حقيقة الببتيدات في طب إطالة العمر ... وعود كبيرة وأدلة علمية ما زالت محدودة

هل الببتيدات هي سر إبطاء الشيخوخة؟ علماء يحذرون من المبالغة في الوعود ( مصدر الصورة: Northeastern University ) هل الببتيدات هي سر إبطاء الشيخوخة؟ علماء يحذرون من المبالغة في الوعود ( مصدر الصورة: Northeastern University )

أصبحت الببتيدات واحدة من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في مجال طب إطالة العمر، إذ يرى مؤيدوها أنها قد تساعد في مكافحة الشيخوخة وعلاج العديد من الأمراض، بينما يؤكد العلماء أن كثيرا من هذه الادعاءات يسبق الأدلة العلمية المتاحة، وأن الاستفادة الكاملة من إمكاناتها تتطلب تحقيق تقدم كبير في تقنيات توصيل الدواء داخل الجسم.

وأوضح خبراء من جامعة نورث إيسترن الأمريكية أن الببتيدات تمثل فئة دوائية واعدة، لكنها ما زالت تحتاج إلى المزيد من الدراسات السريرية لإثبات فعالية العديد من استخداماتها.

الببتيدات وإطالة العمر ( مصدر الصورة: Northeastern University )

ما هي الببتيدات؟

الببتيدات هي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية التي تشكل اللبنات الأساسية للبروتينات في الجسم. وترتبط هذه الجزيئات بمستقبلات موجودة على سطح الخلايا، ما يؤدي إلى تنشيط مجموعة واسعة من العمليات الحيوية، مثل تجديد الأنسجة وإنتاج الهرمونات وتنظيم عمليات الأيض.

وقال البروفيسور منصور أميجي، أستاذ العلوم الصيدلانية والهندسة الكيميائية، إن الببتيدات توجد بصورة طبيعية داخل جسم الإنسان، كما يمكن تصنيعها دوائيا لعلاج أمراض مختلفة، وتنظيم عمليات التمثيل الغذائي، والسيطرة على العديد من الحالات المزمنة.

أدوية معتمدة تعتمد على الببتيدات

رغم الجدل المحيط بالببتيدات، فإن عددا من الأدوية المعتمدة بالفعل يعتمد عليها، ومن أبرزها:

أدوية محفزات مستقبل GLP-1 مثل أوزمبيك وويغوفي ومونجارو المستخدمة لعلاج السكري والسمنة.

الإنسولين، وهو هرمون ببتيدي يستخدم منذ سنوات لعلاج مرض السكري.

مكملات الكولاجين التي تسوق لتحسين صحة الجلد والمفاصل.

لماذا تحظى الببتيدات بكل هذا الاهتمام؟

يرى الباحثون أن الببتيدات يمكن تصميمها لاستهداف عمليات بيولوجية محددة داخل الجسم، مثل:

تجديد الأنسجة.

تسريع التئام العظام والجروح.

دعم صحة الجهاز الهضمي.

التأثير في الوظائف الهرمونية.

تنظيم عمليات الأيض.

ولهذا السبب يروج بعض المؤثرين في مجالات الصحة وإطالة العمر لقدرتها على تسريع التعافي، وتحسين الأداء البدني، وإبطاء الشيخوخة، رغم أن كثيرا من هذه الادعاءات لم تثبت علميا حتى الآن.

نقاش داخل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية

يتزامن الاهتمام المتزايد بالببتيدات مع مناقشات داخل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) حول إمكانية تخفيف القيود المفروضة على بعض الأدوية الببتيدية التي لا تزال تفتقر إلى دراسات كافية.

وقد أوصت لجنة استشارية بالسماح للصيدليات المتخصصة بتحضير أدوية ببتيدية مخصصة لبعض المرضى بوصفة طبية، وتشمل:

BPC-157

KPV

TB-500

MOTs-C

وتستهدف هذه المركبات حالات مثل التهاب القولون التقرحي، والتئام الجروح، وبعض الأمراض الالتهابية، والسمنة، وهشاشة العظام.

ومع ذلك، شدد الخبراء على أن توصية اللجنة لا تعني حصول هذه المركبات على موافقة رسمية من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

لماذا يحذر العلماء؟

أوضح الخبير الدوائي جون كيتس أن القلق الرئيسي يتمثل في أن كثيرا من هذه الببتيدات لم يخضع لاختبارات سريرية طويلة الأمد بالشكل المطلوب لاعتماد أي دواء جديد.

وأشار إلى أن تطوير أي دواء جديد يستغرق عادة أكثر من عشر سنوات، ويتطلب المرور بمراحل تشمل:

الأبحاث والتطوير.

التجارب السريرية على البشر.

تقييم السلامة.

إثبات الفعالية.

مراجعة عمليات التصنيع.

إجراء اختبارات السمية.

وأكد أن كثيرا من الببتيدات المتداولة حاليا لم يستوف هذه المتطلبات الأساسية.

كيف تطورت صناعة الببتيدات؟

ظلت الببتيدات لعقود مرشحة للاستخدام الدوائي، لكن تصنيعها كان معقدا ويستغرق وقتا طويلا، إلى أن أحدث الكيميائي بروس ميريفيلد ثورة في هذا المجال بعد تطوير تقنية التخليق الببتيدي بالطور الصلب، التي نال عنها جائزة نوبل في الكيمياء عام 1984.

وساهمت التطورات اللاحقة في الكيمياء والأتمتة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في جعل إنتاج الببتيدات أكثر سهولة وكفاءة.

العقبة الأكبر: إيصال الدواء إلى المكان الصحيح

رغم التقدم في تصنيع الببتيدات، فإن أكبر تحد ما زال يتمثل في إيصالها إلى الأنسجة والخلايا المستهدفة.

وأوضح البروفيسور منصور أميجي أن الببتيدات بعد حقنها يجب أن:

تنجو من آليات الدفاع الطبيعية في الجسم.

تنتقل عبر الدورة الدموية إلى العضو المستهدف.

تدخل الخلايا الصحيحة.

تصل أحيانا إلى تراكيب دقيقة داخل الخلية.

وأشار إلى أن كثيرا من المنتجات الببتيدية التي تباع عبر الإنترنت قد لا تصل أساسا إلى أهدافها الحيوية بسبب غياب أنظمة توصيل دوائي فعالة.

مستقبل واعد يعتمد على تقنية النانو

يرى الباحثون أن مستقبل الببتيدات يعتمد بدرجة كبيرة على تطوير وسائل أكثر كفاءة لتوصيلها داخل الجسم، ومن أبرزها استخدام الجسيمات النانوية التي تعمل كحاملات دقيقة تحمي الجزيئات الدوائية وتساعدها على الوصول إلى أهدافها العلاجية.

وأكد جون كيتس أن حل مشكلة توصيل الدواء قد يجعل الببتيدات من أكثر العلاجات فعالية في المستقبل، مضيفا أن هذا المجال يحمل إمكانات كبيرة إذا نجح العلماء في تجاوز هذه العقبة التقنية.