أصبح المغنيسيوم واحدا من أكثر المكملات الغذائية انتشارا في الأسواق خلال السنوات الأخيرة، إذ يتناوله كثير من الأشخاص لأسباب متعددة، منها تحسين جودة النوم، وتقليل التوتر، والوقاية من تقلصات العضلات، وزيادة مستويات الطاقة، أو منع الإصابة بنقص هذا المعدن.
وساهمت منصات التواصل الاجتماعي في زيادة شعبيته، حيث أصبح الكثيرون يلجؤون إليه باعتباره وسيلة بسيطة وسريعة للشعور بتحسن صحي. ورغم أن للمغنيسيوم تأثيرات فسيولوجية مثبتة داخل الجسم، فإن هذه التأثيرات غالبا ما يتم الخلط بينها وبين فوائد علاجية لم تثبتها الأدلة العلمية بشكل قاطع لدى الأشخاص الأصحاء.
مكملات المغنيسيوم ( مصدر الصورة: Pixabay )
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
النظام الغذائي أولا
يُعد المغنيسيوم معدنا أساسيا لا غنى عنه لصحة الإنسان، إذ يشارك في مئات التفاعلات الإنزيمية داخل الجسم، ويلعب دورا مهما في عمليات إنتاج الطاقة، ووظائف العضلات والأعصاب، وتصنيع البروتينات، والحفاظ على صحة العظام، وتنظيم توازن الشوارد أو الإلكتروليتات.
وقد يؤدي نقص المغنيسيوم إلى الشعور بالإرهاق والضعف أو الإصابة ببعض الاضطرابات العصبية والعضلية.
لكن ذلك لا يعني أن جميع الأشخاص بحاجة إلى تناول مكملات المغنيسيوم. فعند وجود نقص مؤكد في أي فيتامين أو معدن، تحقق المكملات الغذائية فوائد واضحة، إلا أن تأثيرها يصبح محدودا عندما يوفر النظام الغذائي الكميات الكافية من هذا العنصر.
وتشمل أفضل المصادر الغذائية للمغنيسيوم الحبوب الكاملة، والخضراوات الورقية الخضراء، والبقوليات، والمكسرات، والبذور، والكاكاو الخام. وبالنسبة لكثير من الأشخاص، فإن زيادة استهلاك هذه الأطعمة تمثل خيارا أكثر فائدة من تناول كبسولات المكملات الغذائية.
كما أن تناول المكملات وحده لا يعوض النظام الغذائي غير الصحي، والاعتماد على حبة دواء لتعويض العناصر الغذائية المفقودة من الطعام غالبا ما يكون اعتقادا غير صحيح. ومع ذلك، تحقق صناعة المكملات الغذائية أرباحًا كبيرة من خلال إقناع المستهلكين بعكس ذلك.
وفي هذا الإطار، اعتمد الاتحاد الأوروبي عددا من الادعاءات الصحية المسموح باستخدامها بشأن المغنيسيوم، ومنها أنه يساهم في تقليل الشعور بالتعب والإرهاق، ويدعم عمليات التمثيل الغذائي الطبيعية لإنتاج الطاقة، ويساعد في الحفاظ على الوظائف الطبيعية للعضلات والجهاز العصبي.
ورغم صحة هذه الادعاءات من الناحية الفسيولوجية، فإنها لا تعني أن مكملات المغنيسيوم تعمل كمنشط عام للطاقة أو كوسيلة فعالة للاسترخاء لدى جميع الأشخاص، بل تؤكد فقط أن الجسم يحتاج إلى هذا المعدن كي يؤدي وظائفه بصورة طبيعية.
هل تختلف فوائد أنواع المغنيسيوم؟
انتشرت أيضا فكرة أن كل مشكلة صحية تحتاج إلى نوع محدد من المغنيسيوم، مثل:
- سترات المغنيسيوم لعلاج الإمساك.
- بيسغليسينات المغنيسيوم لتحسين النوم.
- مالات المغنيسيوم لمقاومة التعب.
- ثريونات المغنيسيوم لدعم وظائف الدماغ.
ومن الصحيح أن امتصاص هذه الأنواع يختلف، كما تختلف درجة تحمل الجهاز الهضمي لها، إلا أن إثبات تفوق أحدها سريريا في تحسين النوم أو تقليل التوتر لدى الأشخاص الأصحاء لا يزال أمرا غير محسوم علميا.
ويرى الباحثون أن هذه التصنيفات تعتمد بدرجة أكبر على التسويق التجاري مقارنة بالأدلة العلمية القوية.
المغنيسيوم والنوم
يُعد تحسين النوم من أكثر الفوائد التي يتم الترويج لها عند الحديث عن المغنيسيوم، ويستند ذلك إلى دوره في تنظيم نشاط الأعصاب والعضلات والمساعدة في عمليات الاسترخاء، وهو ما يمنح هذه الفرضية أساسيا بيولوجيا منطقيا.
لكن الأدلة السريرية لا تزال محدودة.
فقد أشارت تجربة سريرية حديثة أجريت على بالغين يعانون من ضعف جودة النوم إلى أن مكمل بيسغليسينات المغنيسيوم ساهم في تقليل الزمن اللازم للدخول في النوم بدرجة بسيطة فقط.
ويؤكد الباحثون الحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية التي تشمل أعدادا أكبر من المشاركين، مع استخدام وسائل موضوعية لقياس جودة النوم، قبل الجزم بأن المغنيسيوم يحسن النوم بصورة مؤكدة.
وحتى الآن، لم يعتمد الاتحاد الأوروبي أي ادعاء صحي رسمي يربط بين المغنيسيوم وتحسين جودة النوم.
المغنيسيوم وتقلصات العضلات
تشير المراجعات العلمية المتوفرة إلى عدم وجود دليل واضح على أن مكملات المغنيسيوم تقلل تقلصات العضلات لدى الأشخاص الذين يعانون منها بصورة متكررة.
ولذلك، فإن الاعتقاد الشائع بأن "المغنيسيوم يقضي على التشنجات العضلية" يعد بسيطا مفرطا لا تدعمه الأدلة العلمية الحالية.
هل يزيد المغنيسيوم الطاقة؟
يوضح الباحثون أن جسم الإنسان ليس مخزنا يمكن ملؤه بالطاقة إلى ما لا نهاية.
فإذا كانت احتياجات الجسم من المغنيسيوم ملباة بالفعل، فإن تناول كميات إضافية منه لن يؤدي إلى إنتاج المزيد من الطاقة.
وتكمن الفائدة الأساسية لمكملات المغنيسيوم في علاج النقص عند وجوده، وليس في تحويل هذا المعدن إلى منشط لزيادة النشاط البدني أو الذهني.
التسويق مقابل الأدلة العلمية
عادةً لا تسبب كميات المغنيسيوم الموجودة طبيعيا في الطعام مشكلات صحية، لكن تناول المكملات بجرعات مرتفعة قد يؤدي إلى آثار جانبية مثل الإسهال والغثيان وآلام البطن.
وتزداد هذه المخاطر لدى مرضى الكلى، أو الأشخاص الذين يتناولون بعض الأدوية.
كما يمكن أن يتداخل المغنيسيوم مع امتصاص بعض المضادات الحيوية وأدوية علاج هشاشة العظام إذا تم تناوله في الوقت نفسه.
وتشير هذه المعطيات إلى حقيقة أوسع، وهي أن معظم المكملات الغذائية ليست ضرورية للأشخاص الأصحاء الذين يتبعون نظاما غذائيا متوازنا ومتكاملا.
وقد تكون هذه المكملات مفيدة في حالات محددة، مثل وجود نقص مثبت، أو زيادة الاحتياجات الغذائية، أو وجود توصية طبية واضحة، إلا أن ذلك لا يبرر استخدامها على نطاق واسع.
ويرى الباحثون أن المشكلة لا تكمن في المنتج نفسه، بل في الرسائل التسويقية المصاحبة له، إذ إن فكرة أن كبسولة واحدة يمكنها تعويض قلة النوم أو التوتر المزمن أو العادات الصحية السيئة تبدو جذابة من الناحية التجارية، لكنها تعكس مصالح السوق أكثر مما تعكس احتياجات الصحة العامة.
يُعد المغنيسيوم عنصرا غذائيا أساسيا يؤدي وظائف حيوية مهمة داخل الجسم، ولا يمكن اعتباره مجرد موضة صحية عابرة.
لكن قبل التفكير في تناول مكملات المغنيسيوم، ينبغي طرح السؤال الصحيح: هل يحتاج الجسم بالفعل إلى هذا المكمل، أم أن القرار جاء نتيجة التأثر بالرسائل التسويقية؟
ويخلص الباحثون إلى أن أفضل خيار يظل الحصول على المغنيسيوم من المصادر الغذائية الطبيعية أولا، مع اللجوء إلى المكملات الغذائية فقط عند الحاجة، وبعد استشارة أحد المختصين في الرعاية الصحية.