ليست كل المشابك العصبية ضرورية للذاكرة ... تجمعات محددة تحافظ على الذكريات

اكتشاف آلية تحافظ على الذكريات حتى عند فقدان معظم المشابك العصبية ( مصدر الصورة: Freepik ) اكتشاف آلية تحافظ على الذكريات حتى عند فقدان معظم المشابك العصبية ( مصدر الصورة: Freepik )

كشف علماء أعصاب يابانيون عن آلية تساعد الدماغ على الحفاظ على الذكريات حتى في ظروف شديدة الانخفاض في النشاط العصبي.

وأظهرت تجربة أجريت على الفئران باستخدام السبات الاصطناعي أن الدماغ لا يحافظ على الذكريات بالاعتماد على قوة كل اتصال عصبي بشكل منفرد، بل من خلال تجمعات خاصة من المشابك العصبية، تبدو أكثر قدرة على تحمل الانخفاض الشديد في نشاط الدماغ.

وتشير النتائج إلى أن بعض المشابك العصبية قد تكون أساسية للحفاظ على الذاكرة، بينما يمكن فقدان مشابك أخرى دون أن يؤدي ذلك إلى محو الذكريات.

اختبار الذاكرة أثناء السبات

آلية جديدة للحفاظ على الذكريات ( مصدر الصورة: Freepik )

أدخل الباحثون القوارض في حالة من السبات الاصطناعي، ما أدى إلى انخفاض حاد في النشاط الأيضي والعصبي داخل الدماغ.

وأتاح ذلك للعلماء متابعة العناصر المختلفة لما يعرف باسم إنغرامات الذاكرة، وهي تغيرات أو آثار مادية داخل مجموعات من الخلايا العصبية ترتبط بتخزين معلومات وذكريات محددة.

وكان الهدف هو معرفة أي أجزاء هذه الإنغرامات تستطيع الصمود عندما ينخفض نشاط الدماغ بشكل كبير.

تقنية لرؤية المشابك العصبية

استخدم الباحثون تقنية تعرف باسم المجهر الضوئي والإلكتروني الترابطي CLEM لتحليل بنية المشابك العصبية.

وتسمح هذه التقنية للعلماء أولا بتحديد المناطق المطلوبة باستخدام علامات فلورية، ثم فحص المناطق نفسها بدقة عالية باستخدام المجهر الإلكتروني على المستوى فائق الدقة.

وبفضل هذه الطريقة، تمكن الباحثون من دراسة إنغرامات الذاكرة بالتفصيل، وتحديد أنماط من الاتصالات العصبية التي بقيت مستقرة خلال السبات الاصطناعي.

فقدان أكثر من نصف المشابك

كانت النتائج مفاجئة.

فخلال فترة السبات، اختفى أكثر من نصف المشابك العصبية في منطقة الحصين، وهي منطقة دماغية ترتبط ارتباطا وثيقا بتكوين الذكريات والتعلم.

كما انخفض معدل نشاط الخلايا العصبية بنحو 70%.

ورغم ذلك، لم تفقد الفئران ذكرياتها، بل أظهرت الذاكرة تحسنا في بعض الحالات.

وكانت الملاحظة الأهم أن المشابك العصبية المنفردة كانت الأكثر عرضة للاختفاء، بينما بقيت التجمعات الكثيفة من المشابك الموجودة على خلايا إنغرام أكثر استقرارا.

تجمعات المشابك تحمي الذاكرة

تشير النتائج إلى أن قوة الذاكرة لا تعتمد بالضرورة على بقاء كل مشبك عصبي مرتبط بإنغرام الذاكرة.

وبدلا من ذلك، يبدو أن مجموعات محددة من المشابك العصبية تعمل كنوع من الاحتياطي الموثوق للذاكرة، وتحافظ على الروابط الأساسية حتى عندما ينخفض النشاط العصبي بشكل كبير.

كما وجد الباحثون أن حجم الأشواك التغصنية، وهي بروزات صغيرة على الخلايا العصبية تستقبل الإشارات من الخلايا الأخرى، لم يكن له تأثير واضح في قدرة المشابك على البقاء.

وهذه النتيجة مهمة لأن حجم الأشواك التغصنية كان يعد في السابق مؤشرا مهما على قوة الذاكرة واستقرار الاتصالات العصبية.

حجم الأشواك لا يحدد بقاء الذاكرة

قال كازوماسا تاناكا، رئيس الدراسة من معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا، إن النتائج تشير إلى أن الحفاظ على الذاكرة طويلة المدى يعتمد على مجموعات محددة من المشابك العصبية، بينما قد تكون المشابك الأخرى غير ضرورية.

وأشار إلى أن حجم الأشواك التغصنية يزداد عند ترميز الذاكرة للمرة الأولى، لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن حجمها لا يبدو أنه يحدد قدرة الاتصال العصبي على البقاء والحفاظ على الذاكرة.

الدماغ يعيد بناء الاتصالات

بعد إيقاظ الفئران من حالة السبات، عاد نحو 80% من المشابك العصبية التي فقدت أثناء السبات إلى مواقعها السابقة.

ويرى الباحثون أن ذلك يشير إلى امتلاك الدماغ نوعا من «خريطة» للروابط العصبية، تساعده على إعادة بناء الاتصالات التي اختفت مؤقتا.

وتتعارض هذه النتيجة مع التصور السابق الذي يفترض أن جميع المشابك العصبية المرتبطة بإنغرام الذاكرة لها الأهمية نفسها في تخزين الذكريات.

وتشير الدراسة بدلا من ذلك إلى وجود مستويات مختلفة من الأهمية بين هذه الاتصالات، وأن بعض مجموعات المشابك قد تكون أكثر أهمية من غيرها في الحفاظ على المعلومات المخزنة في الدماغ.

أهمية النتائج لفهم الدماغ

تغير هذه الدراسة طريقة فهم العلماء لآليات تخزين الذكريات والحفاظ عليها، كما تفتح المجال أمام دراسات جديدة في علم الأعصاب.

وتوفر تقنية CLEM أداة مهمة لدراسة الأساس البنيوي الدقيق للذاكرة، بينما تساعد حالة السبات الاصطناعي على فهم الطريقة التي يحمي بها الدماغ الأنماط العصبية الأساسية عندما ينخفض نشاطه بشدة.

كما يمكن أن تساعد هذه النتائج العلماء على فهم كيفية تفاعل الذكريات المختلفة داخل الشبكات العصبية، وكيف يستطيع الدماغ الحفاظ على المعلومات المهمة رغم التغيرات الكبيرة في نشاطه.

وبما أن الشبكة العصبية المسؤولة عن تنظيم السبات تتشابه بين أنواع مختلفة من الثدييات، يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكون ذات أهمية أيضا لفهم بعض آليات عمل الدماغ البشري.

ومع ذلك، فإن الدراسة أجريت على الفئران، ولذلك تحتاج النتائج إلى مزيد من الأبحاث قبل معرفة مدى انطباق هذه الآليات على الإنسان.