‏ربط 3 أدمغة بشرية مصغرة في المختبر والعلماء يكتشفون قدرتها على تمييز الإشارات

‏ربط ثلاثة عضويات دماغية بشرية في المختبر والنتيجة مذهلة ( ‏مصدر الصورة الرئيسية: Wikimedia ) ‏ربط ثلاثة عضويات دماغية بشرية في المختبر والنتيجة مذهلة ( ‏مصدر الصورة الرئيسية: Wikimedia )

 ‏الدماغ البشري آلة شديدة التعقيد لمعالجة المعلومات، ولذلك توجد حدود أخلاقية صارمة للغاية على أنواع معينة من الأبحاث التي يمكن إجراؤها عليه.

‏وقد شهدت أبحاث الدماغ خلال القرن العشرين مراحل أثارت قضايا أخلاقية كبيرة، بينما تخضع الأبحاث الحالية على أدمغة البشر لضوابط صارمة، لأسباب أخلاقية تتعلق بسلامة الأشخاص وحقوقهم.

‏لكن العلماء يستطيعون زراعة أجزاء صغيرة من النسيج العصبي البشري داخل المختبر.

‏وتعرف هذه الكتل الصغيرة ثلاثية الأبعاد من الأنسجة العصبية باسم العضويات الدماغية أو الأدمغة المصغرة. وهي ليست أدمغة كاملة أعيد إنتاجها بحجم صغير، لكنها تحاكي بعض البنية الخلوية والنشاط الكهربائي للدماغ بدرجة كافية، ما يمنح العلماء وسيلة لدراسة عمليات لا يمكن اختبارها مباشرة داخل جمجمة إنسان حي.

‏والآن، تمكن فريق بقيادة عالم الأعصاب يوشيهو إيكيؤوتشي من جامعة طوكيو من زراعة عدة عضويات دماغية وربطها معا ضمن شبكة، ثم مراقبة كيفية تعلمها التمييز بين مصدر الإشارات التي تصل إليها.

‏وكتب الباحثون في دراستهم أن النتائج تظهر أن تكرار الإشارات داخل شبكة منظمة ومكونة من وحدات يمكن أن يعيد تشكيل العضويات التي نشأت في الظروف نفسها، بحيث تتطور هذه الوحدات إلى أجزاء ذات وظائف مختلفة، وهو ما يؤدي إلى تحسين قدرتها الوظيفية في المختبر.

‏كيف تعلمت العضويات تمييز الإشارات؟

‏تجربة على أدمغة بشرية مصغرة ‏( مصدر الصور: Communications Biology )

‏لا يعني ذلك أن هذه العضويات الدماغية بدأت بتكوين شبكة واعية أو أنها أصبحت تمتلك إدراكا يشبه الدماغ البشري.

‏بل تشير الدراسة إلى أن وجود بنية معينة مكونة من وحدات مترابطة قد يكون ضروريا لكي تتمكن الأنسجة العصبية من تعلم التمييز بين الإشارات المختلفة.

‏فالدماغ البشري ليس مجرد كتلة متجانسة من الألياف والخلايا العصبية. وإنما يتكون من مناطق متعددة، لكل منها شبكتها المحلية، وتتواصل هذه المناطق فيما بينها عبر روابط عصبية تمتد لمسافات أطول.

‏وتسمح هذه البنية المنظمة لمناطق مختلفة من الدماغ بأداء وظائف مختلفة، مع بقائها جزءا من شبكة عصبية واحدة.

‏ومع ذلك، لا تزال المتطلبات الأساسية التي تحتاج إليها الأنسجة العصبية لتكوين دوائر وظيفية غير مفهومة بالكامل. ومع تطور نماذج العضويات الدماغية، قرر إيكيؤوتشي وفريقه استخدامها لدراسة كيفية نشوء هذه الدوائر.

‏زراعة العضويات من خلايا بشرية

‏نشأ هذا النوع من العضويات الدماغية من الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات المستحثة البشرية (hiPSCs).

‏وهذه الخلايا هي في الأساس خلايا بشرية ناضجة أعيدت برمجتها إلى حالة تشبه الخلايا الجذعية، ما يمنحها القدرة على التحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا عند توجيهها بالطريقة المناسبة.

‏وقام إيكيؤوتشي وفريقه بتوجيه هذه الخلايا الجذعية لتتطور إلى أنسجة دماغية، ما وفر للباحثين عددا من الكتل الصغيرة من الأنسجة العصبية لإجراء التجارب عليها.

‏ربط العضويات بأقطاب كهربائية

‏وضع الباحثون هذه الكتل على شرائح خاصة مزودة بعدد كبير من الأقطاب الكهربائية الصغيرة.

‏وسمحت هذه الأقطاب للباحثين بإرسال إشارات كهربائية إلى العضويات الدماغية، وكذلك تسجيل النشاط العصبي الناتج عنها.

‏وضمت بعض الشرائح عضوية دماغية واحدة، بينما احتوت شرائح أخرى على عضويتين، في حين احتوت مجموعة ثالثة على ثلاث عضويات.

‏وترك الباحثون العضويات لأكثر من أسبوعين، لإتاحة الوقت أمامها للنمو وتكوين المحاور العصبية، وهي امتدادات طويلة للخلايا العصبية تنقل الإشارات، ولتكوين روابط بينها.

‏وأظهرت التسجيلات التي أجريت بعد هذه الفترة نشاطا كهربائيا متزامنا بين العضويات التي جرى تجميعها معا، ما أكد أنها شكلت شبكات عصبية وظيفية.

‏تحفيز الشبكات العصبية

‏بعد ذلك، بدأ الجزء الرئيسي من التجربة.

‏وعلى مدار أسبوعين، حفز الباحثون الشبكات العصبية كهربائيا كل يوم في موقعين مختلفين، بمعدل 100 مرة في كل موقع، مع تسجيل النشاط العصبي الناتج في مكان آخر من الشريحة.

‏وفي الشرائح التي احتوت على عضوية واحدة، جرى إرسال الإشارات الكهربائية إلى موقعين مختلفين داخل العضوية نفسها.

‏أما في الشرائح التي احتوت على عضويتين، فقد أرسلت الإشارتان إلى إحدى العضويتين، بينما سجل النشاط العصبي في العضوية الأخرى.

‏وفي الشبكات التي احتوت على ثلاث عضويات، وزعت الإشارات الكهربائية بين عضويتين، بينما سجل النشاط العصبي في العضوية الثالثة التي لم تتعرض للتحفيز المباشر.

‏وكان الهدف معرفة ما إذا كان تكرار التحفيز سيجعل الأنسجة العصبية تتعلم الاستجابة بشكل مختلف اعتمادا على مصدر الإشارة.

‏استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل النشاط

‏لمعرفة ما إذا كانت العضويات قد تعلمت التمييز بين الإشارات، استخدم الباحثون خوارزميات التعلم الآلي لتحليل أنماط النشاط العصبي التي ظهرت بعد كل تحفيز.

‏وطلب الباحثون من الخوارزميات تحديد أي من الموقعين تعرض للتحفيز الكهربائي.

‏وفي بداية التجربة، اختار العلماء عمدا مواقع تحفيز تنتج استجابات متشابهة يصعب التمييز بينها.

‏ونتيجة لذلك، لم تتمكن الخوارزميات من تحديد مصدر الإشارة بشكل صحيح إلا في نحو نصف المحاولات، وهي نتيجة تتوافق تقريبا مع التخمين العشوائي.

‏لكن بعد أسبوعين من التحفيز المتكرر، بدأت صورة مختلفة في الظهور.

‏ثلاثة عضويات أظهرت تحسنا واضحا

‏لم يظهر التحسن نفسه في العضويات الفردية أو الشبكات المكونة من عضويتين، إذ بقيت الاستجابات الناتجة عن الإشارتين متشابهة إلى حد يصعب معه التمييز بينهما.

‏أما في الشبكات المكونة من ثلاث عضويات دماغية، فقد أصبحت الإشارتان أكثر قابلية للتمييز من خلال النشاط الذي ظهر في العضوية الثالثة.

‏كما أصبحت الاستجابات العصبية أسرع وأكثر استقرارا، وظهرت اختلافات مكانية أكثر وضوحا في النشاط الناتج.

‏والأهم أن الشبكات المكونة من ثلاث عضويات التي لم تتعرض للتحفيز المتكرر لم تظهر التحسن نفسه.

‏وهذا يشير إلى أن التغير لم يكن مجرد نتيجة لقضاء العضويات أسبوعين إضافيين في النمو داخل المختبر، بل إن الإشارات المتكررة نفسها يبدو أنها دفعت الشبكات العصبية إلى إعادة تنظيم نفسها.

‏شكل بدائي من التعلم

‏يمثل هذا الأمر شكلا بسيطا جدا من التعلم، ولا يزال بعيدا للغاية عن عمليات معالجة المعلومات المعقدة التي ينفذها الدماغ البشري الكامل.

‏لكن الباحثين يقولون إن النتائج تشير إلى أن تنظيم الأنسجة العصبية في وحدات مترابطة، لكل منها أدوار مختلفة، قد يساعدها على تطوير القدرة على التمييز بين مصادر المعلومات المختلفة.

‏ويعد التمييز الأساسي بين الإشارات متطلبا مهما لعمليات معالجة المعلومات الأكثر تعقيدا، ولذلك يمكن أن توفر هذه النتائج للعلماء طريقة جديدة لدراسة كيفية ظهور الوظائف العصبية الأكثر تطورا.

‏أبحاث أكثر تعقيدا مستقبلا

‏كتب الباحثون أن اختبار العضويات الدماغية باستخدام إشارات أكثر تعقيدا ومهام أكثر تطورا سيكون مهما في الأبحاث المستقبلية.

‏كما اقترحوا التركيز على تحديد ما يعرف باسم الخلايا العقدية أو الخلايا العصبية المحورية، وهي خلايا قد تساعد على إنشاء روابط داخل العضويات وبين العضويات المختلفة.

‏ويرى الباحثون أن الجمع بين هذا النوع من التحليل والدراسات الكيميائية الحيوية والجزيئية يمكن أن يساعد على الكشف عن الآليات التي تقف وراء التغيرات في المرونة التشابكية والاتصالات بين الخلايا العصبية.

‏وتشير المرونة التشابكية إلى قدرة الوصلات بين الخلايا العصبية على التغير استجابة للنشاط والخبرات، وهي آلية أساسية مرتبطة بالتعلم وتخزين المعلومات في الجهاز العصبي.

‏نشرت نتائج الدراسة في مجلة Communications Biology.