يعد فقدان الكتلة العضلية مع التقدم في العمر أمرا شائعا لدى كثير من الأشخاص، لكن آثاره قد تكون أكثر خطورة مما كان يعتقد سابقا.
وتشير أدلة جديدة إلى أن فقدان العضلات الملحوظ لدى البالغين في منتصف العمر وكبار السن لا يزيد فقط من الضعف الجسدي، بل قد يكون له تأثير مهم في صحة الدماغ أيضا.
وفي دراسة نشرت في المجلة الدولية لعلوم الأغذية والتغذية، وجد العلماء أن الساركوبينيا أو ضمور العضلات، وهي حالة مرتبطة بالتقدم في العمر وتتميز بانخفاض غير طبيعي في كتلة العضلات وقوتها، ارتبطت بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بالخرف.
فقدان العضلات والخرف ( مصدر الصورة: Getty Images )
وحلل فريق دولي من الباحثين بيانات من 83 دراسة أترابية مستقبلية تابعت أشخاصا يعانون السمنة و/أو الساركوبينيا.
وأظهر التحليل أن الساركوبينيا ارتبطت بزيادة خطر الإصابة بالخرف بجميع أسبابه بنسبة 42%، وارتفعت هذه النسبة إلى 48% لدى البالغين في منتصف العمر الذين تقل أعمارهم عن 65 عاما.
وتناولت الدراسة أيضا العلاقة بين السمنة والخرف، وهي علاقة حظيت بدراسة أكبر نسبيا، ما يشير إلى أن تأثير فقدان العضلات في صحة الدماغ ربما لم يحظ بالاهتمام الكافي مقارنة بعوامل أخرى.
وقالت الباحثة في مجال التغذية والمؤلفة المشاركة الأولى، أورايبورن بوراناسوكسكول من جامعة بورافا في تايلاند: «لا يتعلق الأمر فقط بوزن الجسم، إذ يبدو أن الحفاظ على قوة العضلات ووظيفتها مهم أيضا مع التقدم في العمر».
وأضافت أن النتائج تشير إلى أن فقدان العضلات قد يكون علامة تحذيرية مهمة فيما يتعلق بخطر الإصابة بالخرف.
ارتباط أقوى بالخرف الوعائي
كان الارتباط أكثر وضوحا في حالة الخرف الوعائي، إذ ارتبطت الساركوبينيا بزيادة خطر الإصابة بهذا النوع من الخرف بنسبة 70%.
وارتفعت النسبة إلى 74% لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر.
ويقصد بالخرف الوعائي التدهور في القدرات المعرفية الناتج عن مشكلات تؤثر في الأوعية الدموية التي تغذي الدماغ.
السمنة أظهرت نمطا مختلفا
وعند مقارنة الساركوبينيا بالسمنة، وجد الباحثون نمطا مختلفا في العلاقة مع خطر الإصابة بالخرف.
فالأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 65 عاما ويعانون السمنة كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بجميع أسبابه بنسبة 9%.
لكن لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر، ارتبطت السمنة بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسبة 17% مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون السمنة.
ويعرف هذا النمط باسم «مفارقة السمنة».
لكن الباحثين أوضحوا أن هذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن السمنة توفر فوائد صحية لكبار السن أو أنها تحميهم من التدهور المعرفي.
ما تفسير مفارقة السمنة؟
قد تكون هذه المفارقة مجرد إشارة مضللة ناتجة عن طريقة قياس مؤشر كتلة الجسم في الدراسات التي جرى تحليلها.
فمؤشر كتلة الجسم قد لا يميز بصورة كافية بين الدهون وكتلة الجسم الخالية من الدهون، إلى جانب وجود عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في النتائج.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن هناك احتمالا آخر، وهو أن السمنة قد توفر بالفعل نوعا من الحماية العصبية في بعض الحالات.
وكتب الباحثون أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم قد يوفر احتياطيا أيضيا أكبر في مواجهة العمليات الهدمية الشائعة خلال المراحل المبكرة من الخرف.
وأشاروا أيضا إلى أن الأنسجة الدهنية تنتج هرمون الإستروجين، الذي قد تكون له تأثيرات واقية للأعصاب لدى كبار السن.
هل الساركوبينيا تسبب الخرف؟
رغم النتائج اللافتة، فإن الدراسة الجديدة لا تثبت أن فقدان العضلات أو الساركوبينيا يسببان التدهور المعرفي بشكل مباشر.
ويرجع ذلك إلى أن الدراسة عبارة عن تحليل تلوي لأبحاث رصدية سابقة، ولذلك فهي تظهر وجود ارتباط بين الظاهرتين، لكنها لا تثبت وجود علاقة سببية.
ويشير الباحثون إلى احتمال أن تكون التغيرات المرضية المرتبطة بالتنكس العصبي هي التي تؤثر في تكوين الجسم، وليس العكس.
كيف يمكن أن تؤثر العضلات في الدماغ؟
يرى الباحثون أن هناك آليات بيولوجية معروفة يمكن أن تساعد في تفسير الارتباط الذي ظهر في الدراسة.
فالعضلات الهيكلية تعمل أيضا كعضو يفرز مواد تعرف باسم الميوكينات، ومن بينها الإيريسين وعامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ.
وترتبط هذه المواد بخصائص واقية للأعصاب، وبناء الوصلات العصبية، ومقاومة الالتهاب.
ويشير الباحثون إلى أن انخفاض كتلة العضلات وتراجع جودتها قد يؤديان إلى انخفاض إشارات الميوكينات، ما قد يضعف قدرة الخلايا العصبية على مقاومة الأضرار والتكيف معها.
مقاومة الإنسولين والنشاط البدني
ترتبط الساركوبينيا أيضا بمقاومة الإنسولين وانخفاض النشاط البدني.
وقد تؤثر هذه العوامل في تدفق الدم إلى الدماغ، ووظيفة بطانة الأوعية الدموية، وصحة الجهاز العصبي الوعائي.
وبحسب الباحثين، يمكن أن تسهم هذه التغيرات في تسريع الأضرار التي تصيب المادة البيضاء في الدماغ وزيادة عمليات التنكس العصبي بشكل عام.
الحفاظ على العضلات وصحة الدماغ
رغم أن العلماء ما زالوا بحاجة إلى فهم أعمق لكيفية ارتباط الساركوبينيا بالخرف، فإن النتائج تضيف إلى الأدلة التي تشير إلى أن بعض عوامل خطر الخرف على مستوى السكان يمكن تعديلها، وقد يكون بالإمكان الوقاية من جزء منها لدى بعض الأشخاص.
وكتب الباحثون أن النتائج تؤكد أهمية اتباع نهج يمتد طوال مراحل الحياة في التعامل مع تكوين الجسم بهدف الوقاية من الخرف.
كما تدعم النتائج استراتيجيات الصحة العامة التي تركز على الحفاظ على تكوين صحي للجسم، وتشير إلى أن الجمع بين إجراءات الوقاية والعلاج التي تستهدف كتلة العضلات والدهون في الجسم معا قد يكون مفيدا في خفض خطر الإصابة بالخرف.
ونشرت نتائج الدراسة في المجلة الدولية لعلوم الأغذية والتغذية (International Journal of Food Sciences and Nutrition).