتهم.

كما تبين أن هذه التغيرات قد تستمر لفترات طويلة تصل إلى عقود بعد الولادة.

هل يعني ذلك تراجعا في القدرات العقلية؟

رغم هذه التغيرات البنيوية الملحوظة، يؤكد العلماء أن الأمر لا يشير إلى تدهور أو ضعف في وظائف الدماغ.

ففي الوقت الذي ينخفض فيه حجم بعض مناطق المادة الرمادية، يزداد تماسك المادة البيضاء المسؤولة عن الربط بين أجزاء الدماغ المختلفة، ما يسهم في تحسين سرعة وكفاءة انتقال الإشارات العصبية.

ويشبه الباحثون هذه العملية بما يحدث خلال مرحلة البلوغ والمراهقة، حيث يخضع الدماغ لإعادة تنظيم وتكيّف تساعده على التعامل مع متطلبات جديدة. وفي حالة الحمل، تهدف هذه التعديلات إلى إعداد المرأة لمهام الأمومة ورعاية الطفل.

أكبر دراسة لم تجد فرقا في القدرات الإدراكية

رغم الاعتقاد الشائع بأن الحمل والولادة يؤديان إلى ضعف الذاكرة والتركيز، فإن أكبر دراسة أجريت في هذا المجال، بمشاركة باحثين أستراليين، لم تجد فروقا جوهرية في القدرات المعرفية بين الأمهات الجدد والآباء الجدد والأزواج الذين لم ينجبوا أطفالا.

وأظهرت نتائج الاختبارات أن جميع المشاركين حققوا مستويات متقاربة في اختبارات الذاكرة وسرعة معالجة المعلومات.

السبب الحقيقي وراء النسيان بعد الولادة

يرى الخبراء أن الشعور بضبابية التفكير لا يعود إلى خلل في الدماغ، بل إلى الظروف المعيشية التي ترافق الأشهر الأولى من رعاية الطفل.

ويُعد الحرمان المزمن من النوم العامل الأكثر تأثيرا على الانتباه والذاكرة قصيرة المدى. كما لاحظ الباحثون وجود بعض الاضطرابات الإدراكية البسيطة لدى الآباء أيضا، رغم أنهم لا يمرون بالتغيرات الهرمونية المرتبطة بالحمل.

العبء الذهني والتوتر يزيدان المشكلة

إلى جانب قلة النوم، تتحمل الأمهات والآباء الجدد عبئا ذهنيا كبيرا يتمثل في متابعة مواعيد الرضاعة، وتغيير الحفاضات، ومراقبة أنماط نوم الطفل واحتياجاته اليومية.

كما أن التوتر والضغط النفسي المصاحبين لفترة التكيف مع مسؤوليات الأبوة والأمومة الجديدة يؤثران سلبا في القدرة على التركيز والانتباه.

تكيف طبيعي وليس خللا دماغيا

تشير النتائج إلى أن النسيان الذي تعاني منه كثير من الأمهات بعد الولادة ليس دليلا على تراجع القدرات العقلية أو تلف في الدماغ، بل هو استجابة طبيعية للإرهاق المستمر، وقلة النوم، والضغوط اليومية المصاحبة لمرحلة الأمومة المبكرة.

ويؤكد الباحثون أن دماغ المرأة خلال الحمل والولادة يمر بعملية إعادة تنظيم معقدة تهدف إلى تعزيز القدرة على رعاية الطفل والتفاعل معه، وليس إلى إضعاف الوظائف الإدراكية.