تعطيل مستقبلات السيروتونين يفتح بابا جديدا لعلاج التهاب البنكرياس الحاد

طريقة جديدة لمواجهة التهاب البنكرياس الحاد ( مصدر الصور: Freepik ) طريقة جديدة لمواجهة التهاب البنكرياس الحاد ( مصدر الصور: Freepik )

يعد التهاب البنكرياس الحاد من أصعب المشكلات التي تواجه الطب الحديث، إذ يعاني المريض آلاما شديدة للغاية لا يمكن السيطرة عليها في بعض الحالات إلا باستخدام المسكنات المخدرة.

وفي الحالات الشديدة، يمكن أن يؤدي الضغط الكبير على الجسم إلى فشل متعدد في وظائف الأعضاء، كما ترتبط العمليات الجراحية التي تجرى على البنكرياس بمعدلات مرتفعة من الوفاة.

وقد تصل نسبة الوفيات في الحالات الشديدة إلى 70% حتى بعد إجراء الجراحة.

علاج التهاب البنكرياس الحاد ( مصدر الصور: Freepik )

ولا يستطيع الأطباء في الوقت الحالي سوى تخفيف الألم والسيطرة على بعض مضاعفات المرض، بينما لا توجد وسيلة قادرة بشكل موثوق على إيقاف عملية تدمير أنسجة البنكرياس في مراحلها المبكرة.

تحليل 541 تجربة على القوارض

حللت مجموعة من الأطباء وعلماء الأحياء من تشيليابينسك ويكاترينبورغ 541 دراسة تجريبية تناولت علاج التهاب البنكرياس الحاد لدى القوارض.

ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Diseases.

وبعد تطبيق معايير صارمة لاختيار الدراسات ذات الجودة، أدرج الباحثون تسع دراسات في التحليل النهائي.

وكان هدف العلماء البحث عن طرق للتدخل في آليات المرض قبل انتقال التهاب البنكرياس إلى مرحلة شديدة تترافق مع نخر الأنسجة ومضاعفات جهازية في الجسم.

تعطيل مستقبلات السيروتونين

حدد الباحثون تعطيل مستقبلات السيروتونين باعتباره أحد أكثر الاتجاهات العلاجية الواعدة.

ويعرف السيروتونين غالبا باسم «هرمون السعادة»، لكنه قد يؤدي دورا مختلفا تماما أثناء التهاب البنكرياس، إذ يمكن أن يساهم في زيادة تلف الأنسجة واستمرار العملية الالتهابية.

وفي التجارب التي أجريت على الحيوانات، أدى تعطيل تأثير السيروتونين إلى خفض مستويات إنزيمي الأميلاز والليباز في الدم بنسبة تراوحت بين 37% و65%.

كما ساهم هذا التدخل في تقليل تورم البنكرياس والحد من موت الخلايا.

استهداف الالتهاب قبل حدوث المضاعفات

قال أليكسي سارابولتسيف، مدير المركز الروسي-الصيني للأبحاث في علم الأمراض الجهازي بجامعة جنوب الأورال الحكومية، إن الباحثين ركزوا على معرفة إمكانية التأثير في الآليات المبكرة للالتهاب الناتج عن التهاب البنكرياس الحاد، قبل انتقال المرض إلى مرحلة شديدة تترافق مع النخر والمضاعفات الجهازية.

وأوضح أن الحديث عن علاج جاهز لا يزال مبكرا، لكن الدراسة تشير إلى آليات تستحق مزيدا من البحث، من بينها تنظيم السيروتونين للالتهاب، ومحور التوتر، والفيروبتوز.

وأضاف أن أهمية هذه النتائج بالنسبة إلى جراحة الحالات السريرية تكمن في البحث عن تدخلات مبكرة يمكن أن تساعد على تقليل شدة التهاب البنكرياس الحاد قبل الوصول إلى مضاعفات غير قابلة للعكس.

دواء خفض وفيات القوارض بعد الجراحة

كان الاتجاه الواعد الثاني هو استخدام مركب يعرف باسم ثياديزين L-17.

وفي التجارب، أدى هذا المركب إلى خفض معدل وفيات القوارض خلال الأيام السبعة التالية للجراحة من 50-70% إلى 30%.

ولم يقتصر تأثير الدواء على تثبيط الالتهاب، بل ساهم في تغيير سلوك الخلايا المناعية الموجودة في منطقة الإصابة، بحيث انتقلت من حالة مرتبطة بتدمير الأنسجة إلى حالة تساعد على ترميمها واستعادة الأنسجة المتضررة.

الفيروبتوز كهدف علاجي محتمل

يرتبط الاتجاه الثالث بعملية الفيروبتوز Ferroptosis، وهي نوع خاص من موت الخلايا يحدث نتيجة اضطراب استقلاب الحديد داخل الخلية.

وفي إحدى التجارب، أظهر دواء أولانزابين تأثيرا وقائيا ضد هذا النوع من تلف الخلايا.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن أولانزابين لا يستخدم حاليا لهذا الغرض في الممارسة السريرية.

لماذا لا يزال العلاج بعيدا؟

رغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن الطريق من التجارب الحيوانية إلى علاج حقيقي للمرضى لا يزال طويلا.

ففي التجارب، كانت الأدوية تعطى للحيوانات مباشرة أو خلال المراحل المبكرة جدا من المرض.

أما في الحياة الواقعية، فيصل المريض إلى الطبيب بعد أن يكون المرض قد بدأ بالتقدم بشكل أكبر، ما يجعل التدخل في الآليات المبكرة أكثر صعوبة.

لذلك، لا تقدم الدراسة علاجا جاهزا لالتهاب البنكرياس الحاد، لكنها تحدد مجموعة من الآليات التي يمكن أن تشكل أهدافا لأبحاث مستقبلية، خصوصا السيروتونين وتنظيم الالتهاب، ومحور التوتر، والفيروبتوز.

ويأمل الباحثون أن تساعد دراسة هذه المسارات على تطوير تدخلات مبكرة تقلل من شدة التهاب البنكرياس الحاد وتمنع وصوله إلى مرحلة النخر والمضاعفات الجهازية الخطيرة.