قد تكشف الاختبارات الجينية المتقدمة عن تغيرات وراثية تزيد خطر الإصابة بالسرطان لدى الأطفال والشباب، ما يتيح للأطباء وضع خطط رعاية ومتابعة مخصصة، كما يساعد العائلات على معرفة ما إذا كان أفراد آخرون يحملون التغير الجيني نفسه.
كل إنسان عبارة عن مجموعة من الأجزاء الجينية التي تعمل معا لتكوين الصورة الكاملة لشخصيته البيولوجية. وقد يكون من الصعب فهم هذه الأجزاء كل منها على حدة، لكن اجتماعها يشكل الصورة التي تحدد خصائص الجسم.
وأحيانا لا يعمل أحد هذه الأجزاء بالطريقة المعتادة. ففي علم الوراثة، يمكن حتى لتغير صغير أن يؤثر في الصورة الأكبر. وهذا هو أحد الأسس التي يمكن أن يعمل بها خطر السرطان الوراثي، إذ قد يؤدي تغير في الشفرة الجينية للشخص إلى زيادة احتمال إصابته بالسرطان.
لكن ماذا لو أمكن التنبؤ بهذا الخطر؟ وماذا لو أمكن معرفة ما إذا كان الطفل، وحتى أبناؤه في المستقبل، قد يرثون الجين المتغير نفسه؟ وهل يمكن اتخاذ خطوات تساعد على اكتشاف السرطان مبكرا أو حتى تقليل خطر الإصابة به؟
هذه الأسئلة كانت وراء إطلاق مشروع خطر السرطان الوراثي (PICR)، وهو دراسة سريرية في عيادة DanceBlue لأمراض الدم والأورام لدى الأطفال التابعة لمستشفى Golisano Children's في جامعة كنتاكي.
ويستخدم المشروع اختبارات جينية متقدمة للتعرف على المرضى من الأطفال والشباب الذين يحملون تغيرات جينية تزيد خطر إصابتهم بالسرطان.
وبناء على هذه المعلومات، يمكن للأطباء وضع خطة رعاية مخصصة لكل مريض، ومعرفة ما إذا كان أفراد آخرون من العائلة يحملون خطرا وراثيا مشابها.
البحث عن دلائل وراثية
سرطان الأطفال ( مصادر الصور: Unsplash )
في عام 2018، وبعد فترة قصيرة من تعيينه رئيسا مؤقتا لقسم أورام الأطفال، لاحظ الطبيب والباحث جون أ. دورازيو تزايد الإحالات المتعلقة بالسرطان الوراثي من مركز ماركي للسرطان، وهو مركز شامل للسرطان تابع لنظام الرعاية الصحية بجامعة كنتاكي ويحمل تصنيف المعهد الوطني للسرطان، كما يمتلك برنامجا خاصا للاختبارات الجينية المتعلقة بالسرطان.
وقال دورازيو، الذي يشغل حاليا منصب رئيس قسم أورام الأطفال والباحث الرئيسي في مشروع PICR، إن أطفال المرضى في مركز ماركي كانوا يحملون تغيرا جينيا يزيد خطر إصابتهم بالسرطان.
وأضاف أن العائلات كانت تخضع لما يعرف باسم الاختبار المتتابع للعائلة، حيث يتم فحص أفراد آخرين لمعرفة من قد يكون معرضا للخطر. وفي بعض الحالات، كان يظهر أن أحد الأطفال يحمل التغير الجيني نفسه، ما يعني حاجته إلى رعاية ومتابعة خاصة.
ومع وجود عشرات المتلازمات السرطانية، التي يحتاج كل منها إلى خبرة متخصصة، قد يكون من الصعب على طبيب الأطفال العام متابعة هذه المخاطر خلال الفحوصات الروتينية.
ولهذا طور دورازيو، بالتعاون مع الطبيبة أماندا هارينغتون، خدمة الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال والمراهقين والشباب، بهدف توفير رعاية مخصصة للأشخاص المتأثرين بمتلازمات السرطان الوراثية.
وقال دورازيو إن الاعتماد على العلامات السريرية وحدها قد يؤدي إلى عدم اكتشاف نحو نصف المرضى الذين لديهم خطر وراثي للإصابة بالسرطان.
وأوضح أن فكرته كانت إطلاق دراسة سريرية وعرضها على المرضى الذين أصيبوا بسرطانات خلال مرحلة الطفولة أو الشباب، للبحث عن احتمال وجود إحدى متلازمات السرطان الوراثية لديهم، لأن هذه المعلومات يمكن أن تؤثر في طريقة علاجهم، كما تحمل أهمية كبيرة لبقية أفراد العائلة.
وقالت هارينغتون، المديرة الطبية لخدمة الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال والمراهقين والشباب، إن هناك بعض المؤشرات السريرية المفيدة، إذ توجد أنواع معينة من الأورام التي تحدث لدى الأطفال ويعرف الأطباء أنها قد ترتبط بصفة وراثية.
لكن ذلك لا ينطبق دائما، كما أن التاريخ العائلي لا يكون دقيقا إلا بقدر ما يتذكره أفراد الأسرة أو يرغبون في مشاركته.
وتساعد المعلومات الجينية الأشخاص على اتخاذ قرارات أكثر اطلاعا بشأن صحتهم في المستقبل.
قراءة شجرة العائلة على المستوى الجيني
يبحث مشروع خطر السرطان الوراثي عن إجابتين أساسيتين لدى كل شخص يخضع للفحص: هل للسرطان مكون وراثي؟ وهل يحمل أفراد آخرون من العائلة الخطر الجيني نفسه؟
ويحمل نحو طفل أو مراهق أو شاب واحد من كل 10 أشخاص ممن يتم تشخيص إصابتهم بالسرطان تغيرا جينيا يزيد خطر إصابتهم بالمرض.
ويعمل جيمس كولارد مستشارا وراثيا في عيادة DanceBlue، حيث يساعد العائلات على فهم عملية الاختبار الجيني ومعرفة كيفية التعامل مع المعلومات التي تكشفها النتائج.
وقال إن الفريق يبدأ برسم شجرة للعائلة تعرف باسم شجرة النسب الوراثية، اعتمادا على تاريخ عائلي مفصل.
ويمكن لاختبار بسيط للدم أو اللعاب أن يكشف مخاطر كامنة في الشفرة الجينية للعائلة.
وقد يؤدي تغير واحد في جين واحد إلى تأثيرات تمتد عبر أجيال متعددة.
وتستطيع فرق علم الوراثة في جامعة كنتاكي إرسال أطقم لجمع عينات اللعاب إلى أفراد العائلة الممتدة، بعد خضوعهم هم أيضا للاستشارة الوراثية، للمساعدة على استكمال الصورة الجينية للعائلة.
ويختبر مشروع PICR مجموعة من الجينات، وهو الخيار الأكثر ملاءمة لكثير من مرضى سرطان الأطفال، وفقا لكولارد.
لكن عيادة DanceBlue توفر أيضا اختبارات جينية مخصصة يمكن استخدامها في الحالات الأكثر تعقيدا أو غير المعتادة.
وأوضح كولارد أن الفريق يستطيع تتبع التغيرات الجينية داخل العائلة من خلال تحديد تغير معين لدى شخص، ثم فحص التغير نفسه لدى أحد أقاربه، ومقارنة ذلك بالكم الكبير من المعلومات التي يمكن الحصول عليها عند فحص الجينوم بأكمله.
وجود التغير الجيني لا يعني الإصابة بالسرطان
يشدد كولارد وهارينغتون على نقطة مهمة للعائلات: وجود تغير جيني مرتبط بزيادة خطر السرطان لا يعني أن الشخص سيصاب بالسرطان حتما.
وبدلا من ذلك، يساعد الأطباء العائلات على وضع خطة تتضمن تغييرات في نمط الحياة يمكن أن تقلل بعض المخاطر، إضافة إلى تحديد الوقت المناسب لبدء فحوصات الكشف المبكر، مثل تنظير القولون وتصوير الثدي الشعاعي.
وتجربة الاختبارات الجينية كانت قريبة جدا من عائلة بو لين.
فبعد وفاة ابنته لوري بسبب السرطان عام 2012، خضع هو وابنتاه الأخريان للاختبارات الجينية.
وأظهرت الفحوص أن لين يحمل تغيرا في أحد جينات BRCA، وهو تغير يمكن أن يزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي.
واكتشف سرطان الثدي لدى إحدى ابنتيه في مرحلة مبكرة، وتم علاجها بنجاح، بينما اختارت الابنة الأخرى الخضوع لاستئصال الثدي الوقائي لتقليل خطر إصابتها.
وألهمت هذه التجربة لين وزوجته غيل ليصبحا من أوائل الداعمين لمشروع PICR.
وقال لين إن أهمية هذه الاختبارات يصعب وصفها، موضحا أن عائلته تحمل تغيرا في جين BRCA، وأن فرعا واحدا فقط من أربعة فروع في جيله لم يتأثر به، بما في ذلك الأبناء والأحفاد.
وأضاف أن دعم المشروع ساعد في تمويل الاختبارات الجينية للأطفال المصابين بالسرطان وإتاحة الفحوص لجميع أفراد عائلاتهم، مشيرا إلى أن عددا من أفراد عائلته ما زالوا على قيد الحياة بفضل التكنولوجيا والمعلومات التي حصلوا عليها.
المعرفة تساعد على اتخاذ قرارات أفضل
يعرف دورازيو وهارينغتون وكولارد أن الحصول على المعلومات وحده لا يكفي، إذ تحتاج العائلات إلى فهم النتائج وتحويل هذا الفهم إلى خطوات عملية.
وقال كولارد إن أحد أكبر المفاهيم الخاطئة هو اعتقاد المرضى أن النتيجة الإيجابية للاختبار تعني إما أنهم مصابون بالسرطان بالفعل أو أنهم سيصابون به حتما.
وأكد أن النتيجة تعني زيادة في الخطر، لكنها لا تضمن الإصابة بالسرطان.
وقالت هارينغتون إن الفريق تعامل مع حالات كان فيها الطفل أول فرد في العائلة يصاب بورم مرتبط بجين وراثي مسبب للاستعداد للسرطان.
وفي بعض هذه الحالات، لا يحمل أي من الوالدين التغير الجيني نفسه، لكن من المهم أن يعرف الطفل مع تقدمه في العمر إمكانية نقل هذا التغير إلى أبنائه في المستقبل.
الاختبارات قد تكشف مخاطر غير متوقعة
في حالات أخرى، يمكن أن تكشف الاختبارات الجينية مخاطر سرطانية غير متوقعة ولا علاقة لها بالورم الذي دفع إلى إجراء الفحص في البداية.
فأثناء البحث عن تغير جيني محدد يشتبه الأطباء في علاقته بسرطان الطفل، قد يكشف الاختبار عن خطر وراثي آخر للإصابة بالسرطان.
وقد لا يفسر هذا التغير تشخيص الطفل، لكنه يمكن أن يحمل أهمية كبيرة لأفراد آخرين من العائلة، مثل الكشف عن زيادة خطر إصابة أحد الوالدين بسرطان الثدي.
وبالاستناد إلى إرشادات الشبكة الوطنية الشاملة للسرطان (NCCN) الخاصة بكل تغير جيني موثق، يعمل فريق PICR مع العائلات لتحديد موعد بدء الفحوصات الدورية وعدد مرات إجرائها.
كما يتم تخصيص الاستشارات والمواد التعليمية وأشكال الدعم الأخرى لكل عائلة، حتى تحصل على المعلومات والدعم في كل مرحلة.
وقال دورازيو إن هذا يمثل فعليا شكلا من أشكال الطب الشخصي، موضحا أنه لا توجد حالتان متطابقتان، وحتى إذا كان التغير الجيني نفسه موجودا لدى شخصين، فإن خصائص كل فرد قد تستدعي وضع خطة مختلفة له.
التعاون لدعم علاج السرطان
تريد عائلات مثل عائلة لين المساعدة في ضمان حصول مزيد من العائلات على معلومات مبكرة حول مخاطر السرطان الوراثية.
وتساعد تبرعات الداعمين وصندوق أبحاث سرطان الأطفال في ولاية كنتاكي على تغطية تكلفة التسلسل الجيني، الذي لا تغطيه خطط التأمين لدى معظم العائلات.
كما توسع المشروع ليشمل التعاون مع مستشفى نورتون للأطفال في مدينة لويفيل.
وفي أكتوبر 2025، انضم مستشفى كنتاكي للأطفال إلى تحالف Golisano Children's وأصبح جزءا من Golisano Children's at UK.
ويضم التحالف 21 مستشفى آخر للأطفال في أنحاء الولايات المتحدة، ويجمع خبراء بهدف توسيع إمكانات الرعاية والبحث في مجال طب الأطفال.
ومن مشاريع هارينغتون أيضا مجلس الأورام الجزيئي الوراثي للأطفال، وهو جهد متعدد التخصصات يجمع الأطباء والباحثين لعرض نتائج مخاطر السرطان الوراثية أمام مجموعة من أطباء الأورام والباحثين والمتخصصين في تسلسل الجينوم والمستشارين الوراثيين وأخصائيي الأخلاقيات، لمناقشتها وتقديم التوصيات بشأنها.
وقال دورازيو إنه بعد انضمام المركز إلى تحالف Golisano Children's، تواصل مع زملائه في مستشفيات الأطفال الأخرى وأطلعهم على ما يقومون به في جامعة كنتاكي، ودعاهم إلى المشاركة.
وأبدى ممثلون عن مستشفيات أطفال أخرى اهتماما بالمشاركة في مجلس الأورام، مع إمكانية توسيع مشروع PICR ليشمل المؤسسات الشريكة.
احتياجات العائلات جزء من البحث
لا تقتصر الاستفادة من آراء الأطباء والباحثين والمستشارين الوراثيين على الجانب الطبي، إذ يرى دورازيو أن من أهم مصادر المعلومات آراء المرضى وعائلاتهم أنفسهم.
فخوف الإصابة بالسرطان موجود لدى كثير من الناس، لكنه قد يكون أكثر شدة لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض أو نتيجة جينية إيجابية.
وبناء على المقابلات والاستبيانات، تعاون فريق PICR مع أخصائيتي علم النفس لدى الأطفال ميغان إل. مارساك وتانيشا جونسون لتوفير موارد تساعد على تلبية الاحتياجات العاطفية للعائلات.
كما يبحث الفريق عن أفكار جديدة لدعم العائلات في أثناء إجراء الاختبارات الجينية وما يليها من مراقبة وفحوصات دورية.
من القلق إلى اتخاذ القرار
يرى دورازيو أن جوهر هذا العمل يتمثل في تزويد الأطفال والعائلات بالمعلومات التي يحتاجون إليها لمواجهة خطر السرطان في وقت مبكر، مع إجابات أكثر وضوحا ودعم أكبر.
ويقول إن فهم احتياجات مجتمع الأشخاص المعرضين وراثيا للسرطان ثم توفير الموارد اللازمة للاستجابة لهذه الاحتياجات يمثل جزءا أساسيا من مستقبل البرنامج.
ويمكن لهذا النوع من الدعم أن يساعد العائلات على الانتقال من حالة عدم اليقين إلى اتخاذ خطوات عملية، من خلال فهم أوضح لما يعنيه الخطر الجيني وما يمكن فعله بعد ذلك.
وقالت هارينغتون إن معرفة العائلة بأنها تحمل هذا الخطر يمكن أن تمنحها قدرة أكبر على اتخاذ القرارات.
وأكدت أن وجود الخطر لا يعني حتمية الإصابة بالسرطان، لكنه يمنح الشخص فرصة اختيار المشاركة في برامج الكشف المبكر وتحديد الطريقة التي يريد بها الاهتمام بصحته، بهدف اكتشاف أي سرطان في مرحلة مبكرة تكون فيها خيارات العلاج أفضل.
وأضافت أن هذه المعرفة قد تسبب بعض القلق، لكنها في الوقت نفسه تتيح اتخاذ خطوات استباقية واكتشاف المرض في أقرب وقت ممكن، كما تساعد الأشخاص على اتخاذ قرارات أكثر اطلاعا بشأن صحتهم وصحة أطفالهم ومستقبلهم.