برق غامض تحت الماء يثير حيرة العلماء في المحيط الهادئ

ظاهرة غامضة تحت مياه المحيط ( مصدر الصورة: Freepik ) ظاهرة غامضة تحت مياه المحيط ( مصدر الصورة: Freepik )

يخفي المحيط الهادئ الكثير من الأسرار، لكن أحدها لا يزال يحير العلماء حتى اليوم.

ففي منطقة حلقة النار في المحيط الهادئ، الممتدة من سومطرة وجاوة في الغرب إلى سواحل تشيلي في الشرق، تظهر من وقت إلى آخر تحت الماء شرائط ضوئية ساطعة، تختفي بالسرعة نفسها التي تظهر بها.

ولا تعتمد هذه الومضات على العواصف، كما أنها تظهر من دون سبب واضح يمكن رصده.

وأطلق البولينيزيون القدماء على هذه الظاهرة اسم «تي لابا»، أي «الومضة»، واستخدموها على مدى قرون في الملاحة.

أضواء غامضة تومض تحت مياه المحيط الهادئ ( مصدر الصورة: Freepik )

ورغم مرور عقود على توثيق الظاهرة، لا يزال العلم عاجزا عن الإجابة عن السؤال الأساسي: ما طبيعة هذه الأضواء الغامضة؟

أضواء ساعدت البولينيزيين على الملاحة

لفترة طويلة، لم يتمكن المستكشفون الأوروبيون من فهم كيفية تمكن البولينيزيين القدماء من العثور على الجزر الصغيرة وسط المحيط الشاسع.

وأصبح معروفا الآن أن أدواتهم الملاحية لم تقتصر على النجوم والتيارات البحرية، بل شملت أيضا هذه الأضواء الغامضة التي تظهر تحت سطح الماء.

وفي عام 1972، سلط الطبيب والعالم ديفيد لويس الضوء على ظاهرة «تي لابا» في كتابه «نحن الملاحون»، ووصفها بأنها ومضات تشبه البرق تحت الماء وتنبعث من مناطق قريبة من الجزر والشعاب المرجانية.

وفي عام 1993، توجهت عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية ماريانا جورج إلى جزيرة تاوماكو في جزر سليمان، للقاء الزعيم المحلي أليكي كولوكو كافيا، الذي كان يحافظ على المعارف الملاحية القديمة.

وكان كافيا من نسل ملاح أسطوري من شعب تاوماكو، وقد تعلم الملاحة منذ طفولته على يد والده وشيوخ قبيلته.

مشاهدة الظاهرة في البحر

خرجت ماريانا جورج مع كافيا إلى البحر، وتمكنت من التأكد بنفسها من أن الظاهرة حقيقية.

وشبهتها بـ«شعلة تشتعل في لحظة ثم تنطفئ فورا».

وأشارت جورج إلى أن الضوء ينبعث من تحت الماء، من جهة اليابسة، وأنه يمكن أن يؤدي بالفعل دور المنارة بالنسبة إلى البحارة، إذ يمكن رؤيته على مسافة تتراوح بين 150 و190 كيلومترا من الساحل.

ويصف آخرون «تي لابا» بأنها أشعة ضوئية خطية تخترق طبقات المياه للحظات قصيرة ثم تختفي.

ولا تشبه هذه الأضواء التوهج المعتاد للعوالق البحرية، كما أنها لا ترتبط بالظروف الجوية على سطح المحيط.

ما تفسير الظاهرة؟

انقسم العلماء في محاولاتهم لتفسير هذه الظاهرة الغامضة، وبرز تفسيران رئيسيان.

التفسير الأول: التلألؤ الحيوي

تربط الفرضية الأكثر انتشارا الظاهرة بكائنات مجهرية وحيدة الخلية تعرف باسم الدينوفلاجيلات، وهي كائنات قادرة على إصدار الضوء استجابة لتأثير ميكانيكي، مثل حركة الأمواج أو الأسماك.

وأجرى أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة هارفارد جون هات تجربة داخل المختبر، وأظهر أن مرور مجموعة من الأسماك بسرعة عبر تجمع من هذه الكائنات يمكن أن ينتج بالفعل ومضة ضوئية خطية تشبه الوصف المعروف لظاهرة «تي لابا».

وقال هات إن فريقه تمكن من تسجيل الظاهرة بالفيديو، ثم أرسل التسجيل إلى سكان جزر الشعاب المرجانية في سانتا كروز، الذين أكدوا أنهم شاهدوا ظاهرة مماثلة بأنفسهم.

وأوضح أن الأسماك التي تتحرك بسرعة يمكن أن تنتج شيئا يشبه ما وصفه الأشخاص الذين أبلغوا عن رؤية الظاهرة.

لكن إثبات إمكانية ظهور هذه الومضات تحت الماء ليس سوى الخطوة الأولى.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع هذه الكائنات المجهرية إنتاج ضوء ساطع وموجّه بدرجة كافية ليستخدم فعليا كوسيلة للملاحة؟

التفسير الثاني: تفريغ كهربائي

يرى التفسير الثاني أن ومضات «تي لابا» قد تكون ناتجة عن تفريغات كهربائية، أي أن مصدر الضوء ذو طبيعة كهربائية.

وتتميز منطقة حلقة النار بنشاط تكتوني قوي، كما توجد في قاع المحيط ينابيع حرارية مائية نشطة تنتج مجالات كهرومغناطيسية.

وتفترض إحدى الفرضيات أن ظروفا معينة، مثل فقاعات الغاز والتغيرات المفاجئة في درجات الحرارة والمواد المعدنية الموجودة بالقرب من الينابيع الحرارية المائية، قد تؤدي إلى تراكم شحنة كهربائية في المياه المالحة، التي تعد موصلا جيدا للكهرباء.

وبذلك، يمكن أن تشبه ظاهرة «تي لابا» الطريقة التي يتشكل بها البرق المعتاد، ولكن في وسط مختلف، هو البيئة المائية.

هل يمكن أن يكون ثعبان البحر السبب؟

لا يزال العلماء المعاصرون، مثل الباحثين الذين درسوا الظاهرة قبل عقود، يؤكدون عدم وجود تفسير علمي نهائي لطبيعة هذه الومضات الغامضة تحت الماء.

ويعتقد بعض العلماء أن القيمة الملاحية لظاهرة «تي لابا» ربما جرى تضخيمها، بينما يشير آخرون إلى وجود تناقضات في الروايات التي نقلها البولينيزيون أنفسهم.

ومع ذلك، لا يفقد جون هات تفاؤله، إذ يواصل دراسة الظاهرة، ويرى أن تفسيرها بالتلألؤ الحيوي هو الاحتمال الأكثر ترجيحا.

وقال هات إنه لا يوجد في الوقت الحالي تفسير نهائي لأصل ظاهرة «تي لابا».

لكنه أشار إلى وجود أسماك تنتقل من جزيرة إلى أخرى، معتبرا أن ثعبان البحر المرقط الكبير أحد المرشحين المحتملين لتفسير الظاهرة.

وأوضح أن المعلومات المتوفرة عن سلوك هذا النوع محدودة، لكن المعروف أنه يعيش في المناطق التي سجلت فيها هذه الومضات تحت الماء، كما أنه ينشط خلال الليل.

ويرى أستاذ جامعة هارفارد أن هذا الكائن ربما يمثل الحلقة المفقودة في تفسير اتجاه الومضات الغامضة وتكرار ظهورها.

فقد تتحرك الحيوانات المفترسة الليلية، مثل ثعابين البحر، بسرعة عبر تجمعات العوالق المضيئة، فتنتج ومضة ضوئية خطية يمكن أن تبدو للبحارة كضوء يأتي من تحت الماء.

ظاهرة لم تجد تفسيرها النهائي

في النهاية، لا تزال هذه الفرضية هي التفسير الوحيد الذي خضع للاختبار في ظروف المختبر، وأظهر بعض النتائج الإيجابية.

ومع ذلك، لا يستطيع العلماء حتى الآن الجزم بأن التلألؤ الحيوي الناتج عن حركة الكائنات البحرية هو السبب الحقيقي وراء ظاهرة «تي لابا».

وبين فرضية الكائنات المضيئة واحتمال التفريغ الكهربائي، تظل الومضات الغامضة تحت مياه المحيط الهادئ واحدة من الظواهر التي لم يحسم العلم طبيعتها بشكل نهائي.