كشفت أبحاث علمية حديثة أن فقدان حاسة الشم لا يقتصر على كونه مشكلة تؤثر في جودة الحياة، بل قد يمثل مؤشرا مبكرا على الإصابة بأمراض عصبية خطيرة، من بينها مرض باركنسون، حيث يمكن أن تظهر اضطرابات الشم قبل سنوات من ظهور الأعراض الحركية المعروفة.
ويؤكد الباحثون أن متابعة التغيرات في حاسة الشم قد تسهم في الكشف المبكر عن بعض الأمراض التنكسية العصبية، ما يتيح فرصا أفضل للتشخيص والمتابعة العلاجية.
اضطرابات الشم تصيب ملايين الأشخاص
فقدان حاسة الشم ( مصدر الصورة: Freepik )
تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 22% من الأشخاص يعانون أحد اضطرابات حاسة الشم، والتي تشمل:
ضعف حاسة الشم (Hyposmia).
فقدان حاسة الشم الكامل (Anosmia).
تشوه إدراك الروائح (Parosmia).
شم روائح غير موجودة فعليا (Phantosmia).
وقد ازداد الاهتمام العلمي بهذه الاضطرابات بشكل ملحوظ بعد جائحة كوفيد-19، إذ سجلت منظمة الصحة العالمية نحو 780 مليون حالة إصابة مؤكدة منذ ديسمبر/كانون الأول 2019.
كما أظهر استطلاع نُشر عام 2023 في مجلة Laryngoscope أن نحو 60% من الأشخاص الذين أصيبوا بكوفيد-19 تعرضوا لفقدان حاسة الشم بدرجات متفاوتة، الأمر الذي دفع الباحثين إلى التوسع في دراسة العلاقة بين الجهاز الشمي والدماغ.
اضطرابات الشم ترتبط بأمراض عصبية ونفسية
قالت المتخصصة في علاج اضطرابات الشم والتذوق زارا إم. باتيل إن اضطرابات الشم تظهر لدى المصابين بعدد من الأمراض العصبية والنفسية، موضحة أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب أو الفصام أو اضطراب طيف التوحد يعانون أيضا تغيرات في وظائف حاسة الشم.
وأضافت أن التغيرات التي تصيب الجهاز العصبي المركزي غالبا ما تنعكس على وظيفة الشم، مشيرة إلى أن الدراسات ربطت اضطرابات الشم بما يصل إلى 139 مرضا مختلفا، رغم أن الآليات الدقيقة لهذه العلاقة لا تزال قيد البحث.
علامة مبكرة على مرض باركنسون
توضح الدراسات أن فقدان حاسة الشم قد يكون من أوائل المؤشرات على الإصابة بمرض باركنسون، إذ يمكن أن يسبق ظهور الأعراض الأساسية للمرض بعدة سنوات.
ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى تراكم بروتينات سامة داخل البصيلات الشمية، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الروائح في الدماغ.
كما يدرس العلماء وجود آليات مشابهة في أمراض تنكسية أخرى، مثل مرض الزهايمر والخرف المصحوب بأجسام ليوي.
لماذا ترتبط الروائح بالذكريات؟
تتميز حاسة الشم عن بقية الحواس بأن إشاراتها العصبية تصل مباشرة إلى الجهاز الحوفي في الدماغ، المسؤول عن العواطف والذاكرة، دون المرور أولا عبر المهاد (الثلاموس) كما يحدث مع معظم الحواس الأخرى.
ولهذا السبب تستطيع الروائح استحضار الذكريات والمشاعر بسرعة كبيرة.
ويُعد اكتشاف العالِمين ليندا باك وريتشارد أكسل لنحو 1000 جين مسؤول عن مستقبلات الشم من أبرز الإنجازات في هذا المجال، وقد نالا عنه جائزة نوبل في الطب عام 2004.
تدريب حاسة الشم يحقق نتائج واعدة
إلى جانب الأبحاث الأساسية، تتطور أيضًا الأساليب العلاجية لاستعادة حاسة الشم، ويأتي في مقدمتها تدريب حاسة الشم، الذي يعتمد على التعرف المتكرر إلى روائح محددة مثل:
الليمون.
الورد.
القرنفل.
الأوكالبتوس.
وأظهر تحليل شامل نُشر عام 2024 وشمل 36 دراسة أن هذا الأسلوب يحقق تحسنا ملحوظا لدى 30% إلى 50% من المرضى، خاصة عند دمجه مع العلاج باستخدام غسول الجيوب الأنفية المحتوي على الستيرويدات.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن تدريب حاسة الشم قد يساهم أيضًا في تحسين الوظائف الإدراكية والتخفيف من أعراض الاكتئاب، إلا أن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج.