حقق فريق من علماء وظائف الأعضاء إنجازا علميا جديدا بعد نجاحه لأول مرة في تحديد البنية ثلاثية الأبعاد لبروتينات الأوبسين المخروطية، وهي البروتينات المسؤولة عن الرؤية النهارية وإدراك الألوان لدى الإنسان.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة لفهم آلية الإبصار بدقة، وقد يسهم مستقبلا في تطوير علاجات لعدد من اضطرابات الرؤية، مثل عمى الألوان والتنكس البقعي المرتبط بالعمر .
بروتينات مسؤولة عن رؤية الألوان
رؤية الألوان ( مصدر الصورة: معهد بول شيرر )
تحتوي شبكية العين البشرية على ما بين 6 و7 ملايين خلية مخروطية، وهي الخلايا المسؤولة عن الرؤية في الضوء الساطع، وتمييز الألوان، ورصد الأجسام المتحركة بسرعة.
وتعتمد هذه الخلايا على بروتينات تُعرف باسم الأوبسين المخروطي، والتي تستجيب للضوء بإطلاق إشارات عصبية يعالجها الدماغ لتكوين الصورة المرئية.
تحدٍ علمي كبير
واجه العلماء صعوبة كبيرة في دراسة هذه البروتينات، لأنها تتميز بدرجة عالية من الحركة، وقد تنتقل إلى حالتها النشطة تلقائيا حتى في غياب الضوء، مما يجعل تثبيتها في حالة مستقرة أمرا بالغ التعقيد.
ولتجاوز هذه المشكلة، أجرى الباحثون تجاربهم تحت إضاءة حمراء خافتة للغاية، لأنها لا تؤثر في نشاط بروتينات الأوبسين، مما سمح بالحفاظ عليها في حالتها غير النشطة أثناء الدراسة.
تقنيات متقدمة لرصد البنية ثلاثية الأبعاد
اعتمد الفريق البحثي على مجموعة من التقنيات المتطورة، شملت:
المجهر الإلكتروني فائق البرودة (Cryo-EM).
التحليل الطيفي بالليزر فائق السرعة.
تقنيات الكيمياء الحيوية.
الدراسات الخلوية.
النماذج الحاسوبية.
ونجح العلماء في تحديد البنية التفصيلية للأوبسينات الحساسة للضوء الأزرق والأخضر، فيما رجحوا أن يعمل الأوبسين المسؤول عن الضوء الأحمر بالآلية نفسها، نظرا للتشابه الوراثي الكبير بينه وبين الأوبسين الأخضر.
كيف تنتقل الإشارة البصرية؟
أظهرت الدراسة أن سرعة استجابة العين للضوء تعود إلى البنية الداخلية لهذه البروتينات، إذ تحتوي على شبكة من "المفاتيح الجزيئية الدقيقة" التي تتفاعل مع بروتينات G داخل الخلية حتى قبل وصول الضوء.
ويسمح هذا التنظيم الداخلي بنقل الإشارة العصبية إلى الدماغ خلال أجزاء من الثانية.
كما كشف الباحثون أن موقع ارتباط الأوبسين بجزيء الريتينال، وهو مشتق من فيتامين A، يتيح للجزيء تغيير شكله بسرعة والاستعداد لاستقبال نبضة ضوئية جديدة.
لماذا يحتاج الضوء الأزرق إلى طاقة أكبر؟
بينت النتائج أن الأوبسين الحساس للضوء الأزرق يمتلك موقع ارتباط أكثر إحكاما مقارنة بالأوبسينات الأخرى، ولذلك يحتاج إلى ضوء ذي طاقة أعلى حتى ينشط، وهو ما يتوافق مع الخصائص الفيزيائية للضوء الأزرق ضمن الطيف المرئي.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science.
آفاق جديدة لعلاج أمراض العين
يرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يفتح المجال أمام تطوير علاجات أكثر دقة لاضطرابات الإبصار المرتبطة بخلل الخلايا المخروطية، وفي مقدمتها:
عمى الألوان.
التنكس البقعي المرتبط بالعمر، الذي يصيب مئات الملايين من الأشخاص حول العالم.
كما أن الفهم التفصيلي لبنية بروتينات الأوبسين قد يساعد في تحديد مواقع الخلل الجزيئي بدقة، وتطوير وسائل علاج تستهدف تثبيت وظائف هذه البروتينات الحساسة للضوء، بما قد يسهم في إبطاء تدهور القدرة على الإبصار.