توصل علماء روس إلى طريقة يمكن أن ترفع إنتاجية القمح بأكثر من 30% من دون الحاجة إلى معالجة كيميائية إضافية.
وأظهرت دراسة أن تشعيع بذور القمح قبل زراعتها بجرعات منخفضة من الإلكترونات والأشعة السينية لا يزيد كمية الحبوب الناتجة بشكل ملحوظ فحسب، بل يساعد النباتات أيضا على مقاومة الأمراض الفطرية الخطيرة بشكل أفضل.
وأوضح الخبراء أن التعرض لجرعات منخفضة من الإشعاع لا يؤدي إلى حدوث تغيرات في المنتجات يمكن أن تشكل خطرا على الإنسان.
لكنهم حذروا في الوقت نفسه من أن استخدام جرعات مرتفعة جدا يمكن أن يؤدي إلى تكوين مركبات سامة داخل النباتات، ولذلك من الضروري عدم تجاوز الحدود المناسبة للجرعات.
تجارب مخبرية وحقلية
درس متخصصون من معهد د. ف. سكوبيلتسين للفيزياء النووية في جامعة موسكو الحكومية، ومن كليتي الفيزياء والكيمياء في الجامعة، بالتعاون مع المركز العلمي الفيدرالي السيبيري للتقنيات الحيوية الزراعية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، تأثير معالجة بذور القمح قبل الزراعة بالإلكترونات والأشعة السينية في نمو النباتات.
وجمع البحث بين التجارب المخبرية والتجارب الحقلية التي استمرت عامين، إضافة إلى النمذجة الحاسوبية.
وأوضح العلماء أن الطرق الفيزيائية لمعالجة البذور، بما في ذلك استخدام الإشعاع المؤين، تعد من الأساليب الصديقة نسبيا للبيئة لتحفيز نمو المحاصيل وحمايتها من الأمراض.
وقالت أوليانا بليزنيوك، رئيسة مختبر المعالجة الإشعاعية للأجسام والمواد الحيوية في قسم الطرق النووية الفيزيائية في الطب والصناعة بمعهد د. ف. سكوبيلتسين للفيزياء النووية بجامعة موسكو الحكومية، والمحاضرة الأولى في كلية الفيزياء بالجامعة، إن اختيار نوع وجرعة الإشعاع بشكل صحيح يمكن أن يزيد حيوية البذور ويحفز آليات التكيف لدى النبات.
وأوضحت أن هذه التقنية مهمة بشكل خاص للقطاع الزراعي، لأنها قد تتيح زيادة إنتاجية المحاصيل ومقاومتها للأمراض، مع تقليل الاعتماد على المواد الكيميائية في التربة والنباتات.
اختبار نوع محدد من القمح
استخدم الباحثون في الدراسة بذور قمح من صنف «نوفوسيبيرسك 29».
وعولجت البذور باستخدام إلكترونات مسرعة بطاقة 1 ميغا إلكترون فولت، إضافة إلى الأشعة السينية بطاقة 80 كيلو إلكترون فولت.
والكيلو إلكترون فولت هو وحدة تستخدم لقياس الطاقة الحركية للجسيمات.
وأكدت بولينا بورشيغوفسكايا، الأستاذة المشاركة في كلية الفيزياء بجامعة موسكو الحكومية، أن تأثير المعالجة قبل الزراعة لا يمكن دراسته بمعزل عن البيئة المحيطة.
وأوضحت أن المعالجة بالجرعة نفسها قد تؤدي إلى نتائج مختلفة وفقا لكمية الأمطار ودرجة الحرارة ومستوى وجود مسببات الأمراض النباتية في التربة.
ولذلك، فإن تطبيق هذه التقنية عمليا يتطلب مراعاة ليس فقط الخصائص الفيزيائية للإشعاع، بل أيضا الظروف المناخية والزراعية.
أفضل جرعة بين 5 و15 غراي
أظهرت النتائج أن النطاق الأكثر promising لمعالجة بذور القمح قبل الزراعة كان بين 5 و15 غراي (Gy).
وقالت فيكتوريا إيبّاتوفا، الباحثة العلمية المبتدئة في قسم الطرق النووية الفيزيائية في الطب والصناعة بمعهد د. ف. سكوبيلتسين للفيزياء النووية بجامعة موسكو الحكومية، إن تحديد نطاق الجرعات المثالي استند إلى البيانات التجريبية المتعلقة بإنتاجية المحصول ومدى إصابة النباتات بمرض السيبتوريا بعد معالجة البذور بالإلكترونات المسرعة والأشعة السينية.
وفي السنة الأولى من التجارب الحقلية، أدى استخدام كلا نوعي الإشعاع إلى زيادة إنتاجية القمح بنسبة تراوحت بين 22 و48%.
أما في السنة الثانية، فقد أظهر التعرض للأشعة السينية التأثير الإيجابي الأكثر استقرارا، إذ تراوحت الزيادة في الإنتاجية بين 9 و33%.
النمذجة الحاسوبية تكشف ما يحدث داخل البذور
لم يقتصر البحث على مقارنة إنتاجية المحاصيل.
فقد استخدم العلماء النمذجة الحاسوبية لحساب كيفية توزيع الجرعة الإشعاعية الممتصة والطاقة داخل البذور.
كما أولى الباحثون اهتماما خاصا بما يعرف باسم أنواع الأكسجين التفاعلية، وهي مركبات تتشكل عندما يؤثر الإشعاع في الماء الموجود داخل أنسجة البذور.
وفي الجرعات المرتفعة، يمكن لهذه المركبات أن تسبب تلفا للخلايا.
أما عند وجودها بكميات صغيرة، فإنها يمكن أن تؤدي على العكس إلى تنشيط آليات الحماية والتكيف داخل النبات.
وأوضح العلماء أن هذه المركبات تنشط نظام مضادات الأكسدة، وتساعد على إعادة تنظيم عمليات التمثيل الغذائي، كما تساهم في تنظيم نمو النباتات.
جرعات صغيرة من الإشعاع في الزراعة
يتطلب تطبيق هذه التقنية عمليا عدم الاعتماد على جرعة واحدة تصلح لجميع الحالات، بل تحديد نظام إشعاعي مناسب لكل حالة.
ويعتمد ذلك على صنف القمح، وحجم البذور وشكلها، ونوع مصدر الإشعاع وقوته، إضافة إلى مستوى خطر الإصابة بالأمراض الفطرية.
ولذلك، فإن الجمع بين التجارب الحقلية والنمذجة الحاسوبية يمكن أن يساعد في تحديد أكثر معايير المعالجة فعالية.
وقال ألكسندر تشيرنيايف، رئيس قسم الفيزياء في جامعة موسكو الحكومية ورئيس قسم الطرق النووية الفيزيائية في الطب والصناعة بمعهد د. ف. سكوبيلتسين للفيزياء النووية، إن الدراسات المقبلة ستركز على فهم الآليات الجزيئية التي تبدأ داخل البذور نتيجة التعرض لجرعات منخفضة من الإشعاع المؤين.
وأضاف أن هذا النهج المتكامل يمكن أن يشكل أساسا لتطوير طرق فعالة لزيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية.
لماذا تحفز الجرعات المنخفضة نمو النبات؟
قالت نادجدا كودرياشيفا، أستاذة قسم الفيزياء الحيوية في الجامعة الفيدرالية السيبيرية والباحثة العلمية الرئيسية في معهد الفيزياء الحيوية التابع لفرع سيبيريا من الأكاديمية الروسية للعلوم، إن الجرعات الصغيرة من الإشعاع يمكن بالفعل أن تحفز بعض الوظائف الفسيولوجية لدى الكائنات الحية.
وأوضحت أن الأنظمة الحية، عندما تحاول تعويض تأثير الإجهاد، تسعى إلى الوصول إلى حالة توازن جديدة.
وأضافت أن هذا التأثير مهم بشكل خاص بالنسبة إلى النباتات، لأنها أكثر مقاومة للإشعاع مقارنة بالبكتيريا والحيوانات.
النباتات أكثر تحملا للإشعاع
أشارت الخبيرة إلى أن قدرة الكائن الحي على تحمل الإشعاع ترتبط بشكل مباشر بدرجة تعقيده.
فكلما كان الكائن أكثر تعقيدا، امتلك عددا أكبر من آليات الحماية.
ولهذا السبب، تتحمل النباتات هذا النوع من التأثير بسهولة أكبر من البكتيريا، كما يمكنها الاستجابة له من خلال تحفيز عملياتها الفسيولوجية.
وأكدت كودرياشيفا أن المهمة الأساسية تتمثل في تحديد الجرعة المثلى.
فالجرعات المنخفضة من الإشعاع لا تسبب تغيرات في المحصول يمكن أن تشكل خطرا على الإنسان، بينما قد يؤدي تجاوز هذه المستويات إلى تكوين مركبات سامة.
ولهذا السبب، يجب تحديد أنظمة الاستخدام الآمنة والفعالة لكل محصول ولكل ظروف زراعية من خلال التجارب.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات
قالت غالينا كاربوڤا، دكتورة العلوم الزراعية ورئيسة قسم «علم الأحياء العام والكيمياء الحيوية» في جامعة بينزا الحكومية، إن الطرق الفيزيائية لمعالجة البذور، بما في ذلك الإشعاع المؤين، تعد من الأساليب الواعدة لتحفيز إنبات البذور.
وأوضحت أن التحفيز المبكر لعمليات النمو يمكن بالفعل أن يؤثر في تطور النباتات لاحقا وفي إنتاجيتها.
لكنها أكدت أن النتائج التي تم الحصول عليها باستخدام صنف القمح «نوفوسيبيرسك 29» تحتاج إلى مزيد من التحقق.
ويبقى السؤال الرئيسي مفتوحا، وهو ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على التأثير نفسه عند الانتقال من القطع التجريبية إلى عمليات الزراعة على نطاق واسع.
هل يمكن تطبيق التقنية على نطاق واسع؟
ترى الخبيرة أن التقنية تحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل تطبيقها على نطاق واسع.
ولا تقل أهمية ذلك عن تقييم جدواها الاقتصادية، إذ يجب تحديد نوع المنشآت الإنتاجية المطلوبة بحيث يكون استخدامها في القطاع الزراعي مجديا من الناحية الاقتصادية.
كما سيكون من الضروري تطوير معدات يمكن استخدامها لمعالجة البذور على نطاق صناعي واسع.
وبالتالي، تشير نتائج الدراسة إلى إمكانات واعدة لاستخدام الجرعات المنخفضة من الإشعاع في تحسين إنتاجية القمح، لكن تحويل هذه التقنية إلى ممارسة زراعية واسعة يتطلب مزيدا من التجارب لتحديد الجرعات الآمنة والفعالة، وفهم تأثير الظروف البيئية، وضمان الجدوى الاقتصادية للتطبيق الصناعي.